في الوصل؛؛ لأنهما منونان وتبنى إمالتهما في الوقف على خلاف يأتي، والأرجح الإمالة على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى وأراد: "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى"[1]، "فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى"[2]، "مَكَانًا سُوَىً"[3]، "أَنْ يُتْرَكَ سُدىً"[4].
وهذه الأربعة معلوم إمالتها لحمزة والكسائي من القواعد المقدمة، وإنما ذكرها بعد ذلك لموافقة أبي بكر عن عاصم لهما فيها وكان يمكنه أن يقول: رمى شعبة وإنما عدل عنه خوفا من وهم أن ذلك مختص بشعبة وهذه عادته في مثل ذلك على ما سيتضح فيما بعد.
قال الشيخ: "وقوله: تسبلا" أي تحبس يشير إلى ثبوته.
قلت: أظن معناه أبيحت إمالته عنهم من سبلت الماء فتسبل؛ لأن غيرهم لم يسبل إمالته وهو خبر أعمى فما بعده أي إضجاع ذلك نقل عنهم والإضجاع من أسماء الإمالة، وإنما قدرت المحذوف بها لتذكير الضمير فيه، وفي الإسراء في موضع الحال عاملها المضاف المحذوف أي إمالة أعمى في حال كونه في الإسراء ثانيا.
"وسوى وسدى" عنهم تسبل ورمى صحبة أي أماله صحبة والله أعلم.
310-
وَرَاءُ تَراءَى "فـ"ـَازَ فِي شُعَرَائِهِ ... حُـ"ـكْمُ "صُحْبَةٍ" أَوّلا
وَأَعْمى فِي الِاسْرا "
الهاء في شعرائه تعود على الراء أو لفظ تراءا؛ لأن كل واحد منهما في السورة المذكورة فهو كقولك غلام زيد في داره ولفظ تراءا وزنه تفاعل، ففيه ألفان بينهما همزة الأولى زائدة والثانية لام الكلمة منقلبة عن ياء فإذا وقف عليها أميلت الثانية لحمزة والكسائي على أصلهما في إمالة ما كان من الألفات من ذوات الياء طرفا غير أن حمزة يجعل الهمزة بين بين على أصله وأضاف إلى ذلك أن إمالة الألف الأولى لمجاورة الثانية فهو من باب إمالة الإمالة ولهذا لم يمل الراء من قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ}[5]لما لم تكن فيها إمالة تسوغ ذلك، وليست الألف أصلية منقلبة عن ياء بل هي زائدة؛ لأنها ألف تفاعل، ولم يجاورها كسر فلا إمالة فيها ولا نظر إلى كونها بعد راء والعرب تستحسن إمالة الألف قبل الراء وبعدها نحو: "ترى" و"النار" ما لا تستحسنه في غير ذلك ولهذا أمالهما أبو عمرو؛ لأن الألف في كل ذلك إما منقلبة عن ياء أو هي ألف تأنيث أو مجاورة لكسر نحو: "ترى، وبشرى، وأبصارهم".
والراء المفتوحة تمنع الإمالة إلا أن يوجد أحد أسباب الإمالة ثم من ضرورة إمالة الألفين في تراءا
[1]سورة الأنفال، الآية: 17.
[2]سورة الإسراء، الآية: 72.
[3]سورة طه، الآية: 58.
[4]سورة القيامة، الآية: 36.
[5]سورة الأنفال، الآية: 48.
