على أن لا ننسى احتمالاً آخر هو أن يكون كلا المؤرِّخين قد استفاد أيضاً من كتابات مؤرِّخينِ شهيرينِ عاشا تلك الحقبة هما ابن الساعي البَغْدَادِيّ (ت 674هـ)، وابن الكازَرُونيّ البَغْدَادِيّ (ت 697هـ) - وكتبهما كانت معروفة منذ زمن بعيد قبل أن يؤلّف القطب والرشيد كتابيهما - استفادا منها بصورة مباشرة أو بالواسطة من خلال كتابات ابن الفُوَطِيّ الَّذي بالغ في النقل من هذين المؤرِّخين البغداديينِ في كتابهمعجم الألقاب.
إنّه احتمال نراه مقبولاً إلى أن يتمَّ العثور على نصٍّ ينير لنا بشكل جازم علَّة هذا التشابه في الألفاظ الَّذي نجده في النصّين القطبيّ و الرشيديّ .
متى أَلَّفَ قُطْب الدِّين كتابه؟
أول تأريخ نجده مُعيناً لنا على تحديد الحقبة التي ألَّف فيها كتابه، هو قوله في أول الكتاب في أثناء كلامه على الملك تودا مُنكو وتسنُّمه العرش عقب وفاة أخيه مُنكوتيمور: ومن بعده توتا مُنكو الَّذي هو الملك اليوم، أي في شهور سنة ثمانين وستمائة[184]، مع أنّ رشيد الدِّين يقول: إنّ وفاة مُنكوتيمور وتسنّم توتا مُنكو العرش كان سنة 681هـ[185]. إذن كانت بداية التأليف في 680 أو 681هـ، أمّا نهايته فقد استمر يكتب الوقائع حتى التأريخ الَّذي قُتل فيه السلطان أحمد تكودار بن هُولاكُو ليلة الخميس 26 من جمادى الأولى سنة683هـ، وبويع ابن شقيقه السلطان أَرْغُون بن آباقا خان بن هُولاكُو في يوم الجمعة 27 من جمادى الأولى سنة683هـ[186]. وكأنّه كان قد وضع تاريخه هذا على منضدته يضيف إليه بين الحين والآخر ما يستجد من وقائع.
هذا ما يتعلق بمشاهداته الشخصية، أمّا ما نقله من غيره فقد بحثناه آنفاً.
[184]قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ، ابتدا دولت مغول، الورقة 22 أ.
[185]انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 1/ 527.
[186]انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 2/ 798، 807.
المغول والتتار
لكثرة ورود مصطلَحَي المغول و التتار في كتابات كهذه، لا بدَّ من التعريف بهؤلاء الغزاة القساة القلوب:
كانت قبيلة التتار واحدة من القبائل المغولية، وكان أفرادها يعيشون في المناطق القريبة من حدود ولايات الخِطا (الصين الشمالية)، وقد بلغوا من الشهرة والمَنَعَة حداً أن دُعي باسمهم سائر المغول وأصبحوا يعرفون بهم.
يقول المؤرِّخ المَغُوليّ رشيد الدِّين: لمّا كان التتار في قديم الأيام مهيمنين ومسلَّطين على أغلب أقوام الولايات، وكانوا ذوي جاه وشوكة وحُرمة تامَّة، وفي غاية العزَّة، فإنّ بقية أصناف الأتراك على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم وأساميهم دعوا أنفسَهم باسمهم، فكان يُطلَق على الجميع اسم التاتار...، كما أنّه في هذا العصـر، ولقوَّة شوكة جنكيز خان وأعقابه - ولكونهم مغولاً- فإنَّ بقية الأقوام من الأتراك مثل الجلائريين، والتاتار، و...، يسمُّون أنفسَهم جميعاً على سبيل التفاخر باسم المغول[187].
وكانت هناك معارك وحروب بين هؤلاء التتار والمغول، ومنها ما حدث على عهد جنكيز خان حيث خاض حرباً معهم انتصر فيها وقتل كثيراً منهم ونهبَ ممتلكاتهم[188].
إذن فالتتارُ قبيلةٌ من القبائل المغوليَّة، ومع ذلك فإنَّ جميع القبائل المغولية سُمِّيت باسمهم غالباً،كما حدث في حين آخر أن دُعي التتار باسم المغول.
[187]رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 1/57 - 58.
[188]انظر: The ecret History of the Mongols, P.63؛ رشيد الدِّين، جامع التواريخ، 1/59، 61؛ أبو الغازي، شجرة الأتراك، الورقة 25 أ.
استناداً إلى غروسيه، فإنّ المغول بالمعنى التاريخي الدقيق والمحدد لهذه الكلمة، الَّذين كان جنكيز خان واحداً منهم، كانوا يتجولون في الشمال الشـرقي لمنغوليا الخارجة التي تقع اليوم بين نهرَي أونونOnon، وكِرُولِن Kerulen[189]، النهرين اللذين يقعانإلى الشمال من صحراء غوبي (Gobi)[190].
ولا بدَّ من الإشارة أيضاً إلى أنّه لكون الأتراك والمغول قد سكنوا في مناطق تداخلت فيها قبائلهم فهم يذكرون معاً حتى إنّ المؤرِّخ رشيد الدِّين يُعنوِن أحد فصول كتابهجامع التواريخ، بالقول: ذِكرُ أقوامٍ من التُّرك الَّذين يُلَقَّبون المغول[191].
