كان مشدودا بالحبال وجرّه الرجال. وكلّ من سافر من خوارزم في طريق سخسين يرى ذلك الماء في طريقه ، ولا حيلة في ذلك إلّا ما شاء الله وانّه من عجائب الدنيا.
وبقرب خوارزم على ستّ مراحل منها بحيرة تستمدّ من جيحون. يخرج منها حجر على صورة البطيخ يعرف بالحجر اليهودي. لهذا الحجر فوائد كثيرة ذكرت في كتاب الخواص ، وأشهرها ما يستعمله الأطبّاء لوجع الحصاة في المثانة ، نعوذ بالله منه ، وهو نوعان : ذكر وأنثى ، فالذكر للرجال والأنثى للنساء.
خويّ
مدينة معمورة من مدن آذربيجان ، ذات سور حصين ومياه وأشجار ، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات ، كثيرة الأهل. وأهلها أهل السنّة والجماعات على مذهب واحد ، ليس بينهم اختلاف المذاهب. يعمل بها الديباج الذي يسمّونه الجولخ.
بها عين كنكلة ؛ حدّثني بعض فقهاء خويّ أن هذه العين ينبع منها ماء كثير جدّا بارد في الصيف حارّ في الشتاء.
ينسب إليها القاضي شمس الدين الخوي. كان عالما فاضلا ذا فنون من العلم شرعياته وعقلياته ، ذا تصانيف حسنة. فلمّا كان هجوم التتر هرب من خراسان وذهب إلى الشام ، وما عرفوا قدره ، رتّبوه معيدا في مدرسة دمشق.
حكي أن ابن الجوزي بعث رسولا إلى الملك المعظم من دار الخلافة ، فلمّا وصل إلى دمشق التمس أن يستدلّ بين يدي الملك المعظم ، وكان الملك فقيها حنفيّا ، فجمع له أعيان دمشق ، وكان ابن الجوزي واعظا فصيحا قادرا على الكلام ، وما كان في القوم من يناقش بالمنوع الدقيقة. فلمّا قام قال : هذه مدينة حسنة ليس فيها فقيه! فتأذّى الملك المعظم من ذلك وقال : ان هذا يعتقد انّه قال شيئا!
فقالوا له : ههنا فقيه عجميّ جمع بينهما وتفرّج عليهما. فلمّا حضر ابن الجوزي طلبوا شمس الدين ، فأراد تمشية مقدمة معه فما قدر ، ثمّ ان شمس الدين أخذ مقدماته وقلبها عليه ثمّ عارضه في المقدمات وفي الحكم حتى جعله مبهوتا. فقال ابن الجوزي : هذا الفقيه في أيّ شيء شغل؟ قالوا : ما هو في شيء من الأشغال.
فقال : مثل هذا يترك عاطلا؟ فولّاه قضاء دمشق وتدريس العادلية. توفي قريبا من أربعين وستمائة شابّا ، رحمة الله عليه.
خيوق
قرية من قرى خوارزم. ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ أبو الجناب ، أحمد بن عمر بن محمّد الخيوقيّ المعروف بكبرى. كان أستاذ الوقت وشيخ الطائفة وفريد العصر. له رسالة الهائم الخائف من لومة اللائم ، من حقّها أن تكتب بالذهب ، ما صنّف مثلها في الطريقة. ومن عجائبها ما ذكر أن للشيطان لطائف عجيبة في اضلال الناس ، فيضلّ كلّ واحد حسبما يليق بحاله : أمّا الجهال فيضلّهم بجهلهم ، وأمّا العلماء فيقول اشتغل بتحصيل العلوم ، أما عرفت قول النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم : لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد؟ فاصرف عمرك في تحصيل العلوم ، فإذا كان آخر عمرك اشتغل بالعمل ؛ فيأتيه الموت يعبه فجأة ، فيكون له علم بلا عمل.
وحكى ، رحمه الله ، أنّه كان يجاهد نفسه ، فجاء الشيطان ليوسوس عليه الحال فقال : إنّك رجل عالم تتبع آثار النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فاشتغل بسمع أحاديث النبيّ وآثار المشايخ الكبار الحفّاظ ، فإنّك إن اشتغلت بمجاهدة النفس فإن عليك إدراك المشايخ الكبار والأستاذ العالي ، وأمّا المجاهدة فلا تفوتك فيما بعد! فكدت أعمل بوسوسته فهتف بي هاتف :
ومن يسمع الأخبار من غير واسط
حرام عليه سمعها بوسائط!
