ثم قال: وأمالا عسى وبلى أما عسى ففعل تقول فيه: عسيت فالألف منقلبة عن ياء فهو داخل في ما تقدم فلم يكن له حاجة إلى إفراده بالذكر، ولكنه تبع صاحب التيسير في ذلك فإنه قال بعد أنى: وكذلك متى وبلى وعسى حيث وقع ولعله إنما أفرده بالذكر؛ لأنه لا يتصرف، وقيل إن بعض النحاة زعم أنها حرف كما أطلق الزجاجي على كان وأخواتها أنها حروف بمعنى أنها أدوات للمعاني التي اكتسبتها الجمل معها، ولما كفت بلى في الجواب ضارعت بذلك الاسم والفعل فأميلت ألفها وقيل إن ألف بلى أيضا بل للتأنيث وهو حرف لحقه ألف التأنيث كما لحقت تاء التأنيث ثم ورب، وأصلها بل فيجوز على هذا أن يقال ألف أنى كذلك وأصلها أن، ثم خرج هذان الحرفان عن معناهما المعروف بلحوق ألف التأنيث لهما إلى معنى آخر فصار أنى على وزن شتى ورسمت أنى ومتى وبلى بالياء وكذا عسى وعيسى ويحيى وموسى وإلحاق الألف في شيء من ذلك بألف التأنيث بعيد بل هي قسم برأسها، فكأنه قال أمالا ذوات الياء الأصلية وغير الأصلية مما رسمت ألفه ياء وغير الأصلية على ضربين ألف تأنيث وملحق بها، ولو قال عوض هذا البيت:
وموسى عسى عيسى ويحيى وفي متى ... وأنى للاستفهام تأتى وفي بلا
لكان أحسن وأجمع للغرض، وتبعناه في ذكر عسى، وإن كانت داخلة في قسم الياء الأصلية وخلصنا من جزرفة العبارة في قوله: وفي اسم في الاستفهام أنى، والضمير في "تأتى" للإمالة وما أبعد دعوى أن الألف في موسى وعيسى ويحيى للتأنيث فموسى وعيسى معربان ويحيى إن كان عربيا فوزنه يفعل والكلام في النبي المسمى بيحيى عليه السلام، وأما نحو قوله تعالى: {لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى}[1]، وقوله: {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}[2]، فوزنه يفعل والله أعلم.
296-
وَمَا رَسَمُوا باليَاءِ غَيْرَ لَدى وَمَا ... زَكى وَإِلى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى
أي وأمالا كل ما رسم في المصحف بالياء من الألفات وإن لم تكن الياء أصلية إتباعا للرسم، ولأنها قد تعود إلى الياء في صورة وذلك ضحى في الأعراف وطه: "وضحاها"، "ودحيها" في والنازعات، وفي والشمس وضحيها: "وتلاها"، "وطحاها"، "والضحى"، "وسجى". فهذا جميع ما رسم من ذوات الواو بالياء على ما ذكره في قصيدته الرائية لكن: "تلاها" "وطحاها" "وسجى"، لم يملها إلا الكسائي وحده كما يأتي، وإمالتهما "ضحى" في الأعراف وطه تبنى على خلاف يأتي في آخر الباب وأما:
[1]سورة طه، آية: 74.
[2]سورة الأنفال، آية: 42.
"ويلتى" و"حسرتى" و"أسفى".
فألفاتها مع كونها مرسومة بالياء منقلبة عن ياء بالإضافة فقويت الإمالة فيها وهذا البيت لا يظهر له فائدة إلا في هذه الألفاظ الثلاثة فإن الياء التي انقلبت عنها الألف ليست بأصل في الكلمة فلم تدخل في قوله: "حيث تأصلا" ويظهر أيضا فائدته في إمالة "ضحى" في الأعراف على قول من يقول إنه إذا وقف عليه كان الوقف على ألفه الأصلية وأما باقي الكلمات التي ذكرت أنها رسمت بالياء وهي من ذوات الواو فكانت تعرف من ذكره إمالة رءوس الآى وأما نحو: "أدنى" و"أزكى" و"يدعى" و"تتلى".
فتعلم إمالته من البيت الآتي؛ فإنه من الثلاثي الزائد، ثم ذكر أنه استثنى مما رسم بالياء وليست الياء أصله خمس كلمات: فلم تمل وهي اسم وفعل وثلاثة أحرف فالاسم "لدى" لم يمل أنه رسم بالألف في يوسف وبالياء في غافر، وألفه مجهولة فلم يمل؛ ليجري مجرى واحدا والفعل: {مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}[1].