إمالة الراء والهمزة قبلها، فبقيت الهمزة المسهلة بين ألفين ممالتين وهي في نفسها ممالة فتجاورت أربعة أحرف ممالة في الوقف فإذا وصلت سقطت الألف الثانية؛ لوجود الساكن بعدها فبطلت الإمالة في الهمزة وبقيت إمالة الألف الأولى والراء قبلها لحمزة وحده، فعبر الناظم عن ذلك بإمالة الراء؛ لأن من ضرورتها إمالة الألف بعدها وهي عبارة صاحب التيسير ولم يذكر ذلك في باب الإمالة بل في سورة الشعراء فقرا حمزة: "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ"[1]بإمالة فتحة الراء، وإذا وقف أتبعها الهمزة فأمالها مع جعلها بين بين على أصله فتصير بين ألفين ممالتين الأولى أميلت لإمالة فتحة الراء والثانية أميلت لإمالة فتحة الهمزة ألا ترى كيف عبر عن إمالة الألفين بإمالة ما قبلهما مجازا وجعلهما أصلين في ذلك والحق عكس ذلك وهو أن ما قبل الألفين أميلا لإمالة الألفين تبعا لهما والتعبير بذلك في الراء أقرب منه في الهمزة؛ لأن الراء في الجملة قد أميلت حيث لا ألف مجاورة لها كما يأتي في باب ترقيق الراءات في: "رءا القمر" في الوصل وبه قرأ حمزة أمال الراء والألف بعدها وقد تجوز الناظم أيضا بهذه العبارة فيه هنا عن إمالة الألف الذي بعد الراء بإمالة الراء فقال: وراء تراءا، فاز أي إضجاعها أو فاء بالإمالة وعبر في سورة الأنعام في نحو:
"رءا كوكبا"، "ورأى القمر".
عن إمالة الألف بإمالة الهمزة، فقال: وفي همزه حسن، وقال وقل في الهمز خلف مع أن الهمز لو تجرد عن الألف لم تقع فيه إمالة أبدا وإنما أماله من أمال في الوصل في: "رءا القمر"؛ نظرا إلى الأصل ولم يعتد بعارض حذف الألف للساكن، وسيأتي الكلام في نحو هذا في آخر هذا الباب ولما لم يكن هذا المذهب في قراءة حمزة في: "رءا القمر"؛ بل اقتصر على إمالة الراء فعل مثل ذلك في: "تراءا الجمعان" في الوصل فأمال الراء دون الهمزة وأما: "أعمى" الأول في سورة الإسراء فأماله أبو عمرو موافقا لصحبة وخالفهم في الثاني كما سبق إما جمعا بين اللغتين
[1]سورة الشعراء، الآية: 61.
وإما لفرق ذكروه وهو: أن الثاني عنده أفعل التفضيل فكأن ألفه لم يقع طرفا؛ لافتقاره إلى من المقدرة وصاغ ذلك؛ لأنه من العمى المجازي وهو عمي القلب دون الحقيقي الذي هو عمى العين، فلهذا بنى أفعل منه أي من كان جاهلا للحق في الدنيا فهو في الآخرة أجهل وأضل ومن أمالهما أو فتحهما سوى بينهما وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الألف فيهما عن ياء ولهم أن يقولوا ليس الثاني أفعل تفضيل بل هو اسم فاعل من العمى كالأول؛ أي من كان أعمى في الدنيا عن الحق فهو أعمى أيضا في الآخرة، وعند هذا يجوز أن يكون من العمى المجازي كالأول، ويجوز أن يكون حقيقة كما في قوله تعالى في طه: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا}[1]، فهذا دليل على أنه عمى العين؛ إذ كان بصيرا بها قبل ذلك ولم يكن المذكور بصيرا بقلبه وقال سبحانه في آخر سورة الإسراء: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}[2].
فقول الناظم "أولا" ليس برمز وإنما هو بيان لموضع أعمى فهو من تتمة بيان الحرف المختلف فيه وهو حال من أعمى؛ أي وإمالة أعمى أولا في الإسراء حكم صحبة، فهو من القبيل الذي جاء الرمز فيه متوسطا في أثناء التقييد كما نبهنا عليه في شرح الخطبة مثل قوله: دار واقصر مع مضعفة، وقد فصل الناظم بمسألة تراءا بين لفظي أعمى في الإسراء ولو اتصلا لكان أولى، فيقول:
واعمى في الاسرا أوَّلا حكم صحبة ... وراء تراءا بالإمالة فصِّلا
فيجئ الرمز لأعمى بعد كمال قيده بقوله: أولا، ولولا أن همزة تراءا لا تمال إلا في الوقف لقلت وراء تراءا فاز والهمز شمللا والله أعلم.