فعرفت أن ذلك الخاطر من وساوسه فتركته. توفي الشيخ قريبا من سنة عشر وستمائة.
وينسب إليها الشيخ الفاضل العالم شهاب الدين الخيوقي. كان نائب السلطان خوارزمشاه في جميع مملكته ، والقضاة والمدرّسون والمفتون في جميع مملكة السلطان نوّابه ، فإذا دخل مدينة كان المدرّسون والقضاة والعلماء يحضرون درسه ، وكان شافعي المذهب متعصّبا لأصحابه ، وكان من عادته انّه إذا دخل مدينة ذهب إليه الفقهاء وقرأوا عليه محفوظهم ، وكان الشيخ يولّيهم الأشغال من كان صالحا لها.
دير برصوما
على قلّة جبل ببلاد الروم بقرب ملطية. وهذا دير معتبر عند النصارى ، فإنّهم يقولون ان برصوما كان من الحواريّين ، وهو الدير الذي ينادى بطلب نذره في بلاد الروم وديار بكر وربيعة والشام. فيه رهبان كثير يؤدّون كلّ عام إلى صاحب الروم عشرة آلاف دينار من نذره.
حكى العفيف مرجى التاجر الواسطي قال : اجتزت بهذا الدير قاصدا بلاد الروم ، فسمعت كثرة ما ينذرون له ، وان النذر له لا يخطىء ، فألقى الله على لساني ان قلت : هذا القماش الذي معي مشتراه خمسة آلاف درهم ، فإن بعته بسبعة آلاف درهم فلبرصوما من خالص مالي خمسون درهما! فدخلت ملطية وبعته بسبعة آلاف درهم ، فلمّا رجعت سلّمت إلى رهبانه خمسين درهما ، وسألته عن برصوما فذكر أنّه مسجى على سرير وأن أظافيره تطول كلّ عام ، وانّهم يقلّمونها ويحملونها إلى صاحب الروم مع ما له عليهم من القطيعة.
الرّوم
بلاد واسعة من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا وعجائب ذكرت في مواضعها. مياهها أعذب المياه وأخفّها ، وهواؤها أصحّ الأهوية وأطيبها ، وترابها أطيب الأتربة وأصحّها. ومن خواصّها نتاج الدوابّ والنعم. وليس في شيء من البلاد مثل مائها يحمل منها إلى سائر الآفاق ، وكذلك أصناف الرقيق من الترك والروم.
وأهلها مسلمون ونصارى. وشتاؤها يضرب المثل به حتى وصفه بعضهم فقال : الشتاء بالروم بلاء وعذاب وعناء! يغلظ فيها الهواء ويستحجر الماء ، تذوي الوجوه وتعمش العيون وتسيل الأنوف وتغيّر الألوان وتقشف الأبدان ، وتميت كثيرا من الحيوان. أرضها كالقوارير اللامعة وهواؤها كالزنابير اللاسعة ، وليلها يحول بين الكلب وهريره والأسد وزئيره ، والطير وصفيره ، والماء وخريره ، ويتمنّى أهلها من البرد الأليم دخول حرّ الجحيم!
وبلاد الروم بلاد واسعة ومملكة عظيمة ، ولبعدها عن بلاد الإسلام وقوّة ملكها بقيت على كفرها كما كانت ، وانّه أحد معجزات رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، انّه قال : أمّا فارس فلا نطحة أو نطحتان ثمّ لا فارس بعدها! وأمّا الروم فإنّها ذات قرون كلما مرّ قرن يخلفه قرن آخر!
وأهل الروم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس ، ولبرد بلادهم ودخولها في الشمال ترى الغالب على ألوانهم البياض ، وعلى شعورهم الشقرة ، وعلى أبدانهم الصلابة. والغالب على طبعهم مباشرة اللهو والطرب ، لأنّ المنجّمين زعموا ان الروم تتعلّق بالزهرة.
