يتلظَّى بشواظ مِن لَظىً
وبرغم أنَّ القطب الشِّيرازيّ كان عالماً موسوعياً بارزاً، لكن رشيد الدِّين أيضاً من طبقة الكتّاب ذوي المواهب المتعددة، فضلاً عن الدور السياسي الَّذي أدَّاه في الدولة المغولية.
ونضيف إلى ذلك أنَّ قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ كان شافعي المذهب أي أنّه ينتمي عقائدياً وفقهياً إلى المذهب نفسه الَّذي يعتنقه رشيد الدِّين، وكان يمكن لهذا - فضلاً عن الأسباب الأخرى - أن يوثق العلاقة بين الرجلين.
ومع ذلك فلننظر إلى هذه النكات التي أطلقها بحق رشيد الدِّين - ولا شك في أنّها جارحة- لنعرف شيئاً من التنافس بينهما[68]:
لمّا سمع قُطْب الدِّين أنَّ رشيد الدِّين الهَمَذَانيّ كتبَ رسالة في قوله عزَّ وجلَّ حكاية عن الملائكة: قَالُوا [سُبْحَانَكَ] لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا[69]، قال: [كان] يجب عليه أن يقف على قوله تعالى: لَا عِلْمَ لَنَا .
وحين انتهى رشيد الدِّين من بناء المسجد الفخم الَّذي قلَّ نظيره في الربع الرشيدي بتبريز سنة 706هـ/1306م، المسجد الَّذي أخذَ بلُبِّ الشاعر المبدِع أوحدي المراغئي فرأى فيه موضعاً يليق لأن يجلس فيه الإمام المهدي المنتظر[70]، دعا رشيدُ الدِّين جمعاً من أصدقائه وكبار الشخصيات الَّذين وصفوا المحراب الذي أُنفقَ على بنائه وتزيينه أموالاً وافرة. وعندما جاء دور قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ علَّق قائلاً: ما فيه عيبٌ، إلَّا أنَّ قِبْلته منحرفة إلى جهة المغرب ، أي إلى جهة بيت المقدس حيث قبلة اليهود. يشير بذلك إلى الديانة التي كان عليها رشيد الدِّين أو أبوه قبل إسلامه.
[68]النكات الثلاث ذكرها تقي الدين الفاسي في منتخَب المختار، 221، نقلاً من ابن الفوطي.
[69]سورة البقرة: 32.
[70]انظر: لغت نامه دهخدا، مادة ربع رشيدي .
والنُّكتة الثالثة نقلها ابن الفُوَطِيّ أيضاً، وهي أنّه قيل لقُطْب الدِّين الشِّيرازي: إنَّ رشيد الدِّين قد شَرَعَ في تفسيرالقرآنالكريم، فعلَّقَ قُطْب الدِّين بالقول: وأنا قد اهتممتُ في تفسيرالتوراة، أي كما أنَّ يهودياً قد شَرَعَ بتفسيرالقرآن، فسأبادر أنا المسلم إلى الشروع بتفسيرالتوراة. وكلتا النكتتين فيهما لمزٌ واضح وتلميح هو أبلغ من التصريح إلى ديانة رشيد الدِّين الأولى اليهودية.
ومن منطلق يلتزم بالتحليل السيكولوجي ومبدأ الحتمية النفسية الَّذي يقول: إنَّ الظاهرات النفسية لا تتم جزافاً، نقولُ: إنَّ هذه النُّكات تكشف عن لاشعورٍ مشحونٍ بعدوانيةٍAgressivity) ) مرتبطةٍ بالإحباط (Frustration)، هذه العدوانية موجهة نحو الآخر رشيدِ الدِّين الَّذي نعتقد أنَّ قُطْب الدِّين كان يرى فيه منافِساً لا يستطيع التفوُّقَ عليه، لذا فهو يبادر إلى الحَطّ من قَدْرِهِ اجتماعياً من خلال كلامه، سواء أكان غلَّفه بثوب النُّكتة والمزاح أم أنّه كان فَلْتَة لسان، فإنّه يذكِّرنا بالقاعدة السيكولوجية التي أطلقها الإمام عَليّعلیه السلامقبل قرون من ظهور جهابذة التحليل النفسـي، التي قال فيها: ما أضمَرَ أحدٌ شيئاً إلَّا ظَهَرَ في فَلَتَاتِ لسانِه وصفحاتِ وجهِه[71].
ويبدو أنَّ أمر حساسية قُطْب الدِّين من رشيد الدِّين كانت أمراً شائعاً حتى إنَّ ابن فضل الله العمريّ ينقل عن أحد شيوخه قوله: كان لا يزال بينه (قُطْب الدِّين) وبين رشيد الوزير بغضاء تفرِّق اللَّحْم، وتدبُّ دبيبَ النار في الفَحْم[72].
