بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 535

سمرقند

مدينة مشهورة بما وراء النهر قصبة الصغد ؛ قالوا : أوّل من أسّسها كيكاوس ابن كيقباذ ، وليس على وجه الأرض مدينة أطيب ولا أنزه ولا أحسن من سمرقند.

عن أنس بن مالك أنّه قال : مدينة خلف نهر جيحون تدعى بسمرقند ، لا تقولوا لها سمرقند ولكن قولوا المدينة المحفوظة. فقالوا : يا أبا حمزة وما حفظها؟ قال : أخبرني رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أن مدينة خلف النهر تسمّى المحفوظة لها أبواب ، على كلّ باب خمسة آلاف ملك يحفظونها ، وخلف المدينة روضة من رياض الجنّة ، وخارج المدينة ماء حلو عذب من شرب منه شرب من ماء الجنّة ، ومن اغتسل به خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ، ومن تعبّد فيها ليلة يقبل منه عبادة ستّين سنة ، ومن صام فيها يوما فكأنّما صام الدهر ، ومن أطعم فيها مسكينا لا يدخل الفقر منزله أبدا.

حكي أن شمر بن افريقيش بن أبرهة جمع جنوده خمسمائة ألف رجل ، وسار نحو بلاد الصين ، فلمّا وصل إلى الصغد عصى عليه أهل تلك البلاد ، وتحصّنوا بسمرقند ، فأحاط بها من جميع الجهات وحاصرها ، فلم يظفر بها. وسمع أن ملكها أحمق وله ابنة تدبّر أمر الملك ، فأرسل إليها هدية عظيمة وقال : إني إنّما قدمت هذه البلاد لأتزوّج بك ، ومعي أربعة آلاف صندوق ذهبا وفضّة أدفعها إليك وأمضي إلى الصين ، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت فالمال لك! فأجابته إلى ذلك فأرسل إليها أربعة آلاف صندوق فيها أربعة آلاف رجل ، ولسمرقند أربعة أبواب إلى كلّ باب ألف صندوق ، وجعل العلامة بينهم ضرب الجرس. فلمّا دخلوا باب المدينة ضربوا الجرس ، فخرج الرجال وملكوا الأبواب حتى اتّصل بهم جنود شمر وملكوا المدينة ونهبوها ، وقتلوا وهدموا فسمّيت شمركند ، فعرّبته العرب وقالوا : سمرقند. ثمّ سار شمر نحو الصين


صفحه 536

فمات في الطريق هو وأصحابه عطشا.

فلمّا هلك تبّع بن أبي مالك أراد أن يأخذ بثأر جدّه ، فسار نحو الصين ، فلمّا وصل إلى سمرقند وجدها خرابا فأمر بعمارتها وردّها إلى ما كانت وأحسن منها. فلمّا كان زمن الإسكندر وجدها موضعا شريفا فبالغ في عمارتها ، وبنى لها سورا محيطا بها استدارته اثنا عشر فرسخا ، فيها بساتين ومزارع وارحاء ، ولها اثنا عشر بابا من الباب إلى الباب فرسخ ، وعلى أعلى السور آزاج وأبرجة للحرب. وإذا جزت المزارع جزت إلى الربض وفيه أبنية وأسواق.

وبها الجامع والقهندز ومسكن السلطان. وفي المدينة الداخلة نهر من رصاص يجري على مسنّاة عالية من حجر ، ويدخل المدينة من باب كشّ ، وأكثر دروبها ودورها فيها الماء الجاري ، ولا تخلو دار من بستان حتى لو صعدت قهندزها لا ترى أبنية المدينة لاستتارها بالبساتين والأشجار. وأمّا داخل سور المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال. وبسمرقند أشياء ظريفة تنقل إلى سائر البلاد : منها الكاغد السمرقندي الذي لا يوجد مثله إلّا بالصين ؛ وحكى صاحب الممالك والمسالك انّه دفع من الصين إلى سمرقند سبي ، وكان فيهم من يعرف صنعة الكاغد ، فاتّخذها ثمّ كثرت حتى صارت متجرا لأهل سمرقند ، فمنها تحمل إلى سائر البلاد.

بها جبل قال صاحب تحفة الغرائب : في هذا الجبل غار يتقاطر منه الماء في الصيف ، ينعقد من ذلك الماء الجمد ، وفي الشتاء من غمس يده فيه يحترق.

