بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 165

لأنه لا ينقل في كلمة وأراد قوله تعالى: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}[1]؛ أي معينا، قراءة نافع بغير همز كما يقف عليه حمزة بنقل حركة الهمزة إلى الدال الساكنة وقيل هو من أردى على كذا أي زاد فلا همز فيه أي أرسله معي زيادة، وأما قوله تعالى في الحاقة: {كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْت}[2].
فروي عن ورش نقل حركة همزة إني إلى هاء كتابيه؛ لأنه ساكن آخر صحيح فدخل في الضابط المذكور أول الباب، وروي ترك النقل وهو الصحيح في العربية؛ لأن هذه الهاء هاء سكت وحكمها السكون لا تحرك إلا في ضرورة الشعر على قبح وأيضا فإنها لا تثبت إلا في الوقف فإذا خولف الأصل فأثبتت في الوصل إجراءً له مجرى الوقف؛ لأجل ثباتها في خط المصحف فلا ينبغي أن يخالف الأصل من وجه آخر وهو تحريكها فتجتمع في حرف واحد مخالفتان وهذه المسألة من الزيادات لم يذكرها الداني -رحمه الله- في التيسير وذكرها في غيره.
قال مكي: أخذ قوم بنقل الحركة في هذا وتركه أحسن وأقوى.
قلت: فلهذا قال الناظم: أصح تقبلا؛ أي "وكتابيهْ" بالإسكان أصح تقبلا منه بالتحريك، وذلك أن التحريك تقبله قوم وتقبل الإسكان قوم فالإسكان أصح تقبلا من حيث الدليل على ما سبق ونصبه على التمييز وبالإسكان حال أي وكتابيه ساكنا أصح تقبلا منه متحركا فهو مثل قولهم هذا بسرا أطيب منه رطبا والله أعلم.
[1]سورة القصص، آية: 34.
[2]الآية: 19 و20.
باب: وقف حمزة وهشام على الهمز
هذا الباب من أصعب الأبواب نظما ونثرا في تمهيد قواعده وفهم مقاصده، وقد أنقنه الناظم -رحمه الله- ولكثرة تشعبه أفرد له أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ رحمه الله تصنيفا حسنا جامعا، وذكر أنه قرأ على غير واحد من الأئمة فوجد أكثرهم لا يقومون به حسب الواجب فيه، إلا في الحرف بعد الحرف:
235-
وَحَمْزَةُ عِنْدَ الْوَقْفِ سَهَّلَ هَمْزَهُ ... إِذَا كَانَ وَسْطًا أَوْ تَطَرَّفَ مَنْزِلا
سبق الكلام في مذهبه في الهمزة المبتدأة في شرح قوله في الباب السابق: وعن حمزة في الوقف خلف ... والكلام في هذا الباب في الهمزة المتوسطة والمتطرفة التي في آخر الكلمة، ويأتي فيهما إن شاء الله تعالى جميع أنواع تخفيف الهمز وهي إبداله وحذفه بعد إلقاء حركته على ساكن قبله وجعله بين بين.
ولفظ التسهيل يشمل الجميع وقد يخص القراء لفظ التسهيل بين بين كما سبق، وهذه الأنواع هي التي نقلها أهل العربية في ذلك، وعند القراء نوع آخر وهو تخفيف الهمز باعتبار خط المصحف وسيأتي الكلام عليه وعلى تفاريع هذه الأنواع على ما تقتضيه أصول العربية والقراءات.