هو من ذوات الواو فلم يمل تنبيها على ذلك، والحروف إلى وحتى وعلى لم تمل؛ لأن
فلا حظ لها في الإمالة بطريق الأصالة إنما هي للأفعال والأسماء فلم يؤثر فيها رسمها بالياء وكل ما أميل من الحروف بلى ويا في الندا ولا في أمالا لإغنائها عن الجمل فأشبهت الفعل والاسم وقول الناظم من بعد حتى الدال من بعد مجرورة وبعضهم اختار ضمها وقدر حذف واو العطف من قوله حتى، ومعنى الوجهين ظاهر، وإذا كسرنا الدال كان التقدير من بعد استثناء حتى، وكذا معنى قولي أنا فيما تقدم: أمال الكسائي بعد حمزة أي بعد إمالة حمزة:
297-
وَكُلُّ ثُلاَثِيٍّ يِزِيدُ فَإِنَّهُ ... مُمَالٌ كَزَكَّاهَا وَأنْجَى مَعَ ابْتَلى
أي كل لفظ ثلاثي ألفه عن واو إذا زيد في حروفه الأصول حرف فأكثر فصار كلمة أخرى أميل؛ لأن واوه تصير ياء إذا اعتبرتها بالعلامات المقدم ذكرها، وذلك كالزيادة في الفعل بحروف المضارعة وآلة التعدية وغيرها نحو: "ترضى"[2]، "وتدعى"3 "وتتلى"4 "ويدعى"[5]، "وتبلى"[6]، "ويزكى"[7]، "وتزكى"[8]، "وزكاها"[9]، "ونجانا الله منها"[10]، {فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} 11، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ}[12]، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ}[13].
[1]سورة النور، آية: 21.
[2]سورة طه، آية: 130.
3 سورة سبأ، آية، 43.
4 سورة آل عمران، آية: 101.
[5]سورة الجاثية، آية: 28.
[6]سورة الطارق، آية: 9.
[7]سورة عبس، آية: 3.
[8]سورة الأعلى، آية: 14.
[9]سورة الشمس، آية: 9.
[10]سورة الأعراف، آية: 89.
11سورة العنكبوت، آية: 24.
[12]سورة البقرة، آية: 124.
[13]سورة الأعراف، آية: 143.
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[1]، {فَتَعَالَى اللَّهُ}[2]، {مَنِ اسْتَعْلَى}[3].
ومن ذلك أفعل في الأسماء نحو: "أدنى، وأرى، وأزكى، وأعلى"؛ لأن لفظ الماضي من ذلك كله تظهر فيه الياء إذا رددت الفعل إلى نفسك نحو: زكيت ورضيت وابتليت وأعليت، وأما فيما لم يسم فاعله نحو "تدعى" فلظهور الياء في دعيت ويدعيان، فقد بان أن الثلاثي المزيد يكون اسما نحو أدنى وفعلا ماضيا نحو أنجى وابتلى ومضارعا مبنيا للفاعل نحو يرضى وللمفعول نحو يدعى.
ولو قال الناظم رحمه الله تعالى:
وكل ثلاثيٍّ مزيد أمله مثـ ... ـل يرضى وتدعى ثم أدنى مع ابتلى
لجمع أنواع ذلك، وقد نص صاحب التيسير وغيره على أن ذلك يمال، وجعل سببه الزيادة فقال: الإمالة شائعة في "تدعى" و"تتلى" و"اعتدى" و"استعلى" و"أنجى" و"نجى" وشبهه؛ لانتقاله بالزيادة إلى ذوات الياء، قلت: الزيادة في أوله إذا كانت مفتوحة ظهرت الواو نحو يدعو ويتلو، فإذا ضمت قلبت الواو ألفا؛ لانفتاح ما قبلها فمن أين تجيء الياء؟ وأين الزيادة التي اقتضت ذلك؟ لا جائز أن تكون حرف المضارعة فإنها موجودة في حالة الضم وجودها في حالة الفتح، والضم والفتح حركتان متقابلتان فليس إمالة هذا لأجل الزيادة وإنما لأجل أن الياء ظهرت في الماضي في قولك: دعى، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها والمضارع فرع عن الماضي فلهذا اعتقد في ألف تدعى أنها ياء وأميلت مع أن رسم المصحف الكريم فيها بالياء، وقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا}[4]وارد على ما ذكره في هذا البيت فإنه ثلاثي زاد ولا يمال؛ لأن ألفه ليست طرفا وهو لم يشترط الطرف فلهذا ورد والله أعلم.