ينسب إليها الإمام الفاضل البارع ركن الدين العميدي أعجوبة الزمان ، انتشر صيته في الآفاق وفاق كلّ مناظر بالطبع السليم والذهن المستقيم. قال أستاذنا أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري : ما رأيت مناظرا مثل العميدي في فصاحة الكلام وبلاغة المعاني ، وحسن التقرير وتنقيح البيان!

وحكي أن زين الدين عبد الرحمن الكشّي ، وكان من فحول العلماء ، استدلّ في محفل ، وكان العميدي حاضرا فصبّ عليه من الملازمات حتى بهره فقال الكشّيّ :


صفحه 537

قل واحدا واحدا واسمع جوابه! فلمّا شرع الكشّيّ في الجواب كان العميدي يزيد على الجواب أيضا. فلمّا أظهر القدرة خلّاه حتى تمّمه. وإذا حضر العميدي مدينة حضر جميع الفقهاء عنده ، واغتنموا حضوره وقرأوا تصانيفه.

وعزم الذهاب إلى بلاد العراق فقالوا للسلطان : إن هذا رجل عديم المثل زينة لهذه البلاد ؛ فمنعه من مفارقة تلك البلاد. فلمّا وصل إلى نيسابور قالوا له :إن كان لك التماس من السلطان فالتمس ولا تخرج عن مملكته.

وحكي أنّه كان يباحث أحدا فنقل نقلا فأنكر المباحث ذلك النقل ، فقام ودخل البيت حتى يأتي بالكتاب الذي فيه النقل فأبطأ الخروج فدخلوا عليه فإذا هو مفارق. وكان ذلك قريبا من سنة عشر وستمائة.

سيواس

مدينة بأرض الروم مشهورة خصينة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات.

أهلها مسلمون ونصارى ، والمسلمون تركمان وعوام طلاب الدنيا وأصحاب التجارات ، وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة ، وأسباب الفسق والبطالة عندهم ظاهرة.

وحكى بعض الغرباء قال : دخلت سيواس فسألت عن مسجد آوي إليه ، فدلّوني على بعضها فدخلته فإذا فيه دنان فيها خمور ، فحولقت وأردت أن أريقها فقلت : أنا رجل غريب ، هذا على يد المحتسب أولى. فسألت عن دار المحتسب وسألت عنه قالوا : إنّه سكران نائم! فعجبت من هذا أيضا أن المحتسب يكون سكران ، فصبرت حتى استيقظ وقلت له ما رأيت في المسجد ، فقال : هذا مسجد لا وقف له ، وأثّر فيه الخراب فأكريناه من بعض الخمّارين وأخذنا الأجرة سلفا ، وعمرنا المسجد بها! فقلت : ما أنت رجل مسلم؟ قال : بلى. قلت له :اراقة الخمر واجب عليك فكيف تركت الواجب؟ فقال : يا هذا أريق خمور النصارى حتى يضمّنوني قيمتها؟ قلت : قالوا لي انّك سكران نائم فكيف يكون المحتسب سكران؟ فقال : إن القوم لقلّة ديانتهم يمزجون الماء بالنبيذ ويبيعونه ،


صفحه 538

وأنا أذوق منه وأزجر من يفعل ذلك.

وحكي أن بسيواس وقفا على علف الطيور شتاء ، وذلك عند وقوع الثلج عمّ جميع وجه الأرض ، فعند ذلك ينتقل صغار الطيور من الصحراء إلى العمران ، فتشترى الحبوب بحاصل هذا الوقف وتنثر على السطوح لتلتقطها الطيور الضعاف.

شاش

ناحية من وراء نهر سيحون متاخمة لبلاد الترك. كانت أكبر ثغر في وجه الترك ، وكانت من أنزه بلاد الله وأكثرها خيرا. وكانت عامّة دورهم يجري فيها الماء وكلّها مستترة بالخضرة ، فخربت في زمن السلطان محمّد خوارزمشاه ، بسبب اختلاف عساكره وعساكر خطا ، فقتل ملوكها وجلا أهلها عنها لعجزه عن ضبطها ، فبقيت تلك الديار والأنهار والأشجار والأزهار خاوية على عروشها ، وذلك قبل ورود التتر.

