تقدم مثله في البقرة: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}[1].
والياء لله والنون للعظمة ويقال: تهدل الغصن؛ أي: استرخى؛ لكثرة ثمرته، فقراءة حمزة والكسائي بالياء والجزم وقراءة عاصم وأبي عمرو بالياء والرفع، والباقون بالنون والرفع.
710-
وَحَرِّكْ وَضُمَّ الكَسْرَ وَامْدُدْهُ هَامِزًا ... وَلا نُونَ شِرْكًا "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذَا "نَفَرٍ" مَلا
شركا مفعول وحرك ولا نون: يعني: لا تنوين فيه وضم الكسر يعني: في الشين والتحريك عبارة عن فتح الراء فيصير شركاء جمع شريك على وزن كرماء، وشركا على تقدير ذا شرك، ويجوز أن يكون سمى الشريك شركاء على المبالغة، وقوله: عن شذا متعلق بمحذوف؛ أي: آخذا ذلك، والشذا يجوز أن يكون بمعنى بقية النفس؛ أي: خذه عن بقية نفر ملا؛ أي: ثقات، ويجوز أن يكون عبارة عن الطيب وكنى به عن العلم؛ أي: آخذا ذلك عن علم نفر هذه صفتهم، وعبر عن العلم بالشذا؛ لأن العلم طيب العلماء والله أعلم.
711-
وَلا يَتْبَعُوكُمْ خَفَّ مَعْ فَتْحِ بَائِهِ ... وَيَتْبَعُهُمْ فِي الظُّلَّةِ "ا"حْتَلَّ وَاعْتَلا
يريد: "وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتْبَعُوكُمْ"[2]؛ التخفيف من تبع مثل علم والتشديد من اتبع مثل اتسق، والظلة هي سورة الشعراء، في آخرها: "وَالشُّعَرَاءُ يَتْبَعُهُمُ"؛ التخفيف في الموضعين لنافع وحده، وكذلك "ويتبعهم" في الظلة، وقوله: احتل؛ أي: حمل ذلك في هاتين الكلمتين وهو تخفيف التاء بإسكانها وفتح الباء واعتلا: ارتفع والله أعلم.
712-
وَقُلْ طَائِفٌ طَيْفٌ "رِ"ضىً "حَقُّـ"ـهُ وَيَا ... يَمُدُّونَ فَاضْمُمْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "أَ"عْدَلا
قل هنا بمعنى: اقرأ؛ أي: اقرأ هذه الكلمة التي هي "طائف" اقرأها "طيف" للكسائي وأبي عمرو وابن كثير يريد قوله تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ}[3].
قال أبو عبيدة "طيف من الشيطان"؛ أي: يلم به لما قال أبو زيد: طاف الخيال يطيف طيفا وطاف الرجل يطوف طوفا إذا أقبل وأدبر فمن قرأ "طايف" كان اسم فاعل من أحد هذين، ومن قرأ "طيف"
[1]سورة البقرة، آية: 271.
[2]سورة الأعراف، آية: 183.
[3]سورة الأعراف، آية: 201.
فهو مصدر أو تخفيف "طيِّف" كـ "ميِّت" ويكون طيف بمعنى: طايف يحتمل الوجهين، وقال أبو علي: الطيف مصدر فكان المعنى: إذا مسهم وخطر لهم خطرة من الشيطان تذكروا، قال: ويكون طايف بمعناه مثل العاقبة والعافية، ويجوز ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة والطيف أكثر؛ لأن المصدر على هذا الوزن أكثر منه على وزن فاعل فالطيف كالخطرة والطائف كالخاطر، وقوله: رضى حقه؛ أي: حقه رضى؛ أي: مرضي وأما: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ}[1]، فقراءة الجماعة من مد مثل شد؛ لأنه هو المستعمل في المكروه نحو: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ}[2]، {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}[3]، وقراءة نافع وحده من أمد مثل أعد وهو أكثر ما يستعمل في المحبوب نحو: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ}[4]، {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ}[5]، {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}[6]، {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ}[7]، {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ}[8].
قال أبو علي: فوجهه ههنا أنه بمنزلة قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[9]، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[10].
وقيل مد وأمد لغتان يقال مد النهر وأمده بحر آخر وأمددت الجيش بمد: إذا أعنتهم ومددتهم صرت لهم مددا، وقال: سيل أبي مده أنى وأعدلا حال؛ أي: عادلا في بيان وجه ذلك.