298-
وَلَكِنَّ أَحْيَا عَنْهُمَا بَعْدَ وَاوِهِ ... وَفِيمَا سَوَاهُ لِلكِسَائِي مُيِّلا
أي إذا جاء أحيا أو يحيي بعد الواو فإنهما أمالاه، قال في التيسير: واتفقا يعني الكسائي مع حمزة على الإمالة في قوله: "ويحيى"، "ولا يحيى"، {أَمَاتَ وَأَحْيَا}[5]إذا كان منسوقا بالواو وتفرد الكسائي دون حمزة بإمالة: "أحياكم" و"فأحيا به" و"أحياها" حيث وقع، إذا نسق ذلك بالفاء أو لم ينسق لا غير، وإنما ذكر هذا البيت؛ ليبين ما انفرد به الكسائي، ولهذا أتى بحرف "لكن"
[1]سورة البقرة، آية: 194.
[2]سورة المؤمنون، آية: 116.
[3]سورة طه، آية: 64.
[4]سورة المائدة، آية: 85.
[5]سورة النجم، آية: 44.
التي للاستدراك وإلا فما اجتمعا عليه من ذلك داخل في ذوات الياء فكأنه قال أمالا الجميع لكن كذا وكذا تفرد به الكسائي ثم استوفى جميع ما انفرد به الكسائي من ذلك وغيره فقال:
299-
وَرُءْيَايَ وَالرءُيَا وَمَرْضَاتِ كَيْفَمَا ... أَتَى وَخَطَايَا مِثْلُهُ مُتَقَبَّلا
رؤيا: فعلى مستثناة مما فيه ألف التأنيث ومرضاة مفعلة من الرضوان ترجع ألفها إلى الياء في التثنية والجمع فهي كمغزى ومدعى؛ لأن ألفها ترجع إلى الياء في الماضي نحو رضيت، وذكر مكي في الثلاثي الزائد مرضاة وكمشكاة؛ لأن ضابطه ما كانت ألف الإمالة فيه رابعة فصاعدا، فمرضاة مستثناة من ذلك لحمزة بخلاف مزجاة فإنها ممالة لهما وقوله كيف ما أتى يعنى نحو مرضاة الله ومرضاتي بخلاف الرؤيا فإنه لم يملها كيف ما أتت؛ لأن رؤياك لم يملها إلا الدوري عنه كما يأتي فلهذا قال ورؤياي والرؤيا أي هاتان اللفظتان مع ما بعدهما ممال للكسائي وخطايا مثله أي مثل مرضاة يميلها كيف ما أتت نحو:
"خطايانا، خطاياكم، وخطاياهم".
والإمالة في ألفها الأخيرة لأجل الياء قبلها، ولأنها من ياء؛ لأنها جمع خطية بغير همز عند الفراء كهدية وهدايا وعند غيره أصلها خطايىء بياء بعدها همزة فمنهم من يقول همزت الياء كما تهمز في صحائف فاجتمع همزتان، فأبدلت الثانية ياء فاجتمع بعد ألف الجمع همزة عارضة في الجمع وياء فوجب قلب الهمزة ياء والياء ألفا على قياس قولهم مطايا ومنهم من يقول قدمت الهمزة وأخرت الياء ثم فعل ذلك "وأما الحوايا" فأمالها حمزة والكسائي وألفها عن ياء وهو على وزن خطايا، ومتقبلا حال من خطايا أو من ضمير مرضاة ويجوز أن يكون تمييزا على أن يكون متقبلا بمعنى قبولا مثل قولهم على التمرة مثلها زيدا ولا مانع من حيث اصطلاحه من أن يكون متقبلا رمزا وكذا ما بعده من قوله ليس أمرك مشكلا ويجتلا والذي أذعت به إلى آخره ويكون ما في كل بيت لمن رمز له.
فإن قلت هو في باب إمالة حمزة والكسائي فجميعه لا يخلو عنهما أو عن أحدهما ولهذا يذكر ما انفرد به الكسائي ثم يذكر ما اتفقا عليه فيقول مع "القوى" فأمالاها ولو كان ما اعترض به رمزا لما صح له هذا الضمير إذ تقدم جماعة، فلا يتعين من يعود إليه الضمير وكذا يذكر ما تفرد به الدوري ثم يقول ومما أمالاه وذلك مما يدل على أن قوله: "قد انجلا" ليس برمز.