صفحه 166

والهاء في همزه تعود إلى حمزة أو إلى الوقف لملابسة كل واحد منهما هذا بفعله فيه وهذا بأنه محل الفعل والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة بينهما، ووسطا ظرف، وكان تامة أي إذا وقع في وسط الكلمة أي بين حروفها كما تقول: جلست وسط القوم، ويجوز أن يكون خبر كان الناقصة؛ لأن وسطا مصدر من قولهم: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطة أي توسطتهم ذكره الجوهري، فالمعنى ذا وسط أي إذا كان متوسطا أو تطرف آخرها ومنزلا تمييز أي تطرف منزله أي موضعه وإنما اختص تسهيل حمزة للهمزة بالوقف؛ لأنه محل استراحة القارئ والمتكلم مطلقا، ولذلك حذفت فيه الحركات والتنوين وأبدل فيه تنوين المنصوب ألفا، قال ابن مهران: وقال بعضهم هذا مذهب مشهور ولغة معروفة يحذف الهمز في السكت كما يحذف الإعراب فرقا بين الوصل والوقف وهو مذهب حسن.
قال: وقال بعضهم لغة أكثر العرب الذين هم أهل الجزالة والفصاحة ترك الهمزة الساكنة في الدرج والمتحركة عند السكت.
قلت: وفيه أيضا تآخي رءوس الآي في مثل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[1].
و"الخاطئة" في الحاقة، و"خاطئة" في سورة "اقرأ"، وأنا أستحب ترك الهمز في هذه المواضع في الوقف لذلك.
وأما الحديث الذي رواه موسى بن عبيدة عن نافع عن ابن عمر قال: "ما همز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعها من بعدهم". فهو حديث لا يحتج بمثله؛ لضعف إسناده فإن موسى بن عبيدة هو الزيدي وهو عند أئمة الحديث ضعيف.
ثم شرع الناظم في بيان ما يفعل حمزة بالهمز المتوسط والمتطرف فقال:
236-
فَأَبْدِلْهُ عَنْهُ حَرْفَ مَدِّ مُسَكَّنًا ... وَمِنْ قَبْلِهِ تَحْرِيكُهُ قَدْ تَنَزَّلاَ
أي فأبدل الهمز عن حمزة حرف مد من جنس حركة ما قبله بشرطين أحدهما أن يكون الهمز ساكنا والثاني أن يتحرك ما قبله سواء توسط أو تطرف نحو، "يؤمنون"، و"إن يشأ"، و"قال الملأ"، والهمزة في الملأ متحركة ولكن لما وقف عليها سكنت وهذا قياس تخفيف الهمزات السواكن؛ إذ لا حركة لها فتجعل بين بين أو تنقل.
وقال: مسكنا بالكسر وهو حال من الضمير المرفوع في "فأبدله"، ولم يقل مسكنا بالفتح ولو قاله لكان حالا من الهاء في "فأبدله"، وهي عائدة على الهمز؛ لئلا يوهم أنه نعت؛ لقوله حرف مد فعدل إلى ما لا إيهام فيه وحصل به تقييد الهمز بالسكون، ولأنه أفاد أن القارئ وإن سكن الهمز المتحرك في الوقف فحكمه هكذا أي أبدل الهمز في حال كونك مسكنا له سواء كان ساكنا قبل نطقك به أو سكنته أنت للوقف.
والواو في قوله: ومن قبله تحريكه ... للحال والجملة حال من الهمز أي فأبدله مسكنا محركا ما قبله، فتكون
[1]سورة الرحمن، آية: 20.