ومع ذلك، فعندما أصدر رشيد الدِّين كتابهالتوضيحاتسنة 706هـ، تقدَّم جمعٌ من الأدباء والعلماء لتقريظ ذلك الكتاب كان من بينهم قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ:
[71]نهج البلاغة، 4/7.
[72]ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار، 9/119.
نجد رشيد الدِّين يذكر قُطْب الدِّين بعبارة مولانا الأعظم علَّامة العالَم، أفضل المتأخرين، قطب الملة والدِّين الشِّيرازيّ ، ووصفَ قُطْبُ الدِّين رشيدَ الدِّين بأنّه المخدوم الأعظم والدَّسْتور[73]والعالِم، منبع الجود والكرم، معدن الفضل والحِكَم، ملجأ وزراء العرب والعجم؛ باسط الأمن والأمان، ناشر العدل والإحسان، أفضل وأكمل إيران، خواجة العالَم، رشيد الملَّة والدين...[74]. ترى، ما مدى الصدق في مدائح كهذه ونوايا كاتبيها مضمرة في قلوبهم التي لا سبيل إلى الاطِّلاع عليها؟
كان نصير الدين الطُّوسيّ أهم أساتذة القطب الشِّيرازيّ حيث التقاه في مراغة الإيرانية سنة 658هـ. وهذا يعني أنَّ قُطْب الدِّين عاصر الحقبة التي كان فيها نصير الدين يجمع عقب احتلال المغول بغداد النوابغ من علماء العالم الإسلاميّ في مشـروعه العلميّ الكبير مرصد مراغة، الَّذي أنقذ أيضاً أرواح العشـرات من علماء الإسلام من بطش المغول حين ضمَّهم إلى هذا المشـروع الضخم[75]، بحكم أنَّ المغول قد عُرفوا بالاهتمام الفائق بالفلك والتنجيم؛ وكان الطُّوسيّ يسميه قطب فلك الوجود، وسافر معه إلى خراسان، ثُمَّ رجع إلى بغداد وسكن بالنظامية، وأكرمه صاحب الديوان[76].
[73]الدَّستور تعني الوزير، وكان رشيد الدِّين قد أصبح وزيراً لدى السلطان غازان منذ سنة 697هـ.
[74]رشيد الدِّين، تقريظ توضيحات رشيدي ، منشآت، الورقتان 20 أ، 21 أ.
[75]روى الصفديّ في (الوافي بالوفيات، 1/148)، واقعة تدخَّل فيها نصير الدين الطوسيّ بذكاء عجيب لإنقاذ حياة علاء الدين الجوينيّ من حُكم القتل الَّذي أصدره هُولاكُو بحقّه، ونجح في ذلك، ثُمَّ عقَّب الصفديّ بالقول: وهذا غاية في الدهاء، بَلَغَ به مقصده، ودَفَعَ عن الناس أذاهم، وعن بعضهم إزهاق أرواحهم .
[76]التقيّ الفاسيّ، منتخب المختار، 220.
وكانت للمؤرِّخ النابه ابن الفُوَطِيّ صلة بعالِمنا ومؤرِّخنا قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ، الَّذي التقاه في مناسبات كثيرة[77]وعاشره وهو يقول عنه: شيخنا طبيب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود الشِّيرازيّ[78]، ونال ابن الفُوَطِيّ منه إجازة في الرواية، وقال فيه أيضاً: كان دائم الفكر والكتابة، لم يخلُ القلم من يده، وكان الناس يجتمعون إليه ويقتبسون من فوائده؛ وكان مزَّاحاً، لطيف المحاضرة، كريم الأخلاق ، ويقول عن شخصيته العلمية: كان قد أدأب نفسه ليلاً ونهاراً في القراءة والتحصيل والبحث إلى أن فاق واشتهر في الآفاق، وهو مع ذلك عزيز النفس، عالي الهمة، يؤثر إسداء الخيرات إلى الخلائق بقلَمِه وكَلِمِه، ويسعى لهم بهمَّته وقَدَمِه، كثير المحفوظ من الأخبار والحكايات، وعيون الأشعار والمقطَّعات، باللغتين الفارسية والعربية. كتبَ الكثيرَ لنفسه من سائر العلوم النقلية والعقلية[79].