قلت: كل هذا صحيح معلوم أنه ليس برمز في نفس الأمر ولكن من حيث اصطلاحه يوهم ذلك والله أعلم.
300-
وَمَحْيَاهُمُوا أَيْضًا وَحَقَّ تُقَاتِهِ ... وَفِي قَدْ هَدَانِي لَيْسَ أمْرُكَ مُشْكِلا
أراد: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ}[1]، في الجاثية: {حَقَّ تُقَاتِهِ}[2]في آل عمران، ووافق حمزة الكسائي على إمالة الأول فيها وهو قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}[3].
[1]سورة الجاثية، آية: 21.
[2]سورة آل عمران، آية: 102.
[3]سورة آل عمران، آية: 28.
لأنه رسم بالياء في الأول وفي الثاني بالألف فاتبع الرسم فيهما وكلاهما من ذوات الياء والأصل تقية.
{وَقَدْ هَدَانِ}[1].
في أول الأنعام وصوابه في البيت بغير ياء؛ لأن قراءة الكسائي كذلك والبيت متزن بالقبض وقيده بقد احترازًا من الذي في آخر السورة: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي}[2]، وفي الزمر: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي}[3]؛ فإن ذلك ممال لحمزة والكسائي معًا على أصلهما والياء فيهما ثابتة بإجماعهم.
301-
وَفِي الْكَهْفِ أَنْسَاني وَمَنْ قَبْلُ جَاءَ مَنْ ... عَصَاني وَأَوْصَاني بِمَرْيَمَ يُجْتَلا
أراد: {وَمَا أَنْسَانِيهُ} ، ومن قبل الكهف جاء في إبراهيم:
{وَمَنْ عَصَانِي}[4]، {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ}[5].
في مريم ويجتلا ليس برمز:
302-
وَفِيهَا وَفِي طس آتَانِيَ الَّذِي ... اذَعْتُ بِهِ حَتَّى تَضَوَّعَ مَنْدَلا
أي وفي مريم والنمل لفظ: "آتاني، يريد"، {آتَانِيَ الْكِتَابَ}[6]، {آتَانِيَ اللَّهُ}[7]؛ بخلاف الذي في هود فإنه ممال لهما، وقوله: أذعت به أي أفشيته من قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ}[8]؛ أي أفشوه، والمراد أني جهدت بالنص على إمالته ولم أسر ذلك، ولكن في اللفظ إشكال؛ لأنه إن كان فعل هذا قبل هذا الكلام فأين ذكره، وإن كان ما فعله إلا بهذا الكلام لم تصح هذه العبارة؛ لأن حق ما يوصل به الذي يكون معلوما للمخاطب، وهذا لم يعلمه بعد إلا من هذا العبارة فإن جاز ذلك فينبغي أن يجوز أن يقال: جاءني الذي أكرمته ويكون إكرامك له لم يعرف إلا من هذه اللفظ، وهذا لا يجوز فالوجه في هذا أن يقال "الذي" مفعول فعل مقدر وتضرع محذوف إحدى تائيه، وهو مضارع لا ماضٍ وتقدير الكلام خذ هذا الذي أعت به؛ لكي تتضوع أنت أي تفوح رائحة عملك مشبها مندلا، والمندل نوع من الطيب، وموضع في بلاد الهند ينسب إليه العطر، وقيل المندل: العود الهندي.
[1]آية: 80.
[2]سورة الأنعام، آية: 161.
[3]سورة الزمر، آية: 57.
[4]سورة إبراهيم، آية: 36.
[5]سورة مريم آية: 31.
[6]سورة مريم، آية: 30.
[7]سورة النمل، آية: 36.
[8]سورة النساء، آية: 83.
303-
وَحَرْفُ تَلاَهَا مَعْ طَحَاهَا وَفِي سَجى ... وَحَرْفُ دَحَاهَا وَهَي بِالْوَاوِ تُبْتَلا
"تلاها، وطحاها" في سورة الشمس، "وسجى" في "والضحى"، و"دحاها" في والنازعات، وأشار بقوله: وهي بالواو إلى علة استثناء حمزة لها وهي كون ألفها عن واو وما تقدم كانت ألفه عن ياء ومعنى تبتلا تختبر وإنما حسن إمالتها للكسائي كونها رءوس آي، فأميلت تبعا لذوات الياء فهو من باب إمالة لإمالة، ولأنها رسمت في المصحف بالياء كأخواتها من ذوات الياء, فلما ألحقت بها كتابة طلبا للمشاكلة ألحقت بها إمالة لذلك والله أعلم.