منهجنا في الترجمة والتحقيق
في ترجمتنا استعملنا حيناً الألفاظ العربية السائدة في كتب التراث في عصـر المؤلِّف، حتى إنّنا استعملنا الألفاظ المغولية والتركية الواردة في الأصل الفارسي لكون بعض مؤرِّخي ذلك العصـر من الناطقين بالعربيَّة كانوا يدرجونها في مؤلَّفاتهم لشهرتها، وقدَّمنا أدلّة على استعمالاتها تلك، مثل: القوريلتاي أي مجلس الشورى المغولي، واليارغو أي التحقيق أو المحاكمة. وبعد الانتهاء من الترجمة اتخذنا الخطوات الآتية:
أولاً: تخريج نصوص الكتاب على المصادر الموثوق بها الخاصة بالتاريخ المغولي وأهمُّها كتابجامع التواريخلرشيد الدِّين الهمذانيّ، والإشارة إلى موارد الاتفاق والاختلاف بين كتابنا وتلك المصادر.
[189]Grousset, The Empire of the steppse, p 193.
[190]انظر: فلاديميرتسوف، جنكيز خان، 51؛ تيموري، إمبراطوري مغول وإيران، 18؛ الغامدي، سقوط الدولة العَبَّاسِيَّة، 54.
[191]رشيد الدِّين، جامع التواريخ (مخطوطة أَيَا صوفيا)، الورقة 38 أ.
ثانياً: إذا وجدنا كلمة مطموسة أوسقطاً في النصّ، اقتبسناه من مصادر أُخرى ووضعناها بين عضادتين هكذا [ ]، كما وَضَعنا بين عضادتين كلَّ ما زِدناه على النصّ لإيضاح معنىً أو إكمال عبارة.
ثالثاً: عرَّفنا بإيجاز بأهم الأعلام الواردة في الكتاب. ولمَّا كانت صِيَغ كتابة أسماء الأعلام المغولية تعددت غالباً، أشرنا في الهوامش إلى تلك الصيغ، فمثلاً قنقرتاي نجل هولاكو يُكتب في المصادر: قنقورتاي، قونقورتاي، قونكقورتاي...، ممَّا قد يجعل القارئ يتصور أن كلَّ واحد من هؤلاء هو غير الآخر.
رابعاً: حرَصنا على تحديد المواقع الجغرافية بدقَّة - قدر المستطاع- وكان بعضها ذا أهمية خاصة مثل الجزيرة التي دُفِنَ فيها هولاكو وعدد من الملوك المغول، الجزيرة التي تُدعى الشَّاهِيَّة، وفيها وَضَعَ هولاكو الكنوز والأموال التي استولى عليها من العراق وغيره وسقط البُرج الذي اكتُنزَت فيه في البحر بفعل أحد الانهيارات.
خامساً: ما وُضِعَ بين قوسين داخل المتن هكذا ( )، هو لإيضاح ما قبله، مثل الـمُغُل (المغول)، ذلك أن صيغة الـمُغُل غير مألوفة في أغلب المصادر.
ختام وشكر
في الختام، لا بدَّ لي من توجيه خالص الشكر والتقدير لرفيقة عمري التي راجعت معي تَرْجَمَة هذا الكتاب باختيار أدقِّ الألفاظ في لغتنا العَرَبِيَّة الكريمة لتقابل ما تعنيه تماماً الجملةُ الفارسيةُ المتميِّزةُ في كتابنا هذاابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان، بسبب كون مؤلِّفه - الفارسي اللغة والأُممي الثقافة- عاش بين ظهراني العرب والفرس والمغول والتُّرك، كما تابَعَتْ - وكان هذا هو شأنها في جميع ما أصدره من كتب التراث-
التجاربَ الأولى للطبع وتصحيحَ الملازم وإعدادَ الفهارس التفصيلية بصَبر وجَلَد.
كما أشكر أفلاذ كبدي أزهر وأنور وعماد الَّذين كانوا يشكِّلون لي في كلّ مشـروع من مشاريعي البحثية والتحقيقية فريقاً متماسكاً يمدُّ لي يد العون في الطباعة أو جلب المصادر، أو إصلاح ما يحدث من مفاجآت في جهاز الطباعة الخاص بي وما أكثرها. فليجعل اللهُ ذلك لهم بِرَّاً بي، وليكتبهم في ديوان الأبرار.
لا يفوتني أن أتقدَّم بالشكر الجزيل للسادة المشرفين على مركز إحياء التراث التابع للعتبة العَبَّاسِيَّة المقدَّسة على رعايتهم لهذا المركز بما يضمن مواصلة البحث عن كنوز تراثنا الإسلاميّ ونشره، وفَّقَهم الله لهذه الجهود العلمية. وأخصّ بالذكر الأستاذ علي حبيب العيدانيّ على ما بذله من جهدٍ في مراجعة الكتاب من الناحية اللغوية.
آمل أن أكون قد قدَّمتُ ما ينفع الناس، ممّا هو مصداق قوله تعالى:
فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ، كَذَلِكَ يَـضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ[192].
يوسـف الـهادي
في 15/4/2016

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


الصفحة الاولى من النسخة المعتمدة