وحكي أن أهل الروم كانوا لا يملّكون إلّا من كان أكثرهم عقلا وأوفرهم علما وأصحّهم بدنا ، وإذا اختلّ منه شيء من هذه ملّكوا غيره وعزلوه ، وكانوا على هذا إلى أن أصاب ملكهم آفّة فهمّوا بعزله ، فقال الملك : اصبروا
عليّ زمانا فإن داويت مرضي فأنا أولى من غيري ، وإلّا فافعلوا ما شئتم! فذهب إلى بلاد الشام ليتداوى بحمة كانت بها ، فرأى الملّة النصرانيّة قد ظهرت بها ، فأخذ جمعا من القسوس والرهابين ورجع بهم إلى الروم ، ودعا الناس إلى الملّة النصرانيّة ولم يزل يجيب قوم بعد قوم حتى صاروا أمّة واحدة.
وحكي عن أهل الروم أنّهم يتّخذون صور الملوك والحكماء والرهابين يستأنسون بها بعد موتهم. ولهم في التصوير يد باسطة حتى يصوّرون صورة الإنسان ضاحكا وباكيا ، وصورته مسرورا وصورته حزينا.
وحكي أن مصوّرا دخل بلدا ليلا ونزل بقوم فضيّفوه ، فلمّا سكر قال : إني صاحب مال ومعي كذا وكذا دينارا ، فسقوه حتى طفح وأخذوا ما كان معه وحملوه إلى موضع بعيد منهم. فلمّا أصبح ، وكان غريبا لم يعرف القوم ولا المكان ، ذهب إلى والي المدينة وشكا فقال له الوالي : هل تعرف القوم؟ قال : لا. قال : هل تعرف المكان؟ قال : لا. قال : فكيف السبيل إلى ذلك؟ فقال الرجل : إني أصوّر صورة الرجل وصورة أهله فاعرضها على الناس لعلّ أحدا يعرفهم! ففعل ذلك وعرض الوالي على الناس ، فقالوا : انّها صورة فلان الحمامي وأهله.
فأمر بإحضاره فإذا هو صاحبه فاستردّ منه المال.
ويقام بالروم سوق كلّ سنة أوّل الربيع أربعين يوما يقال لذلك السوق «بيله» يأتيها الناس من الأطراف البعيدة من الشرق والغرب والجنوب والشمال.
والتجار يجهدون غاية جهدهم حتى يدركوا ذلك السوق ، فمتاع أهل الشرق يشتريه أهل المغرب وبالعكس ، ومتاع أهل الشمال يشتريه أهل الجنوب وبالعكس.
ويقع فيه من المماليك والجواري التركية والرومية ، ومن الخيل والبغال الحسنة ، ومن الثياب الأطلس ، ومن السقلّاط ومن الفراء الفندر وكلب الماء والبرطاس ، ويدلسون تدليسات عجيبة. ومن عادة هذا السوق ان من اشترى شيئا فلا يردّه البتّة ؛ وحكي أن بعض التجّار اشترى مملوكا حسن الصورة بثمن بالغ ، فلمّا غاب عنه بائعه وجده جارية مستحسنة!
وبها الخانات على طرق القوافل على كلّ فرسخ خان ، بنتها بنات السلاطين للثواب ، فإن البرد بالروم ثمانية أشهر والثلج كثير ، والقفل لا ينقطع في الثلج ، فيمشون كلّ يوم فرسخا وينزلون في خان من الخانات ، ويكون فيه من الطعام والشعير والتبن والحطب والبزر والاكاف والنعال والمنقل ، وانّها خير عظيم لم يبن مثلها في شيء من البلاد.
ومن خواصّ الروم أن الإبل لا تتولّد بها ، وإذا حملت إليها تسوء حالها وتتلف.
بها جبل أولستان. في وسط هذا الجبل شبه درب فيه دوران ، من اجتاز فيه وفي حال اجتيازه يأكل الخبز بالجبن ، ويدخل من أوّله ويخرج من آخره لا يضرّه عضّة الكلب الكلب ، وإن عضّ إنسانا غيره فعبر من بين رجلي المجتاز يأمن أيضا غائلته. وهذا حديث مشهور بالروم.
وبها عين النار بين أقشهر وانطاكية ، إذا غمست فيه قصبة احترقت.
حدّثني من شاهدها أنه قد ذكر ذلك للسلطان علاء الدين كيخسرو عند اجتيازه بها ، فوقف عليها وأمر بتجربتها ، فكان الأمر كما قالوا.
رندة
مدينة حصينة بأرض الأندلس من أعمال تاكرنا قديما. استجلب إليها المياه من ناحية المشرق وناحية المغرب فتوافي المياه داخلها.