713-
وَرَبِّي مَعِي بَعْدِي وَإِنِّي كِلاهُمَا ... عَذَابِي آيَاتِي مُضَافَاتُهَا العُلا
فيها سبع ياءات إضافة: "رَبِّي الْفَوَاحِشَ"[11]، أسكنها حمزة وحده.
{مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ} ، فتحها حفص وحده.
"مِنْ بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ"[12].
[1]سورة الأعراف، آية: 202.
[2]سور البقرة، آية: 15.
[3]سورة مريم، آية: 79.
[4]سورة الطيور، آية: 22.
[5]سورة النمل، آية: 36.
[6]سورة نوح: آية: 12.
[7]سورة الأنفال، آية: 9.
[8]سورة المؤمنون، آية: 55.
[9]سورة آل عمران، آية: 21.
[10]سورة الليل، آية: 10.
[11]سورة الأعراف، آية: 33.
[12]سورة اأعراف، آية: 33.
فتحها الحرميان وأبو عمرو.
"إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ"[1]في قصة نوح كذلك فتحها أبو عمرو والحرميان.
"إِنِّيَ اصْطَفَيْتُكَ"[2]، فتحها أبو عمرو وابن كثير، فهذا معنى قوله: كلاهما؛ أي: إني وإني كلاهما؛ أي: جاء لفظ: "إني في موضعين، وهذا كما سبق في معنى قوله: معا.
"قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ"[3]، فتحها نافع وحده.
"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ"[4]، أسكنها ابن عامر وحمزة، ويقع في بعض النسخ "عذابي" وآياتي بإسكان ياء "عذابي"، وإثبات واو العطف في "وآياتي"، وفي بعضها بفتح الياء وحذف الواو وفيها زائدة واحدة في آخرها.
"ثُمَّ كِيدُونِي فَلا"[5]، أثبتها أبو عمرو في الوصل، وعن هشام خلاف في الوصل والوقف وقلت: في ذلك:
مضافاتها سبع وفيها زيادة
تحلت أخيرا ثم كيدون مع فلا
أي هي: {كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ}[6].
[1]سورة الأعراف، آية: 15.
[2]سورة الأعراف، آية: 59.
[3]سورة الأعراف، آية: 144.
[4]سورة الأعراف، آية: 146.
[5]سورة الأعراف، آية: 195.
[6]سورة الأعراف، آية: 195.
سورة الأنفال:
714-
وَفِي مُرْدِفِينَ الدَّالَ يَفْتَحُ نَافِعٌ ... وَعَنْ قُنْبُلٍ يُرْوَى وَلَيْسَ مُعَوَّلا
أي: وليس معولا عليه قال صاحب التيسير: قرأ نافع "مردفين" بفتح الدال وكذلك حكى لي محمد بن أحمد عن ابن مجاهد أنه قرأ على قنبل قال: وهو واهم.
قلت: والقائل بأنه وهم هو ابن مجاهد؛ فإنه قال في كتاب السبعة له من رواية ابن بدهن: قرأت على قنبل "مردَفين" بفتح الدال مثل نافع وهو وهم: حدثني الجمال أحمد بن يزيد عن القواس عن أصحابه مردفين بكسر الدال.
قلت: والقواس هو شيخ قنبل، وكان قنبل سنة قرأ عليه ابن مجاهد قد اختلط على ما بيناه عند اسمه في الخطبة في الشرح الكبير، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال: وتأويله: أن الله تعالى أردف المسلمين بهم قال: وكان مجاهد يفسرها ممدين وهو تحقيق هذا المعنى قال وفسرها أبو عمرو "على قراءة الكسر" أردف بعضهم بعضا قال أبو عبيدة: فالإرداف: أن يحمل الرجل صاحبه خلفه ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر، فإن تأول بعضهم مردفين بمعنى رادفين: لم أحبه أيضا؛ لأن القرآن لم ينزل بهذه اللغة؛ ألا تسمع قوله تعالى: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}[1]، ولم يقل المردفة، وكذلك قوله تعالى: {رَدِفَ لَكُمْ}[2]، لم يقل: أردف لكم، وقال الفراء: مردفين: متابعين، يردف بعضهم بعضا ومردفين فعل بهم، قال الزجاج: يقال: أردفت الرجل إذا جئت بعده، فمعنى مردفين: يأتون فرقة بعد فرقة، قال أبو علي: من قال: "مردفين" احتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم تقول: أردفت زيدا فيكون المفعول محذوفا في الآية، والآخر: أن يكونوا جاءوا بعدهم، قال أبو الحسن: تقول العرب: بنو فلان مردفوننا؛ أي: يجيئون بعدنا، قال أبو عبيدة: مردفين: جاءوا بعد، وردفني وأردفني واحد فمردفين صفة للألف الذين هم الملائكة ومردفين على أردفوا الناس؛ أي: أنزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في ممدكم مردفين بألف من الملائكة والله أعلم.
715-
وَيُغْشِي "سَمَا" خِفًّا وَفِي ضَمِّهِ افْتَحُوا ... وَفِي الكَسْرِ "حَقًّـ"ـا وَالنُّعَاسَ ارْفَعُوا وِلا
[1]سورة النازعات، آية: 7.
[2]سورة النمل، آية: 72.
خفا: تمييز أو حال؛ أي: ارتفع تخفيفه أو ارتفع خفيفا؛ أي: ذا خف يعني: تخفيف الشين مع سكون الغين والباقون بفتح الغين وتشديد الشين وهما لغتان سبق ذكرهما في الأعراف، وزاد ابن كثير وأبو عمرو على تخفيف الشين: فتحها وفتح الياء الأولى وانقلبت الياء الأخيرة ألفا لانفتاح ما قبلها فقرءا مما يغشاكم مضارع غشى كعمى يعمى فهذا معنى قوله: وفي ضمه افتحوا؛ يعني: ضم الباء وفي الكسر يعني: كسر الشين فتحوا أيضا فتحا حقا والتقدير حق ذلك حقا ولزم من قراءتهما يغشى أن يرتفع النعاس على الفاعلية وأن ينتصب في قراءة غيرهما على المفعولية؛ ليتعدى الفعل إليه بالزيادة على غشى همزة أو تضعيفا فهذا معنى قوله: والنعاس ارفعوا؛ أي: لمدلول حقا ولا بالكسر؛ أي: ذوى ولاء؛ أي: متابعة.
716-
وَتَخْفِيفُهُمْ فِي الأَوَّلِينَ هُنَا وَلـ ... ـكِنِ اللهُ وَارْفَعْ هَاءهُ "شَـ"ـاعَ "كُـ"ـفَّلا
يعني: الأولين: {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ}[1]، {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} 2 احتراز من {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}[3]، {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}[4].
فإنهما مشددان بلا خلاف وموضع قوله: "ولكن الله" نصب على أنه مفعول وتخفيفهم؛ أي: وتخفيفهم "ولكن الله" في الموضعين الأولين؛ أي: تخفيف هذا اللفظ، ولهذا قال وارفع هاءه؛ أي: الهاء من اللفظ المذكور وهي التي في اسم الله تعالى وفي الأولين هو خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون من جملة ما تعلق بالمبتدأ والخبر شاع، وقوله: وارفع هاءه وقع معترضا؛ لأنه من تتمة القراءة فليس بأجنبي، وقد سبق تعليل القراءتين في: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}[5].
وكفلا: جمع كافل ونصبه على التمييز:
717-
وَمُوهِنُ بِالتَّخْفِيفِ "ذَ"اعَ وَفِيهِ لَمْ ... يُنَوَّنْ لِحَفْصٍ كَيْدَ بِالخَفْضِ عَوَّلا
يريد: {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}[6]، وهنت الشي وأوهنته واحد؛ أي: جعلته واهنا ضعيفا، وتنوين موهن ونصب كيد هو الأصل؛ لأنه اسم فاعل نصب مفعوله وإضافة حفص إضافة تخفيف نحو "بالغ الكعبة" في قراءة الجميع، وبالغ أمره في قراءة حفص أيضا كما سيأتي، ومعنى ذاع انتشر، وقوله: لم ينون؛ أي: لم يقع فيه تنوين لحفص، فالفعل مسند إلى الجار والمجرور ولا ضمير فيه يرجع إلى موهن، أغنى عن ذلك قوله: وفيه وكيد مبتدأ وخبره عول عليه.
[1]و2 سورة الأنفال، آية: 17.
[3]سورة الأنفال، آية: 43.
[4]سورة الأنفال، آية: 63.
[5]سورة البقرة، آية: 102.
[6]سورة الأنفال، آية: 18.
718-
وَبَعْدُ وَإِنَّ الْفَتْحُ "عَمَّ عُـ"ـلا وَفِي ... هِمَا العُدْوَةِ اكْسِرْ "حَقًّـ"ـا الضَّمَّ وَاعْدِلا
يعني: وبعد موهن: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}[1].
الفتح فيه عم علاه أو عم ذا علا، وهو على إضمار حرف الجر؛ أي: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنا فئتكم، وقرأ الباقون بكسر وأن على الاستئناف والعدوة بكسر العين وضمها: لغتان وهي جانب الوادي وقيل المكان المرتفع، وقوله: فيهما؛ لأنها في موضعين: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}[2]، وهي مخصوصة في العلم حكاية لما في القرآن، وإنما موضعها رفع بالابتداء وتقدير الكلام: والعدوة اكسر الضم في موضعيها، ويجوز أن يكون العدوة بدلا من الضمير في فيهما أو في عطف بيان؛ أي: اكسر الضم فيهما ثم بيَّن ما أضمره فقال العدوة كقولك: رأيته زيدًا ومررت به زيد.
فإن قلت: كيف بدل مفردًا من ضمير تثنية وأنت لا تقول: رأيتهما زيدًا بل يجب أن تقول زيدا وعمرا أو الزيدين أو نحو ذلك؟ قلت: لما كان المضمر في هذا النظم لفظا متحدًا لم يحتج إلى تثنية اللفظ المثنى؛ بل اللفظ المفرد كافٍ في البيان كالتمييز في "عشرون رجلا" لما كان الغرض بيان حقيقة المعدود المتحد الجنس كفى في بيانه لفظ مفرد فكذا هذا، ولما كان المضمر في قولك: رأيتهما ومررت بهما يحتمل الاختلاف لزم البيان بلفظ التثنية أو ما يقوم مقامه، والكلام في حقا كما سبق إما نعت مصدر محذوف؛ أي: اكسر الضم كسرا حقًّا وهو مصدر مؤكد؛ أي: حق ذلك حقا، والألف في واعدلا بدل عن نون التأكيد الخفيفة أراد واعدلن، قال الشيخ: لأن أبا عبيد زعم أن الضم أعرب اللغتين وأكثرهما، وقد ذكر اليزيدي أن الكسر لغة أهل الحجاز، وأنكر أبو عمرو الضم فاعدل أنت، ويقال: العدوة بالفتح أيضا والله أعلم.
719-
وَمَنْ حَيِيَ اكْسِرْ مُظْهِرًا "إِ"ذْ "صَـ"ـفَا "هُـ"ـدًى ... وَإِذْ يَتَوَفَّى أَنِّثُوهُ "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا
يريد: {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}[3]؛ أصل هذا المدغم حيي بياءين على وزن عمى فأدغم، أراد كسر الياء الأولى مظهرا لما كان أدغم في قراءة الغير وللباقين افتح مدغما وهما لغتان: نحو عيى وعى وهدى: تمييز أو حال؛ أي: صفا هداه وصفا ذا هدى كما سبق في عم علا وغيره، والتأنيث والتذكير في: {يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ}[4].
[1]سورة الأنفال، آية: 19.
[2]سورة الأنفال، آية: 42.
[3]سورة الأنفال، آية: 42.
[4]سور الأنفال، آية: 50.
سبق نظيرهما في: {تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ} في آخر الأنعام، واللفظ الفاصل هنا بين الفعل والفاعل أكثر منه ثم فلهذا كان الأكثر هنا على التذكير وثم على التأنيث، والمُلا بضم الميم جمع ملاءة وهي الملحفة كنى بذلك عن الحجج، وقد سبق أيضا تفسيره.
720-
وَبِالغَيْب فِيهَا تَحْسَبَنَّ "كَـ"ـمَا "فَـ"ـشَا ... "عَـ"ـمِيمًا وَقُلْ فِي النُّورِ "فَا"شِيهِ "كَـ"ـحَّلا
يريد: "ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا"[1]، فقراءة الخطاب ظاهرة، "الذين كفروا سبقوا" مفعول بلا تحسبن والخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأما القراءة بالغيب فعلى تقدير: ولا يحسبن الرسول أو حاسب، فبقي الذين كفروا سبقوا: مفعولين كما ذكرنا وقيل: الذين كفروا فاعل يحسبن، وسبقوا: المفعول الثاني والأول محذوف تقديره: إياهم سبقوا، كذا قدره أبو علي، وهو معنى تقدير أبي عبيد وغيره حين قالوا: لا تحسبنهم سبقوا، وقيل سد سبقوا مسد المفعولين على تقدير أنهم سبقوا أو أن سبقوا أو بأن قدره أبو علي أيضا، ثم حذفت أن واسمها اختصارا للعلم بمكانها، ومعنى سبقوا فاتوا كما قال سبحانه في موضع آخر: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} .