304-
وَأَمَّا ضُحَاهَا وَالضُّحى وَالرِّبا مَعَ الْـ ... ـقُوى فَأَمَالاهَا وَبِالْوَاوِ تَخْتَلا
تختلا أي تجتنى، وتحصل من قولهم: اختليت الخال وهو الحشيش إذا جززته وقطعته. أمال حمزة والكسائي هذه الأربعة وإن كانت من ذوات الواو؛ لأن أوائلها إما مضموم أو مكسور فالكسر في واحد وهو الربا والضم في الثلاثة البواقي وهي رءوس آي، ومن العرب من يثنى ما كان بهذه الصفة بالياء وإن كان من ذوات الواو فيقول: ربيان وضحيان فرار من الواو إلى الياء؛ لأنها أخف حيث ثقلت الحركتان بخلاف المفتوح الأول. قال مكي: مذهب الكوفيين أن يثنوا ما كان من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسوره بالياء، فأمالا على أصل مذهبهما؛ لأنهما كوفيان ولم يعتبر الأصل، وإنما أفرده الناظم بالذكر وإن كان داخلا تحت قوله: ومما أمالاه أواخر آي ما كما يأتي؛ لأن منه ما ليس برأس آية وهو الربا، وليبين أن الجميع من ذوات الواو والقوى جمع قوة وهو رأس آية في "والنجم"[1]، ولم يبق عليه إلا ذكر العلا ولكنه لما كان جمع عليا، وقد قلبت الواو في عليا ياء صار كأنه من ذوات الياء والله أعلم.
وأما "الزنا" بالزاي والنون فمن ذوات الياء، فلم يحتج إلى ذكره؛ لأنه ممال لهما على أصلهما.
305-
وَرُؤيَاكَ مَعْ مَثْوَايَ عَنْهُ لِحَفْصِهِمْ ... وَمَحْيَايَ مِشْكَاةٍ هُدَايَ قَدِ انجَلا
جميع ما في هذا البيت تفرد بإمالته الدوري عن الكسائي دون أبي الحارث، وحفص هو اسم أبي عمرو الدوري، والهاء في عنه تعود إلى الكسائي وأراد ورؤياك المضاف إلى الكاف وهي في أول يوسف دون المضاف إلى الياء والمعرف باللام فهما للكسائي بكماله كما تقدم، وذكر مكي وغيره أن أبا الحارث وافق الدوري في إمالة الرؤيا حيث وقعت، فلم يستثن المضاف إلى الكاف وأما مثواي ففي يوسف: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}[2]، فالذي تفرد به الدوري هو المضاف إلى الياء، دون قوله تعالى: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}[3]، {وَمَثْوَاكُم}[4]، و"مثواهم".
[1]الآية: 5.
[2]الآية: 23.
[3]سورة يوسف، آية: 21.
[4]سورة الأنعام، آية: 128.
فأمال الثلاثة حمزة والكسائي على أصلهما في إمالة ذوات الياء:
"ومحياي".
المضاف إلى الياء في آخر الأنعام دون: "ومحياهم"، فذاك للكسائي بكماله كما سبق: و"مشكاة" في النور، ووجه إمالتها الكسرة بعد الألف الميم أيضا كما تميل العرب شملال وأما "هدى" ففي سورة البقرة وطه، أراد المضاف إلى الياء دون المضاف إلى غيرها نحو: "فبهداهم"، و"هداها"، و"الهدى".
ونحوه فذلك ممال لحمزة والكسائي.
306-
وَممَّا أَمَالاَهُ أَوَاخِرُ آيٍ مَّا ... بـ: طَهَ وَآيِ الْنَّجْمِ كَيْ تَتَعَدَّلا
أي أواخر آي القرآن الذي تراه بسورة طه مما أماله حمزة والكسائي على الأصول المتقدمة، وآي جمع آية كتمر وتمرة، وما بمعنى الذي وبـ "طه" صلتها كما تقول: عرفت ما بالدار أي الذي فيها، أراد الألِفَات التي هي أواخر الآيات مما جميعه لام الكلمة سواء فيها المنقلب عن الياء والمنقلب عن الواو إلا ما سبق استثناؤه من أن حمزة لا يمليه، فأما الألف المبدلة من التنوين في الوقف نحو "همسا" و"ضنكا" و"نسفا" و"علما" و"عزما" فلا تمال لأنها لا تصير ياء في موضع بخلاف لمنقلبة عن الواو فإن الفعل المبني للمفعول تنقلب فيه ألفات الواو ياء فألف التنوين كألف التثنية لا إمالة فيها نحو: {فَخَانَتَاهُمَا} ، {إِلاَّ أَنْ يَخَافَا} ، {اثْنَتَا عَشْرَةَ} .