موسوعية قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ
لمَّا كان قُطْب الدِّين عالماً موسوعياً، نشير إلى بعض إنجازاته على الصعيد العلمي، فقد كان رياضياً، فلكياً، عالماً بالطبيعيات، كما عُني بالطب والفلسفة، واهتمَّ في أواخر حياته بعلم الكلام[80]، فعلى الصعيد الفلكي، شكَّل هو ونصير الدين الطُّوسيّ ومؤيد الدين العرضيّ ما يمكن أن نسميه الثالوث الفلكي في مرصد مدينة مراغة الَّذي أنشأه الطُّوسيّ بدعم من هُولاكُو وجمع فيه حشداً مهماً من علماء الفلك والرياضيات.
[77]انظر مثلاً: ابن الفُوَطِيّ، تلخيص مجمع الآداب، 3/470، 4/139، 140، 499.
[78]المصدر نفسه، 5/54. وأشار إليه أيضاً بلفظ شيخنا في (4/140).
[79]انظر: التقيّ الفاسيّ، منتخب المختار، 219 - 222.
[80]ألدو مييلي، العلم عند العرب، 298.
يقول الأستاذ جورج صليبا عن الثلاثة هؤلاء: إذا أخذنا بعين الاعتبار أعمال هؤلاء الثلاثة فقط لاستطعنا أن نشير إلى القرن الثالث عشـر الَّذي عاش فيه هؤلاء الثلاثة شهد قيام ثورة حقيقية في البحوث الفلكية، كما شهد تغييراً جذرياً في المواقف إزاء مسلَّمات علم الفلك[81]. وينتهي الباحث مورلون إلى القول: وهكذا تشكَّلت (مدرسة) حقيقية حول مراغة كان لها تأثير هام على كل التطور اللاحق في علم الفلك في الـشرق[82]. كما تمت على يده أولى المحاولات في التفسير العقلاني لقوس قزح بواسطة الانعكاسات والانكسارات المتتالية ضمن حُبَيبات المياه[83].
ولمّا كنّا لا نريد التوسع في ذكر مؤلَّفاته ببليوغرافياً وفي ذكر عناوينها، سنقتصر على تلك التي أهداها إلى حكّام عصره ومشاهيره، لأنّ ذلك يعيننا على تحديد الأزمان التي أُلّفت فيها، وربما الأماكن أيضاً، فضلاً عن معرفة علاقاته بأولئك، الَّذين لا بدَّ من أن يكونوا قد بادلوه هداياهم بما جادت به أيديهم تشجيعاً للعلم وأهله ليواصلوا نشـر علومهم، ممّا يطلعنا على شبكة اتصالاته بأولئك المشاهير وكذلك الأماكن التي تنقَّل فيها، وهي بمجموعها تشكّل محطَّات فاصلة في حياته. وقد قيل فيه: إنّه كان قويّ النفس، يخاطب السلطان والوزير كما يخاطب أصحابه، مع لينٍ وحسن خُلق، ولم يكن يتكلَّف في ملبس ولا يتصدَّر في مجلس، وكان كثير الشفاعات[84].
[81]صليبا، نظريات حركات الكواكب في علم الفلك العَرَبيّ بعد القرن الحادي عـشر ، موسوعة تاريخ العلوم العَرَبِيَّة، 1/96. وكان بناء هذا المرصد قد بدأ سنة 657هـ/1259م، وتمَّ في 661هـ/1263م.
[82]مورلون، مقدمة في علم الفلك ، موسوعة تاريخ العلوم العَرَبِيَّة، 1/42.
[83]تاتون، تاريخ العلوم العام، العلم القديم والوسيط، 494.
[84]التقيّ الفاسيّ، منتخب المختار، 223-224.