ينسب إليها أبو بكر محمّد بن عليّ بن إسماعيل القفّال الشاشي. كان عالما فقيها ذا تصانيف كثيرة. درس على أبي العبّاس بن سريج ، وهو الذي أنشأ علم المناظرة وأظهر مذهب الشافعي ببلاد ما وراء النهر. وكان أوّل أمره قفّالا ، عمل قفلا وزنه دانق مع الفراشة والمفتاح ، فتعجّب الناس من حذقه. واختار مذهب الشافعي وعاد إلى ما وراء النهر ، وانتشر فقه الشافعي بما وراء النهر مع غلبة الحنفية هناك. وكان علّامة في التفسير والفقه والأدب والجدل والأصول.

وبها جبل اسبرة ؛ قال الاصطخري : هي جبال يخرج منها النفط ، وانّها معدن الفيروزج والحديد والصفر والانك والذهب. ومنها جبل حجارته سود يحترق مثل الفحم ، يباع منه وقر أو وقران بدرهم ، فإذا احترق اشتدّ بياض رماده فيستعمل في تبييض الثياب ، ولا يعرف مثله في شيء من البلاد ، وفي الطبيعة عجائب لا يعلم سرّها إلّا الله.


صفحه 539

شاطبة

مدينة كبيرة قديمة في شرقي الأندلس ، يذكر أهلها بالشرّ والظلم والتعدي ؛ قال صفوان بن ادريس المرسي في وصف شاطبة :

شاطبة الشّرق شرّ دار

ليس بسكّانها فلاح

الظّلم عند الورى حرام

وإنّه عندهم مباح!

ينسب إليها المقرئ الشاطبي. عمل قصيدة طويلة لأميّة ، وذكر القراءات فيها وأسماء القرّاء بالحروف المرموزة ، ولم يقصّر في جميع ذلك ونظمه.

شاشين

جزيرة توازي حدّ الأندلس ، طولها مسيرة عشرين يوما. وهي كثيرة الخيرات آهلة كثيرة المواشي جدّا ، وغنمها بيض كلّها ، لا يكاد يوجد بها شاة سوداء. وأهلها أكثر الناس تحلّيا بالذهب ، فيكون الوضيع والشريف يطوّق بالذهب ، ولأشرافهم أسورة الذهب في زنودهم ، وملوكهم يركّبون صفائح الذهب على دروز الخياطة من الثياب.

بها نوع من الصوف في غاية الحسن ، لا يوجد مثلها في شيء من البلاد ؛ قالوا سبب ذلك أن نساءها يدهنّ الصوف بشحم الخنزير ، فيجوّد عملها ولونها أبيض أو فيروزجيّ وانّها في غاية الحسن.

وبها عجب ليس في جميع الدنيا ، وهو أن على شاطئ بحرهم شجرا فربّما انهارت الأجراف ووقعت الشجرة في البحر ، فيضطرب من الأمواج حتى يصير عليه طخاء أبيض ، فلا يزال كذلك ويصير الطخاء زائدا حتى يصير فى خلقه بيضة ، ثمّ تخطط البيضة على خلقة طائر فلا يحتبس إلّا رجلاه ومنقاره ، فإذا أراد الله نفخ الروح فيه يخلق ريشه وينفصل الرجلان والمنقار من العود فيصير


صفحه 540

طائرا يسعى في البحر على سطح الماء ، ولا يوجد حيّا أبدا ، فإذا مدّ البحر حمله الماء إلى السواحل فيوجد ميتا. وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي يقال له الغطاسة.

وحكى أحمد بن عمر العذري أن بعض الناس أتى بعود ، وقد تخلّق فيه حمل من البيض إلى بعض الملوك ، فأمر الملك أن يبنى عليه قبّة شبه قفص ويترك في الماء ، فلم يزل على الضفة حتى تبرأت الطيور من العود داخل القبّة.