والذي في النور: "لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض"[2]، يتوجه فيه جميع الوجوه المذكورة إلا الأخير منها وهو تقدير: أنهم سبقوا؛ لأن لفظ معجزين منصوب نعم يقوم مقامه وجه آخر لا يتأتى هناك، وهو أن يكون معجزين: مفعولا أولا وفي الأرض: مفعولا ثانيا؛ أي: لا تحسبن أن في الأرض من يعجز الله، وقوله: عميما حال من الضمير في فشا ومعناه اشتهر في حال عمومه يشير إلى أنه مقدر بقولنا لا يحسبن أحد وكحلا بالتشديد مبالغة في كحل عينه استعاره هنا على أنه شفا أو بصر ونور وهدى ونحو ذلك والله أعلم.
721-
وَإِنَّهُمُ افْتَحْ "كَـ"ـاِفيًا وَاكْسِرُوا لِشُعْـ ... ـبَةَ السَّلْمَ وَاكْسِرْ فِي القِتالِ "فَـ"ـطِبْ "صِـ"ـلا
يريد {إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ}[3]، كسره على الاستئناف والفتح على تقدير: لأنهم، وقيل: هو مفعول لا يحسبن على تقدير أن "لا" زائدة؛ لأن ابن عامر الذي فتح أنهم يقرأ "لا يحسبن" بالغيب، وتكون زيادة "لا" هنا كما سبق في الأنعام.
[1]سورة الأنفال، آية: 59.
[2]سورة النور، آية: 57.
[3]سورة الأنفال، آية: 52.
{أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ}[1]، بكسر السين وفتحها لغتان، واللام ساكنة فيهما، ويقال أيضا: بفتح السين واللام، ومعنى الجميع: المسالمة والمصالحة يريد: "وإن جنحوا للسلم"، ولهذا قال: فاجنح لها لما كان السلم بمعنى المسالمة والذي في سورة القتال: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ}[2].
ومعنى قوله: فطب صلا أي: ذكاء؛ لأنه قد سبق أن صلاء النار هو استعارها ويعبر به عن الذكاء كما يقال هو يتوقد ذكاء، ويجوز أن تكون إشارة إلى نار القرى التي يهتدي بها الأضياف والتي تصلح طعامهم؛ أي: طب نارا على معنى: طب قرى لأضيافك؛ أي: طب علما لمن قصدك مستفيدا، فـ "صلا" تمييز والله أعلم.
722-
وَثَانِي يَكُنْ "غُـ"ـصْنٌ وَثَالِثُها ثَوَى ... وَضُعْفًا بِفَتْحِ الضَّمِّ "فَـ"ـاشِيهِ "نُـ"ـفَلا
يريد: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا}[3]، هذه هي الثانية تذكير يكن وتأنيثها؛ لأن الفعل مسند إلى مائة وتأنيثها غير حقيقي، وقد وقع الفصل بين الفعل وبينها فحسن التذكير وأما التأنيث فهو الأصل نظرا إلى لفظ علامة التأنيث في مائة، والثالث قوله تعالى بعد ذلك: "فإن تكن منكم مائة صابرة"[4]، الكلام فيه كما سبق في الثانية، لكن أبو عمرو فرق بينهما في قراءته، فأنث الثالث كما وصف المائة بقوله: صابرة فتأكد التأنيث في الموصوف بتأنيث الصفة فقوى مقتضى مشاكلة التأنيث في يكن، وإنما قال: ثاني وثالث؛ لأن قبلهما أول لا خلاف في تذكيره وهو: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ}[5].
وبعدهما رابع لا خلاف في تذكيره أيضا وهو: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ} .
ودلنا على أن مراده التذكير في الثاني والثالث: إطلاقه وعدم تقييده وأما:
[1]سورة الأنعام، آية: 109.
[2]سورة محمد -صلى الله عليه وسلم- آية: 35.
[3]سورة الأنفال، آية: 65.
[4]سورة الأنفال، آية: 66.
[5]سورة الأنفال، آية: 65.