311-
وَمَا بَعْدَ رَاءٍ "شَـ"ـاعَ "حُـ"ـكْمًا وَحَفْصُهُمْ ... يُوَالِي بِمَجْرَاهَا وَفي هُودَ أُنْزِلا
حكما تمييز، ي ما وقع من الألفات بعد راء فقل شاع حكمه في الإمالة؛ وذلك لما ذكرته من مجاورتها للراء، قال الكسائي: للعرب في كسر الراء رأي ليس لها في غيره، وروي عن أبي عمرو أنه قال: أدركت أصحاب ابن مجاهد وهم لا يكسرون شيئا من القرآن إلا نحو:
"وما أدراك"، و"أفترى"، "وترى".
أي أمال ذلك حمزة والكسائي وأبو عمرو ومثاله: "ذكرى"، و"اشترى"، و"النصارى"، و"القمر".
وتابعهم حفص في إمالة: {مَجْرَاهَا} .
[1]سورة طه، الآيتان: 124 و125.
[2]الآية: 97.
في سورة هود ولم يمل غيره وهو وحمزة والكسائي يقرءونها بفتح الميم كما يأتي في السورة وغيرهم بالضم وأما إمالة ألف مرساها فلحمزة والكسائي على أصلهما؛ لأنها عن ياء ولم تجاور راء، وقوله: يوالي أي يتابع، ووجه الكلام وحفص يواليهم، فنقل الضمير من يوالي إلى حفص، فقال: وحفصهم يوالي، والكل صواب، وجعل في هذا البيت الإمالة؛ لما بعد الراء وهو الألف على ما ذكرنا أن هذا هو الحق في التعبير عن ذلك وإمالة الراء قبل الألف تبع لها وما ذكره في إمالة: "تراءا" مجاز والله أعلم.
312-
نَأَى "شَـ"ـرْعُ يُـ"مْنٍ" بِاخْتِلاَفٍ وَشُعْبَةٌ ... في الِاسْرَا وَهُمْ وَالنُّونُ "ضَـ"ـوْءُ "سَـ"ـنًا "تـ"ـلا
أي إمالة ألف "نأى" شرع يمن؛ لأنها عن ياء، والمشهور عن السوسي الفتح، ووافقهم شعبة على إمالتها في سورة الإسراء دون فصلت، فلهذا قال: وهم، أي وهم وشعبة أمالوا التي في سبحان وإنما احتاج إلى قوله: وهم؛ لما ذكرناه في قوله: رمى صحبة، ولم يقل شعبة ثم قال: والنون يعني إمالة النون من نأى أمالها خلف والكسائي لأجل إمالة ما بعدها وهو سبب من أسباب الإمالة وأسباب الإمالة التي يذكرها أهل العربية هي انقلاب الألف عن الياء أو عن كسرة أو مجاورتها لواحدة منها أو لإمالة ولم يأت ذلك للقراء في غير هذا الحرف فلم يقرأ: "هدى"، ولا "رمى"، ولا "نهار".
ولا نحو ذلك في هذه الطرق المشهورة وقوله: والنون مبتدأ وضوء سنا خبره أي وإمالة النون ضوء أي ذات ضوء أي لها وجه ظاهر مضيء وأضافه إلى السنا ومعناه الضوء؛ لاختلاف اللفظين نحو:
كجلمود صخر خطه السيل من علِ
وتلا: خبر بعد خبر ومعناه تبع أي أميل تبعا لما بعده لا بطريق الأصالة، ويجوز نصب ضوء سنا بقوله: تلا ويكون تلا وحده خبر المبتدأ، والثناء على هذا؛ لإمالة ما بعد النون والله أعلم.