شبليّة

قرية من كور أسروشنة بما وراء النهر من أعمال بخارى. ينسب إليها أبو بكر دلف بن جعفر الشبلي الزاهد العارف ، أعجوبة الدهر وصاحب الحالات العجيبة ؛ كان أبوه حاجب الموفق فورث منه ستّين ألف دينار ، فحضر مجلس جبر النسّاج وأنفق ذلك المال على الفقراء ، وذهب إلى ناحية دماوند وقال لأهلها :اجعلوني في حلّ ، فإني كنت والي بلدكم ، وقد فرطت مني فرطات. وحكى أبو عليّ الدقاق انّه كان للشبلي في بدء أمره مجاهدات شديدة حتى انّه كان يكتحل بالثلج والملح حتى لا ينام ، وكان في آخره يقول :

وكم من موضع لوّمت فيه

لكنت به نكالا في العشيره

وحكي أن الشبلي سئل عن العارف والمحبّ ، فقال : العارف إن تكلّم هلك ، والمحبّ إن سكت هلك. ثمّ أنشد :

يا أيّها السّيّد الكريم ،

حبّك بين الحشا مقيم

يا دافع النّوم عن جفوني

أنت بما حلّ بي عليم!

وكان بين يديه مرآة ينظر فيها كلّ ساعة ويقول : بيني وبين الله عهد ان ملت عنه عاقبني ، وأنا أنظر كلّ ساعة في المرآة لأعرف هل اسودّ وجهي أم لا.

وكان إذا اشتدّ به الوجد يقول :


صفحه 541

أنت سؤلي ومنيتي

دلّني كيف حيلتي؟

قد تعشّقت وافتضح

ت وقامت قيامتي!

محنتي فيك أنّني

لا أبالي بمحنتي

يا شفائي من السّقام

وإن كنت علّتي

تعبي فيك دائم

فمتى وقت راحتي؟

وحكي انّه كان محبوسا في المارستان ، فدخل عليه جماعة فقال : من أنتم؟فقالوا : أحبابك جئناك زائرين! فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال : لو كنتم أحبابي لصبرتم على بلائي! توفي الشبلي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة.

شغنسة

مدينة بالأندلس بقرب وادي الحجارة ؛ قال العذري : من عجائبها الجبل الذي هو مطلّ عليها ، إذا كسر حجره يخرج من كسره زفت أسود شبه القار ، ومن أراد يجمع منه ما شاء. وليس للهوامّ بها كثير فعل.

شلب

مدينة بالأندلس بقرب باجة ؛ قال العذري : لها بسيط يتّسع وبطائح تنفسح ، وبها جبل عظيم منيف كثير المسارح والمياه.

من عجائبها ما ذكره خلق لا يحصى عددهم أنّه قلّ أن يرى من أهل شلب من لا يقول شعرا ولا يتعانى الأدب ، ولو مررت بالحرّاث خلف فدّانه وسألته الشعر لقرض في ساعته أي معنى اقترحت عليه ، وأيّ معنى طلبت منه صحيحا!


صفحه 542

شنترة

مدينة بالأندلس بقرب الأشبونة على ساحل البحر ، وعليها ضبابة دائمة لا تنقشع. من عجائبها تفّاحها ، فإنّ بها تفّاحا دورة واحدة منها ثلاثة أشبار ، وهي الآن بيد الفرنج. ملكوها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.

شنترين

مدينة بالأندلس بقرب باجة على ساحل البحر. أرضها في غاية الكرم. مبنيّة على نهر باجة ، وللنهر فيض في بطائحها كفيض النيل بمصر. زرع أهلها على نداوته في مواضع فيضه بعد فوات أوان الزرع في غيرها من البلاد ، فيدرك بالعاجل.

وبها يوجد العنبر الجيّد الذي يقذفه البحر إلى ساحله في بعض الأوقات ، يحمل منها إلى سائر البلاد.

ومن عجائبها ما ذكر أن دابّة تخرج من البحر هناك وتحتك بحجارة على ساحل البحر فيسقط منها وبرة على لون الذهب ولين الخزّ وهي قليلة عزيزة جدّا فيجمعها الناس وينسج منها الثياب فيحجر عليها ملوكهم ولا تنقل من بلادهم إلّا بالخفية ، وتزيد قيمة الثوب منها على ألف دينار لحسنه وعزّته.

شنت مريّة

مدينة قديمة بالأندلس. ومعنى شنت مرية بلغة الفرنج مدينة مريم. وبها كنيسة ؛ قال أحمد بن عمر العذري : انّها بناء رفيع وسوار عظيمة من فضّة ، لم ير الراؤون مثلها في طول مفرط وعرض لم يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها.

وبها عين ماء إذا رآها الناظر من البعد لا يشكّ في أنّها جارية ، فإذا قرب منها ووقع البصر على منبعها لم يرها جارية أصلا ، فإذا تباعد عنها رآها جارية!