صفحه 167

الحال الأولى من الفاعل والثانية من المفعول نحو لقيته مصعدا ومنحدرا، واشتراط تحرك ما قبل الهمز إنما يحتاج إليه في المتحرك الذي سكنه القارئ في الوقف نحو: {قَالَ الْمَلَأُ} .
ليحترز به من نحو: "يشاء" و"قروء" و"هنيئا" و"شيء" و"سوء".
وسيأتي أحكام ذلك كله.
وأما الهمزة الساكنة قبل الوقف فلا يكون ما قبلها إلا متحركا، وفي هذا القسم الذي تسكنه للوقف وتبدله حرف مد من جنس حركة ما قبله وجهان آخران سنذكرهما.
أحدهما: تسهيله على اعتبار مرسوم الخط، والآخر تسهيله بالروم.
فإن قلت: لم كانت الهمزة الساكنة تبدل حرفا من جنس حركة ما قبلها، ولم تكن من جنس حركة ما بعدها؟
قلت: لأن ما قبلها حركة بناء لازمة وما بعدها يجوز أن تكون حركة إعراب، وحركة الإعراب تنتقل وتتغير من ضم إلى فتح إلى كسر فأي حركة منها تعتبر ولا ترجيح لإحداهن على الأخريين، فينظر إلى ما لا يتغير وهو حركة ما قبلها.
فإن قلت: كان من الممكن أن تعتبر كل حركة في موضعها.
قلت: يلزم من ذلك أن ينقلب الهمز مع الضم واوا، ومع الفتح ألفا، ومع الكسر ياء، فتختل بنية الكلمة نحو رأس يصير عين الكلمة في الرفع واوا، وفي النصب ألفا، وفي الجر ياء، وفي ذلك اختلال الألفاظ واختلاط الأبنية وأيضا فاعتبار الحرف بما قبله أقرب إلى قياس اللغة من اعتباره بما بعده، ألا تراهم التزموا فتح ما قبل الألف دون ما بعدها نحو قالوا وقائل، ولأن اعتبار الأول أخف، ومما ينبه عليه في هذا الموضع أن كل همزة ساكنة للجزم أو للوقف إذا أبدلت حرف مد بقي ذلك الحرف بحاله لا يؤثر فيه الجازم نحو: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا}[1]، {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}[2].
ونقل صاحب الروضة شيئا غريبا فقال: وتقف على: {نَبِّئْ عِبَادِي} 3 بغير همز: فإن طرحت الهمزة وأثرها قلت: نبا وإن طرحتها وأبقيت أثرها قلت نبي والله أعلم.
237-
وَحَرِّكْ بِهِ مَا قَبْلَهُ مَتَسَكِّنًا ... وَأَسْقِطْهُ حَتّى يَرْجِعَ اللَّفْظُ أَسْهَلا
به أي بالهمز يعني بحركته على حذف مضاف يعني إذا كان متحركا وقبله ساكن فألق حركته على
[1]سورة الكهف، آية: 16.
[2]و3 سورة الحجر، آية: 49 ,51.