313-
إِنَاهُ "لَـ"ـهُ "شَـ"ـافٍ وَقُلْ أَوْ كِلاَهُمَا ... "شَـ"ـفَا وَلِكَسْرٍ أَوْ لِيَاءٍ تَميَّلا
أي لإمالته دليل شاف، وهو أن ألفه منقلبة عن ياء من أنى يأنى بمعنى آن يئين آي حان يحين، ومنه قول الشاعر فجمع بين اللغتين:
ألما يئن لي أن تقضَّى عمايتي ... وأُعرِض عن ليلى بلى قد أنا ليا
وقال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا}[1].
وأصل "أنا": "أني" تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فقال أنا الطعام يأني إناء إذا بلغ حال النضج، فمعنى قوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي غير متحينين وقت نضجه وإدراكه فأمال ألف إناه هشام مع حمزة والكسائي، وأما كلاهما في سبحان فوجه إمالة ألفه كسرة الكاف إن قلنا إن الألف منقلبة عن واو ولا يضرنا حجز اللام بينهما كما أمالت العرب عماد وإن قلنا ألفه عن ياء فظاهر فلهذا قال: ولكسر أولياء تميلا، وقياس هذا أن تمال كلتا إذا وقف عليها من قوله: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ}[2]، ولأنها على وزن فعلى عند قوم قال الداني في كتاب الإمالة يجوز إمالتها مشبعة وغير مشبعة في مذهب من تقدم وعامة القراء وأهل الأداء على القول الأول يعني عدم الإمالة والله أعلم.
وذكر مكي أيضا فيها الوجهين وإنما احتاج الناظم إلى ذكر الإمالة في كلمة كلاهما خوفا من عدم دخولها في قاعدة ذوات الياء على قولنا إنها من ذوات الواو ولم ترسم بالياء فنص عليها لذلك وإلا فلم يوافق حمزة والكسائي على إمالتها غيرهما ولم يذكر من قوله رمى صحبة إلى هاهنا إلا المواضع التي وافقهما على الإمالة فيها غيرهما مما لو تركه لا ندرج فيما سبق وأما راء: "تراءا".
فلا اندراج لها فيما تقدم فنص عليها لحمزة وحده والله أعلم.
314-
وَذُوا الرَّاءِ وَرْشٌ بَيْنَ بَيْنَ وَفي أَرَا ... كَهُمْ وَذَوَاتِ اليَا لَهُ الخُلْفُ جُمِّلا
شرَعَ يبين مذهب ورش عن نافع وجميع إمالته في القرآن بين بين إلا الهاء من: "طه"؛ فإنها إمالة محضة على ما سيأتي في أول سورة يونس وصفة إمالة بين بين أن يكون بين لفظي الفتح والإمالة المحضة كما تقول في همزة بين بين إنها بين لفظي الهمز وحرف المد فلا هي همزة ولا حرف مد، فكذا هنا لا هي فتح ولا إمالة وأكثر الناس ممن سمعنا قراءتهم أو بلغنا عنهم يلفظون بها على لفظ الإمالة المحضة ويجعلون الفرق بين المحضة وبين بين رفع الصوت بالمحضة وخفضه بين بين وهذا خطأ ظاهر فلا أثر لرفع الصوت وخفضه في ذلك ما دامت الحقيقة واحدة وإنما الغرض تمييز حقيقة المحضة من حقيقة بين بين وهو ما ذكرناه فلفظ الصوت بين بين يظهر على صورة اللفظ بترقيق الراءات وقد أطلق العلماء على ترقيق الراءات لفظ بين بين فدل على ما ذكرناه، وإن كان الأمر في اتضاحه لا يحتاج إلى شاهد.
قال صاحب التيسير: اعلم أن ورشا كان يميل فتحة الراء قليلا بين اللفظين.
[1]سورة الحديد، الآية: 16.
[2]سورة الكهف، الآية: 33.