وننقل فيما يأتي كلام قُطْب الدِّين في مقدمة شرحه لكتابالقانونلابن سينا، الَّذي سمَّاهالتحفة السعدية، وسَرَدَ فيه سيرته الذاتية مع ذِكره أسماء بعض أساتذته:
يقول بعد البسملة والتحميد: كنتُ من شُبَّ إلى دُبّ[85]، مغرىً بطلب العلم ومجالسة أهله والتشبه بهم حسب الإمكان، ومساعدة الزَّمَان؛ وذلك من فضل الله عَليّ ولطفه بي أنْ حبَّبه إليَّ، فبذلتُ الوسع - والله الموفِّق- في تحصيل ما وُفِّقْتُ له من أنواعه وأصنافه، حتى صار لي قوة الاطِّلاع على خفاياه، وإدراك خباياه؛ وحلّ ما لم ينحلّ إلى هذا الزَّمَان، بل من لدُن آدمعلیه السلامإلى الآن؛ ولم آلُ جهداً في إعمال الطلَب، وابتغاء الأدب، إلى أن تشبثتُ مِن كلٍّ بطرف، وتشبَّهت فيه بأضرابي، ولا أقول تميّزتُ عن أترابي ، ثُمَّ يتكلم على صناعة الطب ويشرح مرتبتها المتقدمة في الصناعات:
وحيث كانت مرتبة هذه الصناعة بين الصناعات ما ذَكَرْنا، وكنتُ من أهل بيتٍ مشهورين بهذه الصناعة، وإنْ كان لهم أشرف من هذه البضاعة، لكونهم موفقين في العلاج، وإصلاح المزاج، بأنفاسٍ عيسوية، وأيد موسوية؛ شغفتُ في ريعان الشباب وحداثة السن بتحصيلها، والإحاطة بمجملها وتفصيلها. فاكتحلتُ السهاد، وتجنبتُ الرقاد، إلى أن حفظت المختصـرات المشهورة وتيقنتها، وشهدتُ المعالجات المتداولة وتحققتها، ومارست كلّ ما يتعلق بالطب والكَحْل، من أعمال اليد والسل، والتشمير والتقليب ولقط الطفرة والسبل، إلى غير ذلك إلَّا القَدْح فإنّه لا يحسن منّا، كلَّ ذلك عند والدي الإمام الهمام ضياء الدين مسعود بن المصلح الكازَرُونيّ، وكان بإجماعِ أقرانه - تغمَّده الله بغفرانه، وأسكنه أعلى غرف جنانه- بقراطَ زمانه، وجالينوس أوانه.
[85]المثل: أعييتني مِن شُبَّ إلى دُبَّ: أي من لدن كنت شابَّاً إلى أن دببت على العصا (انظر: الميداني، مجمع الأمثال، 2/325).
ولمّا اشتهرتُ بالحدس الصائب، والنظر الثاقب في تعديل العلاج، وتبديل المزاج؛ رتَّبوني طبيباً في المارستان المظفري بشيراز[86]بعد وفاة والديرحمة الله، وأنا ابن أربع عشـرة سنة، وبقيتُ عليه عـشر سنين كأحد الأطباء الَّذين لا يتفرَّغون لمطالعةٍ اللهمّ إلَّا لمعالجة، ولا للنظر في دليلٍ اللهمَّ إلَّا في دليل.
فأ بَتْ نفسي أن أكتفي من تعلُّم هذه الصناعة بما اكتفى به المعاصرون، وهو القدر الَّذي به يكتسبون، وإلى العامة يتشوقون؛ بل كلَّفتني أن أبلغ الغاية القصوى، والدرجة العليا.
فـشرعتُ في كلِّياتالقانونعند عمِّي سلطان الحكماء، مقتدى الفضلاء، كمال الدين أبي الخير ابن المصلح الكازَرُونيّ[87]، ثُمَّ الإمام المحقِّق، والحَبر المدقِّق، شمس المِلَّة والدين مُحَمَّد بن أحمد الحكيم الكِيشـيّ[88]، ثُمَّ علَّامة وقته وهو شيخ الكُلّ في الكُلّ شرف الدين زكي البُوشكانيّ[89]؛ فإنّهم كانوا مشهورين بتدريس هذا الكتاب، وتمييز قشـره عن اللباب؛ متعيّنين لحلِّ مشكلاته، وكشف معضلاته .
[86]هو المستشفى المعروف بدار الشفاء الَّذي بناه الأتابك مظفر الدين أبو بكر بن سعد المتوفّى سنة658هـ خلال مدَّة حكمه (انظر: زركوب الشِّيرازيّ، شيراز نامه، 85).
[87]ترجَمَه زركوب الشِّيرازيّ (شيراز نامه، 189)، وقال كان حكيماً متألهاً وطبيباً متديناً، لم يكن له نظير في عصره، وكان يتقن العلوم الشرعية والدينية...، توفي سنة 659هـ .
[88]هو محمَّد بن أحمد بن عبد اللّطيف. العلّامة، المصنِّف، ذو الفنون، شمس الدين القُرَشيّ، الكيشي. مدرس النظامية ببغداد. اتفق مولده بكيش سنة خمس عشـرة وستمائة. وكان موته بشيراز [سنة 695هـ] (جُنَيد الشِّيرازيّ، شدّ الإزار، 110، ونصَّ على أنّ قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ كان من تلامذته؛ الصَّفَديّ، الوافي بالوفيات، 2/100؛ مجهول كتاب الحوادث، 528، الَّذي قال: إنّه توفّي سنة 694هـ، وهو من سهو القلم). طُبع أخيراً أحد آثاره وهو الإرشاد إلى علم الإعراب.
[89]لم نهتدِ إلى ترجمته.