صفحه 168

الذي استقر قبله متسكنا وأسقط الهمز كما تقدم في باب نقل الحركة حتى يرجع اللفظ أسهل مما كان أو سهلا وذلك نحو، موئلا، ودفء، تلقى الحركة إلى الواو والفاء، ويسقط الهمز ثم تسكن الفاء من دفء للوقف ولك فيها الروم والإشمام كما يأتي.
فإن قلت لم كان نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ولم ينقل إلى الساكن بعدها في نحو: {قَدْ أَفْلَحَ}[1].
قلت: لو نقل إلى الساكن بعدها لالتبست الأبنية فإنه كان يقال قد فلح، فيظن أنه فعل ثلاثي وإذا نقل إلى الساكن قبله بقي في اللفظ ما يدل على بناء أصل الكلمة وهو السكون بعد الهمزة وكذا في أشياء وأزواج ونحوهما ثم استثنى من هذا أن يكون الساكن قبل الهمزة ألفا فقال:
238-
سِوَى أَنَّهُ مِنْ بَعْدِ مَا أَلِفٍ جَرى ... يُسَهِّلُهُ مَهْمَا تَوَسَّطَ مَدْخلا
أي: سوى أن حمزة يسهل الهمز المتحرك الجاري من بعد ألف مهما توسط، وما زائدة، ومدخلا تمييز، ومن بعد متعلق بيسهله أو بتوسط أي يسهله من بعد ألف أو مهما توسط من بعد ألف، وقوله: جرى حشو لا فائدة فيها على هذا التقدير فإنه لو حذف لم يختل المعنى المقصود، وحيث قد أتى به فأقرب ما تقدره به أن يكون حالا ويتعلق به من بعد ما ألف، وقد مقدرة قبله كما قيل ذلك في قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}[2].
والتقدير يسهله جاريا من بعد ألف أي في هذه الحالة أو مهما توسط جاريا من بعد ألف، ومراده بالتسهيل هنا بين بين؛ وذلك لأن نقل الحركة إلى الألف متعذر؛ لأنها لا تتحرك؛ لأنها بما فيها من المد كأنها حرف متحرك فيسهل الهمز بعدها بين بين كما سنذكره في الهمز المتحرك بعد متحرك فإذا سهله بعد الألف هل يمكن مد الألف الذي كان لأجل الهمز أو يقصر، فيه تردد سبق؛ لأنها حرف مد قبل همز مغير وذلك نحو: {دُعَاؤُكُمْ}[3]، {وَنِدَاءً}[4]؛ لأن بعد الهمزة في نداء ألف التنوين وهي لازمة فصارت الهمزة متوسطة.
قال صاحب التيسير في هذا النوع إن شئت مكنت الألف قبلها وإن شئت قصرتها والتمكين أقيس[5]ثم ذكر حكم المتطرفة بعد ألف فقال:
239-
وَيُبْدِلُهُ مَهْمَا تَطَرَّفَ مِثْلُهُ ... وَيَقْصُرُ أَوْ يَمْضِي عَلَى الْمَدِّ أَطْوَلا
مثله أي حرفا مثله يريد مثل ما قبله يعني ألفا؛ وذلك لأن الهمزة المتطرفة سكنت للوقف وقبلها ألف،
[1]سورة المؤمنون، آية: 1.
[2]سورة النساء، آية: 90.
[3]سورة الفرقان، آية: 77.
[4]سورة البقرة، آية: 171.
[5]وإنما كان التمكين أقس؛ لأن الألف يستحق المد المشبع مع بقاء تحقيق الهمز، فلما سهلت بين بين، حصلت بها الخفة وهي في زنة المخففة، ومن قال بالقصر قال: كان لقوّة الهمزة؛ وقد ضعفت بالتسهيل.


صفحه 169

وقبل الألف فتحة فلم تعد الألف حاجزا فقلبت الهمزة ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها فاجتمع ألفان فإما أن يحذف إحداهما فيقصر ولا يمد أو يبقيهما؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين فيمد مدًّا طويلًا ويجوز أن يكون متوسطا لقوله في باب المد والقصر: "وعند سكون الوقف وجهان أصلا" وهذا من ذلك ويجوز أن يمد على تقدير حذف الثانية؛ لأن حرف المد موجود والهمزة منوية فهو حرف مد قبل همز مغير وإن قدر حذف الألف الأولى فلا مد وذلك نحو: {صَفْرَاءُ}[1]، {وَالسَّمَاءَ} 2.
والمد هو الأوجه، وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف وغيره، وهذا مبني على الوقف بالسكون فإن وقف بالروم كما سيأتي في آخر الباب فله حكم آخر وإن وقف على اتباع الرسم أسقط الهمزة، فيقف على الألف التي قبلها فلا مد أصلا والله أعلم، وأطول حال من المد على معنى زائدا طوله، فهذه فائدة مجيئه على وزن أفعل والله أعلم.
240-
وَيُدْغِمُ فِيهِ الْوَاوَ وَالْيَاءَ مُبْدِلا ... إِذَا زِيدَتَا مِنْ قَبْلُ حَتَّى يُفَصَّلا
فيه أي في الهمز بعد إبداله يعني إذا وقع قبله واو أو ياء زائدتان فأبدله حرفا مثله ثم أدغم ذلك الحرف فيه كما تقدم لورش في: "النسيء" وذلك نحو "خطيئة" و"قروء".
وقوله: حتى يفصلا أي حتى يفصل بين الزائد والأصل فإن الواو والياء الأصليتين ينقل إليهما الحركة؛ لأن لهما أصلا في التحريك بخلاف الزائدة، والزائد ما ليس بقاء الكلمة ولا عينها ولا لامها بل يقع ذلك، وفي هذه الكلمات وقع بين العين واللام؛ لأن النسيء فعيل والخطيئة فعيلة وقروء فعول، ولأصلي بخلافه نحو هيئة وشيء؛ لأن وزنهما فعلة، وفعل فهذا النوع تنقل إليه الحركة كما فعل في:
"موئلا" و"دفء".
وبعضهم روى إجراء الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام، وسيأتي ذلك في قوله: وما واو أصلي تسكن قبله أو الياء ... وهذا كان موضعه وإنما أخره لمعنى سنذكره، ولو قال بعد هذا البيت:
وإن كانتا أصلين أدغم بعضهم ... كشيء وسوء وهو بالنقل فضلا
لكان أظهر وأولى والله أعلم، وفرغ الكلام في الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها ثم شرع في ذكر المتحركة المتحرك ما قبلها فقال:
241-
وَيُسْمِعُ بَعْدَ الْكَسْرِ وَالضَّمِّ هَمْزُهُ ... لَدى فَتْحِهِ يَاءًا وَوَاوًا مُحَوَّلا
أي ويسمع حمزة همزة المفتوح بعد كسرٍ ياءً وبعد ضمٍ واوًا مبدلا من الهمزة فقوله: محولا: نعت للواو وحذف نعت ياء؛ لدلالة الثاني عليه وأراد ياء محولا واوا محولا ولو كسر الواو من محولا لكان جائزًا ويكون حالا من حمزة أي محولا للهمزة ياء وواوًا.
[1]سورة البقرة، آية: 69.


صفحه 170

وقوله: همزة ثاني مفعولي يسمع، والأول محذوف أي يسمع الناس همزه الموصوف إذا قرأه ياء وواوا أي يسمعهم إياه على هذه الصفة، وبعضهم جعل يسمع متعديا إلى ثلاثة مفعوله الثالث قوله: محولا ياء وواوا.
وهذا البيت فصيح النظم حيث لف الكلام فجمع بين الكسر والضم، ثم رد إليهما قوله: ياء وواوا فردت الفطنة الياء إلى الكسر والواو إلى الضم، فهو من باب قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}[1].
وقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والخشف البالي
واعلم أن قياس العربية في كل همزة متحركة متحرك ما قبلها إذا خففت أن تجعل بين بين إلا المفتوحة بعد كسر أو ضم فإنها تقلب ياء وواوا قالوا: لأنها لو جعلت بين بين لقربت من ألف والألف لا يكون قبلها إلا فتح، ومثال ذلك: "فئة"، و"لئلا"، و"مؤجلا"، و"يؤده" ونحو ذلك.
242-
وَفي غَيْرِ هذَا بَيْنَ بَيْنَ وَمِثْلُهُ ... يَقُولُ هِشَامٌ مَا تَطَرَّفَ مُسْهِلا
أي ويسمع همزه في غير ما تقدم ذكره بلفظ بين بين وهذا الغير الذي أشار إليه هو ما بقى من أقسام الهمز المتحرك بعد متحرك ومجموعهما تسعة؛ لأن الحركات ثلاث كل واحدة قبلها ثلاث حركات فثلاثة في ثلاثة تسعة.
ذكر في البيت السابق منها قسمين؛ مفتوحة بعد كسر، مفتوحة بعد ضم، وحكمهما الإبدال كما سبق فبقي لبين بين سبعة أقسام:
مفتوحة بعد مفتوح، نحو: "سأل"، "مآرب".
مكسورة بعد فتح وكسر وضم نحو: "بئس"، و"خاسئين" و"سئلوا".
مضمومة بعد فتح وكسر وضم نحو: "رءوف"، "فمالئون"، "برءوسكم".
وقد عرفت أن معنى قولهم بين بين أن تجعل الهمزة بين لفظها وبين لفظ الحرف الذي منه حركتها أي بين هذا وبين هذا ثم حذفت الواو والمضاف إليه منهما، وبنيت الكلمتان على الفتح فهذه أصول مذهب حمزة في تخفيف الهمز على ما اقتضته لغة العرب.
ثم يذكر بعد ذلك فروعا على ما تقدم وقع فيها اختلاف، ووجوها أخر من التخفيف غير ما سبق ذكره، ثم قال: ومثله أي ومثل مذهب حمزة مذهب هشام فيما تطرف من الهمز أي كل ما ذكرناه لحمزة في المتطرفة فمثله لهشام ولم يوافقه في المتوسطة؛ لأن المتطرفة أحرى بالتخفيف؛ لأنها آخر لفظ القارئ، وموضع
[1]سورة القصص، آية: 23.


صفحه 171

استراحته وانقطاع نفسه ويقع في النسخ ومثله بضم اللام ونصبها أجود؛ لأنه نعت مصدر محذوف أي ويقول هشام في تسهيل ما تطرف من الهمز قولا مثل قول حمزة، وما في قوله ما تطرف ظرفية كقوله: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}[1].
أي مهما تطرف الهمز فهشام موافق لحمزة في تخفيفه أو تكون ما مفعول يقول؛ لأن يقول هنا بمعنى يقرأ أي يقرأ ما تطرف كقراءة حمزة له، ومسهلا حال من هشام أي راكبا للسهل، وأجاز الشيخ أن يكون حالا من الهاء في مثله العائدة على حمزة، ثم ذكر الناظم فروعا للقواعد المتقدمة فقال:
243-
وَرِءْيَا عَلَى إِظْهَارِهِ وَاِدِّغَامِهِ ... وَبَعْضٌ بِكَسْرِ الْها لِيَاءٍ تَحَوَّلا
أي "ورءيا" مقروء أو مروي أو مستقر على إظهاره وإدغامه، أو "ورءيا" على إظهاره وإدغامه جماعة، أي اختار قوم الإظهار وآخرون الإدغام يريد قوله تعالى في مريم: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا}[2].
وقد روي عن حمزة أنه استثناها فهمزها كما استثناها أبو عمرو فيما تقدم ذكره ثم قياس تخفيف همزها أن يبدل ياء؛ لأنه ساكن بعد كسر فإذا فعل ذلك اجتمع ياءان فروي الإدغام لاجتماع ياءين، وروي الإظهار نظرا إلى أصل الياء المدغمة وهو الهمز، وكذلك الخلاف في: "تؤوى"، و"تؤويه" لاجتماع واوين فكأن الناظم أراد "ورءيا" وما كان في معناه، وكان يمكنه أن يقول:
ورءيا وتؤوى أظهرنْ أدغمنْ معا
قال صاحب التيسير اختلف أصحابنا في إدغام الحرف المبدل من الهمز وفي إظهاره في قوله: "ورئيا وتؤوى وتؤويه" فمنهم من يدغم؛ اتباعا للخط، ومنهم من يظهر؛ لكون البدل عارضا والوجهان جائزان، ثم ذكر أن بعضهم يكسر هاء الضمير المضمومة؛ لأجل ياء قبلها تحولت تلك الياء عن همزة، ويكون الضمير في تحولا للياء وذكر ضميره؛ لأن حروف الهجاء كما ذكرنا فيها وجهان التذكير والتأنيث، ويجوز أن يكون فاعل تحولا ضمير الهمز أي تحول الهمز إلى تلك الياء ثم مثل ذلك فقال:
244-
كَقَوْلِكَ أَنْبِئْهُمْ وَنَبِّئْهُمُ وَقَدْ ... رَوَوْا أَنَّهُ بِالخَطِّ كانَ مُسَهَّلا
يعني: {أَنْبِئْهُمْ}[3]في البقرة {وَنَبِّئْهُمْ}[4]في الحجر والقمر.
قال صاحب التيسير: اختلف أهل الأداء في تغيير حركة الهاء مع إبدال الهمز ياء قبلها في قوله: "أنبئهم ونبئهم" فكان بعضهم يرى كسرها من أجل الياء وكان آخرون يبقونها على ضمتها؛ لأن الياء عارضة، قال: وهما صحيحان يعني الوجهين، ووجه قلب الهمزة في هاتين الكلمتين ياءً أنها ساكنة بعد كسر فهو قياس تخفيفها فوجه كسر الهاء وجود الياء قبلها فصار نحو: "فيهم ويهديهم"، وهو اختيار ابن مجاهد وأبي الطيب بن غلبون، وقال ابنه أبو الحسن كلا الوجهين حسن، قال ابن مهران: سمعت أبا بكر بن مقسم يقول: ذهب ابن مجاهد إلى أبي أيوب الضبي فقال له: كيف يقف حمزة على قوله تعالى: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ} ؟
[1]سورة التوبة، آية: 7.
[2]الآية: 74.
[3]الآية: 33.
[4]سورة الحجر، آية: 51 والقمر آية: 28.


صفحه 172

فقال: "أنبيهم" خفف الهمزة وضم الهاء، فقال له ابن مجاهد: أخطأت وذكر تمام الحكاية.
ووجه ضم الهاء أن الياء عارضة؛ لأن الهمزة لم تترك أصلا وإنما خففت وهي مرادة وهو اختيار مكي وابن مهران، وهو الأشبه بمذهب حمزة ألا تراه ضم هاء "عليهم"، و"إليهم" و"لديهم"؛ لأن الياء قبلها مبدلة من ألف وهاتان المسألتان: "رءيا"، و"أنبئهم" فرعان لقوله: فأبدله عنه حرف مد مسكنا، ثم ذكر قاعدة أخرى مستقلة فقال: وقد رووا أنه بالخط كان مسهلا أي أن حمزة كان يعتبر تسهيل الهمز بخط المصحف الكريم على ما كتب في زمن الصحابة -رضي الله عنهم- وذلك يعرف من مصنفات موضوعة له.
روى سليم عن حمزة أنه كان يتبع في الوقف على الهمز خط المصحف الكريم.
قال صاحب التيسير: واعلم أن جميع ما يسهله حمزة فإنما يراعي فيه خط المصحف الكريم دون القياس.
قلت: وضابط ذلك أن ينظر في القواعد المتقدم ذكرها فكل موضع أمكن إجراؤها فيه من غير مخالفة للرسم لم يتعد إلى غيره نحو جعل: {بَارِئِكُمْ}[1]بين الهمزة والياء، وإبدال همز "أبرئ" ياء وهمز، "ملجأ" ألفا، وإن لزم فيها مخالفة الرسم فسهل على موافقة الرسم فاجعل: "تَفْتَؤُ"[2]بين الهمزة والواو: {مِنْ نَبَأِ}[3]بين الهمزة والياء ولا تبدلهما ألفا وكان القياس على ما مضى؛ ذلك لأنهما يسكنان للوقف وقبلهما فتح فيبدلان ألفا، وهذا الوجه يأتي تحقيقه في قوله: "فالبعض بالروم سهلا"، ومثله في المتوسطة: {أُنَبِّئُكُمْ}[4].
تجعل من بين الهمزة والياء أو تبدل ياء على خلاف يأتي وحكى ابن مهران خلافا في نحو: "تائبات"، "سائحات" بين بين، وإبدال الياء المحضة، وكذا في نحو: "رؤوف"، "تؤزهم". بين بين وإبدال الواو المحضة اتباعا للرسم.
[1]سورة البقرة، آية: 54.
[2]سورة يوسف، آية: 85.
[3]سورة الأنعام، آية: 34.
[4]سورة آل عمران، آية: 81.