وأما المنون من المقصور نحو: "هدى"، و"سوى"، و"سدى".
ففي الألف الموقوف عليها خلاف يأتي ذكره في آخر الباب ثم قال: وآي النجم أي أواخر سورة "والنجم"، ثم بين حكمة ذلك فقال: كي تتعدلا يعني رءوس الآي، فتصير على منهاج واحد، وهذه حكمة ترك الإمالة أنسب لها منها؛ لأن الفتح يناسب في كل المواضع الممالة وغيرها، فإن في أواخر الآى من السور المذكورة ما لا يمال وليس فيها ما لا يفتح.
فإن قلت: أراد بالتعديل إلحاق ذوات الواو بذوات الياء في الإمالة لم يتم له هذا؛ لأن حمزة استثنى أربعة مواضع من رءوس الآى فلم يملها فلم يكن في إمالة الباقي تعدل ولو لم يمل الجميع حصل التعدل على أني أقول: لم يكن له حاجة إلى ذكر إمالة أواخر الآي؛ لأن جميع ذلك قد علم مما تقدم من القواعد من ذوات الياء أصلا ورسما، وقد نص على ذوات الواو منها فلم يبق منها شيء، ولهذا لم يتعرض كثير من المصنفين لذكر هذه السور ولا ذكرها صاحب التيسير.
فإن قلت: فيها نحو: "وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحى"[1]، فمن أين تعلم إمالته؟
قلت: من قوله: وما رسموا بالياء، وقد نبهنا عليه ثَمَّ وكذلك العلى ثم ذكر باقي السور فقال:
307-
وَفِي الشَّمْسِ وَالأَعْلى وَفِي اللَّيْلِ والضُّحى ... وَفِي اقْرَأْ وَفِي وَالنَّازِعَاتِ تَمَيَّلا
308-
وَمِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ الْقِيَامَةِ ثُمَّ فِي الْـ ... ـمَعَارِجَ يا مِنْهَالُ أَفْلَحْتَ مُنْهِلا
الضمير في تميلا للمذكور ومراده تميل أواخر أي هذه السور أيضا، والضمير في ومن تحتها للنازعات أراد سورة عبس والجار والمجرور صفة موصوف محذوف كقوله تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} ، أي وفي سورة من تحت النازعات ثم في القيامة ثم في المعارج أي وفي سورة سأل سائل، ألا ترى كيف ذكر ما قبلها وما بعدها بحرف في فجملة هذه السور إحدى عشر منها أربع شملت الإمالة أواخر آياتها كلها لقبولها لذلك وهي: "والنجم إذا هوى"، "سبح اسم ربك الأعلى"، "والشمس وضحاها"، "والليل إذا يغشى".
وسبع سور دخلت الإمالة في بعض آياتها وهي التي تقبل الإمالة وهي: طه والمعارج والقيامة والنازعات وعبس والضحى واقرأ باسم ربك، ثم الإمالة في الجميع ليس بعدها ضمير مؤنث إلا في سورتين: "والشمس"، و"النازعات"، أما "والشمس" فاستوعب ضمير المؤنث أواخر آيها وأما "النازعات" ففيها الأمران مرتين ولم يأت آيات في آخرهن ألف مقصورة نسقا إلا في هذه السور، والمنهال الكثير الإنهال والإنهال إيراد الإبل المنهل ومنهلا أي موردا أو معطيا إذ يقال: أنهلت الرجل إذا أعطيته، وانتصب على الحال فكأنه نادى نفسه أو جميع من يعلم العلم وحروف القرآن ورواياته الثابتة من ذلك، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". والله أعلم.
309-
رَمى "صُحْبَةٌ" أَعْمَى فِي الِاسْراءِ ثَانِيًا ... سِوًى وَسُدًى فِي الوَقْفِ عَنْهُمْ تَسَبُّلا
جميع ما في هذا البيت إمالة صحبة وهو من ذوات الياء، وسدى من أسديت الشيء إذا أهملته ولا يمال "سوى وسدى".
[1]سورة طه، آية: 59.