وقال في باب الإمالة: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين فعبر في البابين بعبارة واحدة فدل على اتحاد الحقيقة فيهما وكذا ذكر في كتاب الإمالة هو وأبو الطيب ابن غلبون قبله.
ومعنى قوله وذو الراء ورش أي يقرؤه ورش بين بين.
ومعنى قولهم بين بين وبين اللفظين واحد.
واللفظان هما الفتح والإمالة؛ أي بين هذا وبين هذا، وهو معنى قول مكي: هو صوت بين صوتين، وحكى ابن مهران عن خلف قال: سمعت الفراء النحوي "يحيى ابن زياد" يقول: أفرط عاصم في الفتح، وأفرط حمزة في الكسر. قال: وأحَبُّ إليَّ أن تكون القراءة بين ذلك.
قال خلف: فقلت له: ومن يطيق هذا؟ قال: كذلك ينبغي أن تكون القراءة بين الفتح والكسر مثل قراءة أبي عمرو -رحمه الله- وإنما يترك ذلك من يتركه لما لا يقدر عليه؛ لأنه أمر صعب شديد.
قلت: صدق ولصعوبته غلب على ألسنة الناس جعله كالإمالة المحضة، وفرقوا بينهما برفع الصوت وخفضه وهو خطأ، وأسهل ما يظهر فيه إمالة بين بين: الراء فهو في نحو: "ذكرى" أشد بيانا فافهم ذلك وابْنِ عليه.
وعني الناظم بقوله: وذو الراء ما كانت الألف الممالة المتطرفة فيه بعد الراء نحو:
"قد نرى" و"القرى". وهو الذي وافق أبو عمرو وحمزة والكسائي في إمالته في قوله: وما بعد راءٍ شاع حكما، ولا يدخل في ذلك ما بعد راء:
"تراءا الجمعان"[1]؛ فإنها ليست بمتطرفة ولكنها واردة على إطلاقه؛ فإنه لم يقيدها بالألف المتطرفة كما لم يقيد ألفات ذوات الياء في أول الباب، وأما قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا}[2]فعن ورش فيه وجهان: الفتح وبين بين، والفتح رواية المصريين؛ لبعد الألف عن الطرف؛ لكثرة الحروف المتصلة بها بعدها والوجهان جاريان له في ذوات الياء والصحيح وجه بين بين وعليه الأكثر. قال في التيسير: وهو الذي لا يوجد نص بخلافه عنه، وقال في موضع آخر: وهو الصحيح الذي يؤخذ به رواية وتلاوة.
وليس يريد الناظم بقوله: "ذوات الياء" تخصيص الحكم بالألفات المنقلبات عن الياء؛ فإن إمالة ورش أعم
[1]سورة الشعراء، الآية: 61.
[2]سورة الأنفال، الآية: 43.
من ذلك فالأولى حمله على ذلك، وعلى المرسوم بالياء مطلقا مما أماله حمزة والكسائي أو تفرد به الكسائي أو الدوري عنه أو زاد مع حمزة والكسائي في إمالته غيرهما نحو: "رمى"، و"أعمى"، و"نأى"، و"إناه".
ودخل في ذلك ما فيه ألف التأنيث من فعلى وفعالى كيف تحركت الفاء وكذلك: "ألَّ"، و"متى"، و"عسى"، و"بلى".
وكل ثلاثي زائد:
كـ "أزكى"، و"تدعى"، وكذا "خطايا"، "ومزجاة"، "وتقاة"، "وحق تقاته"، "والرءيا"، "كيف آسى"، و"مثواي"، و"محياي"، و"هداي".
