النقّاش : وهذا الحديث واهٍ[١].
ويقول الدارقطني ـ وهو أمير المؤمنين في الحديث عندهم في القرن الرابع الهجري ـ : هذا الحديث لا يثبت[٢].
وإذا رجعتم إلى كتاب العلاّمة العبري الفرغاني المتوفّى سنة ٧٤٣ ه ، يقول في شرحه على منهاج البيضاوي : إنّ هذا الحديث موضوع[٣].
ولو رجعتم إلى ميزان الاعتدال لرأيتم الحافظ الذهبي يذكر هذا الحديث في مواضع عديدة من هذا الكتاب ، وهناك يردّ هذا الحديث ويكذّبه ويبطله ، فراجعوا[٤].
وإذا رجعتم إلى تلخيص المستدرك ترونه يتعقّب الحاكم ويقول : سنده واه جدّاً[٥].
وإذا رجعتم إلى مجمع الزوائد للهيثمي حيث يروي هذا الحديث عن طريق الطبراني يقول : وفيه من لم أعرفهم[٦].
[١]ميزان الاعتدال ١ / ١٤٢.
[٢]لسان الميزان ٥ / ٢٣٧.
[٣]شرح المنهاج : مخطوط.
[٤]ميزان الاعتدال ١ / ١٠٥ ، ١٤١ و ٤٣ / ٦١٠.
[٥]تلخيص المستدرك ـ ط في ذيل المستدرك ٣ / ٧٥.
[٦]مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.
وإذا رجعتم إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني الحافظ شيخ الإسلام لرأيتم يذكر هذا الحديث في أكثر من موضع وينصّ على سقوط هذا الحديث ، فراجعوا لسان الميزان[١].
وإذا رجعتم إلى أحد أعلام القرن العاشر من الهجرة ، وهو شيخ الإسلام الهروي ، له كتاب الدر النضيد من مجموعة الحفيد ـ وهذا الكتاب مطبوع موجود ـ يقول : هذا الحديث موضوع[٢].
وابن درويش الحوت يورد هذا الحديث في كتابه أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ، ويذكر الأقوال في ضعف هذا الحديث وسقوطه وبطلانه[٣][٤].
فهذا الحديث ـ إذن ـ لا يليق أنْ يُستدلّ به على مبحث الإمامة ، سواء كان يستدل به الشيعة الإمامية أو السنّة ، حتّى لو
[١]لسان الميزان ١ / ١٨٨ ، ٢٧٢ و ٥ / ٢٣٧.
[٢]الدر النضيد من مجموعة الحفيد : ٩٧.
[٣]أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب : ٤٨.
[٤]هذا ، وللحافظ ابن حزم الاندلسي في الإستدلال بهذا الحديث كلمة مهمة جدّاً ، إنّه يقول ما هذا نصّه : ولو أننا نستجيز التدليس والأمر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحاً أو أبلسوا أسفاً لاحتججنا بما روي : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » ، ولكنّه لم يصح ويعيذنا الله من الإحتجاج بما لا يصح. الفصل في الملل والنحل ٤ / ٨٨.
أردنا أن نستدلّ عليهم بمثل هذا الحديث لإمامة عليعليهالسلام، وهو حديث تبطله هذه الكثرة من الأئمّة ، فلا يمكن الإحتجاج به على القوم لإثبات الإمامة أصلاً ، ولا يمكن الإستدلال به في مورد من الموارد.
ولذا نرى بعضهم لمّا يرى سقوط هذا الحديث سنداً ، ومن ناحية أُخرى يراه حديثاً مفيداً لاثبات إمامة أبي بكر دلالة ومعنىً ، يضطر إلى أن ينسبه إلى الشيخين والصحيحين كذباً.
فالقاري ـ مثلاً ـ ينسب هذا الحديث في كتابه شرح الفقه الأكبر إلى صحيحي البخاري ومسلم ، وليس الحديث موجوداً في الصحيحين ، ممّا يدلّ على أنّهم يعترفون بسقوط هذا الحديث سنداً ، لكنّهم غافلون عن أنّ الناس سينظرون في كتبهم وسيراجعونها ، وسيحقّقون في المطالب التي يذكرونها.
ثمّ كيف يأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبالإقتداء بالشيخين ، مع أنّ الشيخين اختلفا في كثير من الموارد ، فبمن يقتدي المسلمون ؟ وكيف يأمر رسول الله بالإقتداء بالشيخين ، مع أنّ الصحابة خالفوا الشيخين في كثير ممّا قالا وفعلا ؟ وهل بإمكانهم أن يفسّقوا أولئك الصحابة الذين خالفوا الشيخين في أقوالهما وأفعالهما ، وتلك الموارد كثيرة جدّاً ؟!
الدليل الثالث :
قول رسول الله لأبي الدرداء : « ما طلعت شمس ولا غربت ... » إلى آخره.
هذا الحديث ضعيف للغاية عندهم ، فقد رواه الطبراني في الأوسط بسند قال الهيثمي : فيه إسماعيل بن يحيى التيمي وهو كذّاب.
وفيه أيضاً ـ أي في مجمع الزوائد بسند آخر يرويه عن الطبراني ويقول : فيه بقيّة ـ بقيّة بن الوليد ـ وهو مدلّس وهو ضعيف[١].
وهو ساقط عند علماء الرجال.
الدليل الرابع :
« هما سيّدا كهول أهل الجنّة ».
هذا الحديث يرويه البزّار ، ويرويه الطبراني ، كلاهما عن أبي سعيد.
[١]مجمع الزوائد ٩ / ٤٤.
قال الهيثمي حيث رواه عنهما في مجمع الزوائد : فيه علي بن عابس وهو ضعيف.
ويرويه الهيثمي عن البزّار عن عبيدالله بن عمر ويقول في راويه عبد الرحمن بن ملك : هو متروك[١].
وليس لهذا الحديث سند غير هذين السندين.
الدليل الخامس :
« ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أنْ يتقدّم عليه غيره ».
ومن حسن الحظ أنّ الحافظ ابن الجوزي أورد هذا الحديث في كتاب الموضوعات وقال : هذا حديث موضوع على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم[٢].
وإذا كانت فتاوى ابن الجوزي معتبرة عند ابن تيميّة وأمثاله ، فليكنْ قوله وفتواه في هذا المورد أيضاً حجة.
الدليل السادس :
وأمّا صلاة أبي بكر ، وهي مسألة مهمة جدّاً لسببين :
[١]مجمع الزوائد ٩ / ٥٣.
[٢]كتاب الموضوعات ١ / ٣١٨.
السبب الأول :إنّ خبر صلاة أبي بكر وارد في الصحيحين لا بسند بل أكثر ، ووارد في المسانيد والسنن ، وفي أكثر كتبهم المعتبرة المشهورة.
وثانياً :الصلاة أفضل العبادات ، وإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمقد أرسل أبا بكر ليصلّي في مكانه في حال مرضه ودنوّ أجله ، فإنّه سيكون دليلاً على أنّه يريد أنْ يرشّحه للخلافة من بعده ، فيكون هذا الحديث ـ حديث صلاة أبي بكر في مكان رسول الله ـ من أحسن الأدلّة على إمامة أبي بكر.
ولو راجعتم الكتب لرأيتم اهتمامهم بهذا الحديث ، واستدلالهم بهذا الخبر على رأس جميع الأدلّة وفي أوّل ما يحتجّون به لإمامة أبي بكر.
رووا هذا الحديث عن عدّة من الصحابة ، وعلى رأسهم عائشة بنت أبي بكر ، ولكنّك لو تأمّلت في الأسانيد لرأيت الصحابة يروون هذا الخبر مرسلاً ، أو يسمعون الخبر عن عائشة وتكون هي الواسطة في نقل هذا الخبر ، وحينئذ تنتهي جميع أسانيد هذا الخبر إلى عائشة ، وعائشة متّهمة في نقل مثل هذه القضايا لسببين :
الأوّل :مخالفتها لعلي.
الثاني :كونها بنت أبي بكر.
ولكنْ بغضّ النظر عن هذه الناحية ، لو نظرنا إلى ملابسات هذه القضية والقرائن الداخلية في ألفاظ الخبر ، وأيضاً القرائن الخارجية التي لها علاقة بهذا الخبر ، لرأيتم أن إرسال أبي بكر إلى الصلاة كان بإيعاز من عائشة نفسها ، ولم يكن من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فمن جملة القرائن المهمة التي لها الأثر البالغ في فهم هذه القضية : قضية أمر رسول الله بخروج القوم مع أُسامة ، قضية بعث أُسامة ، وتأكيدهصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى هذا البعث إلى آخر لحظة من حياته المباركة.
أمّا أنّ النبي كان يؤكّد على بعث أُسامة ، وإلى آخر لحظة من حياته ، فلم يخالف فيه أحد ، ولا خلاف فيه أبداً ، وهو مذكور في كتبنا وفي كتبهم ، فلا خلاف في هذا.
وأمّا أنّ كبار الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كانا في هذا البعث ، فهذا أيضاً ثابت بالكتب المعتبرة التي نقلت هذا الخبر ، فكيف يأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبخروج أبي بكر في بعث أُسامة ، ويؤكّد على خروجه إلى آخر لحظة من حياته ، ومع ذلك يأمر أبا بكر أنْ يصلّي في مكانه ؟
وهنا يضطرّ مثل ابن تيميّة لأن ينكر وجود أبي بكر في بعث أُسامة ، ويقول هذا كذب ، لأنّه يعلم بأنّ وجود أبي بكر في بعث
أُسامة ، يعني كذب خبر إرسال أبي بكر إلى الصلاة ، ولكنّ مسألة الصلاة من أهمّ أدلّتهم على إمامة أبي بكر ، إذن ، لابدّ من الإنكار والحال أنّ وجود أبي بكر في بعث اُسامة لا يقبل الإنكار.
أنقل لكم عبارة واحدة فقط ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري بشرح البخاري :
قد روى ذلك ـ أي كون أبي بكر في بعث أُسامة ـ الواقدي ، وابن سعد ، وابن إسحاق ، وابن الجوزي ، وابن عساكر ، وغيرهم[١]. أي : وغيرهم من علماء المغازي والحديث.
ولذا لمّا توفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان أُسامة بجيشه في خارج المدينة ، ولذا لمّا ولّي أبو بكر اعترض أُسامة ولم يبايع أبا بكر قال : أنا أمير على أبي بكر وكيف أُبايعه ؟ ولذا لمّا سيّر أبو بكر أُسامة بما أمره رسول الله به استأذن منه إبقاء عمر في المدينة المنورة ، ليكون معه في تطبيق الخطط المدبرة.
القرائن الداخلية والخارجية تقتضي كذب هذا الخبر ، أي خبر : أنّ النبي أرسل أبا بكر إلى الصلاة.
ولكن لا نكتفي بهذا القدر ، ونضيف أنّ عليّاًعليهالسلامكان يعتقد ،
[١]فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ / ١٢٤.