بها نهر رندة ، وهو نهر يتوارى في غار لا يرى جريه أميالا ، ثمّ يخرج إلى وجه الأرض ويجري.
وبها نهر البرّادة ، وهو نهر يجري في أوّل الربيع إلى آخر الصيف ، فإذا دخل الخريف يبس إلى أوّل الربيع من القابل ، وهو على فرسخين من رندة.
روين دز
قلعة في غاية الحصانة على ثلاثة فراسخ من المراغة في فضاء من الأرض.
ضرب بحصانتها وإحكامها المثل. وهي بين رياض على يمينها نهر وعلى يسارها نهر. وعلى القلعة بستان يسمّى عميداباذ ، ومصنع بئر الماء من تحتها. وفيها عين في صخرة صمّاء ينبع منها ماء يسير. وبحذاء القلعة جبل ، وفي ذلك الجبل عين غزيرة الماء ينزل عن الجبل ويصعد القلعة بطريق الفوارات بصنعة عجيبة ، ومنها شرب أهل القلعة ، والقلعة لغاية حصانتها في أكثر الأوقات لا يعطي صاحبها الطاعة لصاحب المراغة.
زمخشر
قرية من قرى خوارزم. ينسب إليها العالم الفاضل أبو القاسم محمود بن عمر جار الله الزمخشري. كان بالغا في علم العربيّة وعلم البيان ، وله تصانيف حسنة ليس لأحد مثلها في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني مع إيجاز اللفظ ، حتى لو أن أحدا أراد أن ينقص من كلامه حرفا أو يزيد فيه بان الخلل. ذهب إلى مكّة وجاور بها مدّة فسمّي جار الله ، وصنّف بمكّة كتاب الكشّاف في الحرم الشريف حتى وقع التأويل حيث وجد التنزيل ، وإنّه كتاب في غاية الحسن لولا التعصّبات الباردة على وقف الاعتزال ، وانّه كان من أهل العلم والفضل. هذا منه عجيب.
سبتة
مدينة من بلاد الأندلس على شاطىء مجمع البحرين ؛ قال محمّد بن عبد الرحيم الغرناطي : مدينة سبتة مدينة عظيمة كثيرة الأهل حصينة مبنية بالحجر وفيها خلق كثير من أهل العلم ، وعندها كانت الصخرة التي قال يوشع لموسى ،
عليه السلام : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت واتّخذ سبيله في البحر عجبا. وهو الحوت الذي أكلا نصفه والنصف الآخر أحياه الله تعالى ، فوثب في البحر وارتفعت المياه كالقنطرة ، والحوت يمشي تحتها ، فلهذا قال : واتّخذ سبيله في البحر عجبا.
ولها نسل في ذلك الموضع إلى الآن ، وهي سمكة أطول من ذراع وعرضها شبر نصفها عظام وشوك ، عليها غطاء رقيق يحفظ أحشاءها. ومن رآها من ذلك الجانب يحسب انّها ميتة مأكولة ، والنصف الآخر صحيح كما يكون السمك الصحيح ، والناس يتبرّكون بها ويهدونها إلى المحتشمين. وأمّا اليهود فإنّهم يشترونها ويقدّدونها ويهدونها إلى البلاد البعيدة.
سبرى حصار
قلعة حصينة بالروم مشهورة على مرحلتين من قونية ، بها بيعة كمنانوس.
حدّثني بعض الفقهاء من أهلها أن الدابّة إذا احتبس ماؤها يطاف بها حول هذه البيعة سبعا فينفتح ماؤها ، وذلك أمر مشهور يعرفه أهل تلك البلاد كلّهم.
سرقسطة
مدينة كبيرة من أطيب بلاد الأندلس بقعة ، وأحسنها بنيانا وأكثرها ثمارا وأغزرها مياها. حكى أحمد بن عمر العذري أنّها لا يدخلها حنش ولا يعيش بها.
ومن أعمالها قرية يقال لها بلطش ؛ قال العذري : بها عين يابسة العام كلّه ، فإذا كان أوّل ليلة من شهر اغشت انبعثت بالماء تلك الليلة ، ومن الغد إلى وقت الزوال ، فعند ذلك يبدو فيها النقصان وإلى أوّل الليل يجفّ ، ويبقى كذلك إلى تلك الليلة من العام القابل. وسرقسطة بيد الإفرنج ، ملكوها سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.