وقد نص على ذلك كله أبو عمرو الداني في كتاب الإمالة مفرقا في أبوابه، وكشفت الأبواب التي فيه ذوات الواو مما جازت إمالته لحمزة والكسائي أو الكسائي وحده، فوجدته لم يذكر لورش بين بين، في:
"مشكاة، ولا "مرضاة" ولا "كلاهما" وأما "تلاها" و"دحاها" و"طحاها" فساقها في باب فعل المعتل اللام نحو: "أتى" و"سعى" و"قضى" و"سجى"، وقال في آخره: وقرأ نافع الباب كله على نحو ما تقدم من الاختلاف عنه في ذوات الياء، وأقرأني ابن غلبون لورش بفتح جميع ذلك إلا ما وقع منه رأس آية في سورة، أواخر آيها على ياء وليس بعد الياء كناية مؤنث فإنه بين اللفظين.
قلت: فخرج من مذهب ابن غلبون أن ورشا يميل: "سجى" في سورة والضحى؛ لأنه رأس آية وليس في آخرها هاء ولا يميل: "دحاها" و"تلاها" و"طحاها" ويميل الجميع على الرواية الأولى وسنوضح ذلك أيضا في البيت الآتي، وأما ما كسر أوله أو ضم من ذوات الواو وهو الذي اتفق حمزة والكسائي على إمالته وهو: "ضحاها" و"الضحى" و"الربا" و"القوى" ففيه نظر؛ فإن الداني جمع في باب واحد من كتاب الإمالة ذكر الأسماء المقصورة في القرآن سواء انفتح أولها نحو: "الهوى" و"فتاها". أو انكسر نحو:
"الربا، والزنا"، أو انضم نحو: "الهدى، والضحى، والقوى".
وقال في آخره: وقرأ نافع جميع ذلك على ما تقدم من الاختلاف عنه في باب فعل.
واقرأني ابن غلبون لورش ما كان من ذلك فيه راء أو وقع رأس آية ولم يتصل بها ضمير مؤنث بين اللفظين وما عدا ذلك بإخلاص الفتح.
قلت: فحصل لنا من ظاهر مجموع ذلك أن رءوس الآي مما لا هاء فيه تمال بلا خلاف، "كالضحى" و"القوى"، وما فيه الهاء من رءوس الآى كالذي لا هاء فيه من غير رءوس الآى ففيه الوجهان: كـ "ضحاها" و"تلاها" "وجلاها" و"بناها"، واستخراج ذلك من كتاب التيسير مشكل؛ فإنه ذكر ذوات الياء ثم قال: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين إلا ما كان من ذلك في سورة أواخر آيها على هاء؛ فإنه أخلص الفتح فيه على خلاف بين أهل الأداء في ذلك.
هذا ما لم يكن في ذلك راء يعني فإنه يميله بلا خلاف بين بين نحو: "ذكراها"، كما يميل: "ذكرى" في غير رءوس الآي، وهو داخل في قوله: وذو الراء ورش بين بين، ثم ذكر صاحب التيسير ما تفرد الكسائي بإمالته وفيه أربع كلمات من ذوات الواو: "سجى" و"دحاها" و"تلاها" و"طحاها" "وفيه" "مرضاة"، وذكر في الفصل بعينه ما اتفقا عليه من إمالة: "الضحى" و"الربا"، و"كلاهما". ثم قال: وقد تقدم مذهب ورش في ذوات الياء، وهذه العبارة تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يريد أنه فعل في هذا الفصل ما فعله في ذوات الياء فيلزم من ذلك أنه يميل: "مرضاة" و"كلاهما" كما يميل: "الربا" و"الضحى" و"سجى" و"دحاها"، ولم أره في كتاب الإمالة ذكر لورش إمالة فيهما. والثاني: أن يريد أنه أمال من هذا الفصل ما كان من ذوات الياء كما تقدم فيلزم من ذلك أن لا يميل ذوات الواو في رءوس الآي ولا الربا، وقد ذكرنا عبارته من كتاب الإمالة وهي تقتضي إمالة ذلك، ثم ذكر صاحب التيسير ما انفرد الدوري بإمالته، ثم قال: وفتح الباقون ذلك كله إلا قوله -عز وجل: