بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 714

وكونه لا نظير له في الآحاد غير مقتضٍ لمنع الصرف بدليل العلم المرتجل الذي لا نظير له في أسماء الأجناس يقاس عليه لا بمنع الصرف وفيه علتان؛ العلمية وكونه لا نظير له، وهذا كان أولى بالمانعية؛ لأن العلمية مانعة في مواضع بشرطها والجمع غير معروف منه منع الصرف إلا في هذا الموضع المتنازع فيه فهذا الوجه من القياس مقوٍّ لهذه اللغة المسموعة.
ووجه آخر: قال أبو علي: إن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا صواحبات يوسف فلما جمع جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها فهذا معنى قوله: إذ رووا صرفه لنا، وقال الزجاج: الأجود في العربية أن لا يصرف سلاسل ولكن لما جعلت رأس آية صرفت؛ ليكون آخر الآي على لفظ واحد.
قلت: ادعاء أن سلاسل رأس آية بعيد، ولكن الممكن أن يقال: المعرف به في القرآن هو اللغة الفصيحة وهو منع صرف هذا الوزن من المجموع بدليل صوامع ومساجد، وإنما عدل عن اللغة المشهورة في سلاسل إرادة التناسب لما ذكر معها من قوله: {وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا} .
فإن قلتَ: فكان ينبغي على هذا صرف "صوامع"، و"مساجد"؛ ليشاكلا لفظ {وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} من قوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} قلتُ: إنما فعل ذلك في المنصوب خاصة؛ لأن المناسبة تحصل فيه وقفا ووصلا فإن المنون يوقف عليه بالألف، فكان الرسم الألف دالا على الأمرين، أما غر المنصوب فإنه يوقف عليه بالسكون منونا كان أو غير منون فلا حاجة تدعو إلى صرفه لأجل المناسبة وصلا، والمناسبة في الوقف مهمة بل هي العمدة في ذلك بدليل أن جماعة ممن لم ينون في الوصل يثبت الألف في الوقف، ونظير هذا الموضع قراءة من قرأ في سورة نوح: "ولا يغوثًا ويعوقًا" بالتنوين؛ لأجل أن قبله: {وَدًّا وَلا سُوَاعًا} ، وبعده: "وَنَسْرًا"، وهذا تعليل الزمخشري في ذلك فإنه قال لعله قصد الازدواج فصرفهما؛ لمصادفته أخواتهما منصرفات كما قرئ: {وَضُحَاهَا} بالإمالة؛ لوقوعه مع الممالات للازدواج هذا قوله: هنا ويجيء مثل ذلك في: "سَلاسِلا" وهو وجه سائغ فعدل عن ذلك لما وصل إليه، وقال: فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف.
والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن درى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف.
قال الشيخ: هذا كلام صدر عن سوء الظن بالقراءة، وعدم معرفته بطريقتهم في اتباع النقل.
قلتُ: هذا جواب الوجه الثاني.
وأما الوجه الأول: فالتنوين الذي حمله عليه يسمى بتنوين الترنم النائب مناب حرف الإطلاق ولا يستقيم ذلك هنا فإن ذلك التنوين ثابت وقفا وهذا مبدل منه ألف في الوقف وكل تنوين أبدل منه ألف في الوقف فهو تنوين الصرف ولو كان هذا التنوين في كلمات الأحزاب: "الظُّنُونَا"، و"الرَّسُولا"، و"السَّبِيلا" لكان تنوين الترنم فإن الألف في الوقف ألف الإطلاق فلتكن النون القائمة مقامه كذلك ولو كان هذا التنوين ثابتا في سلاسل وقفا كما هو ثابت وصلا لأمكن فيه ذلك على أنه لغة ضعيفة أيضا قال أبو الحسن الأخفش: لا يجوز في: "الظُّنُونَا" وشبهه تنوين الأعلى لغة من ينون في القوافي قال: ولا تعجبني تلك اللغة؛ لأنها ليست لغة أهل الحجاز.


صفحه 715

قلت: فكل من نون: "سَلاسِلا" في الوصل وقف عليه بالألف ومن لم ينون وصلا اختلفوا؛ فمنهم من وقف على اللام ساكنة وهو الذي عبر عنه بالقصر، وهذا قياس قراءتهم في الوصل وهم حمزة وقنبل بلا خلاف والبزي وحفص وابن ذكوان بخلاف عنهم ومنهم من وقف بألف؛ اتباعا للرسم وهم أبو عمرو، وهؤلاء الرواة الثلاثة في وجههم الثاني، وتكون ألف الوقف عند هؤلاء ألف الإطلاق كالتي في "الظنونا" وشبهه، وعن في قول الناظم من عن اسم كالتي في قول القطامي:
من عن يمين الجبيا
أي: نشأ للواقف بالقصر القصر من جانب هدى خلفهم وفلا من قولهم: فلوته؛ أي: ربيته أو بمعنى فصل من فلوته عن أمه؛ أي: فصلته وفطمته أو بمعنى تدبر من فليت الشعر إذا تدبرته واستخرجت معناه، قال الفراء: كتبت: "سَلاسِلا" بالألف فأجراها بعض القراء لمكان الألف التي في آخرها ولم يجرها بعضهم، وقال الذي لم يجرها: العرب تثبت فيما لا يجري الألف في النصب، فإذا وصلوا حذفوا الألف قال: وكلٌّ صواب.
1094-
"زَ"كا وَقَوَارِيرًا فَنَوِّنْهُ "إِ"ذْ "دَ"نَا ... "رِ"ضَا "صَـ"ـرْفِهِ وَاقْصُرْهُ فِي الوَقْفِ "فَـ"ـيْصَلا
زكا من تتمة رمز الواقفين بالقصر في "سلاسل"، والكلام في تنوين: {كَانَتْ قَوَارِيرَا} والوقف عليها بالألف وبالقصر كما سبق في "سلاسلا"، وزاد الوقف بالألف هنا حسنا كونه رأس آية فلهذا لم يقصره في الوقف إلا حمزة وحده، وأجمعوا على ترك صرف الذي في النمل: {صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} .
1095-
وَفِي الثَّانِ نَوِّنْ "إِ"ذْ "رَ"وَوْا "صَـ"ـرْفَهُ وَقُلْ ... يَمُدُّ هِشَامٌ وَاقِفًا مَعْهُمُ وِلا
يعني: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} ، ولكونه ليس برأس آية لم يقف عليه بالألف ممن لم ينون في الوصل إلا هشام، أما من نونه فوقف عليه بالألف المبدلة من التنوين فلهذا قال: واقفا معهم؛ أي: مع المنونين، وولا بالكسر؛ أي: متابعة للرسم فإنه بالألف في أكثر المصاحف كالذي قبله، قال الفراء: ثبتت الألف في الأولى؛ لأنها رأس آية، والأخرى ليس برأس آية فكان ثبات الألف في الأولى أقوى وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله بن مسعود، وقرأ بها أهل البصرة وكتبوها في مصاحفهم كذلك، وأهل الكوفة وأهل المدينة يثبتون الألف فيها جميعا وكأنهم استوحشوا أن يكتب حرف واحد في معنى نصب بكتابتين مختلفتين قال: وإن شئت أجريتهما جميعا وإن شئت لم تجرهما وإن شئت أجريت الأولى لمكان الألف في كتاب أهل البصرة ولم تجر الثانية؛ إذ لم تكن فيها الألف، واختار أبو عبيد: "سَلاسِلا"، و"قواريرًا قواريرًا" كلهن بإثبات الألف والتنوين قال: وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والكوفة بالألف، ورأيتها في الذي يقال إنه الإمام مصحف عثمان بن عفان: "قَوَارِيرَا" الأولى مثبتة والثانية كانت بالألف فحُكَّت ورأيت أثرها بيِّنًا هناك، وقال الزجاج: قرئت "قوارير" غير مصروفة، وهذا الاختيار عند النحويين، ومن قرأ بصرف الأول فلأنه رأس آية وترك صرف الثاني؛ لأنه ليس بآخر آية، ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ؛ لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء؛ ليتبع اللفظ اللفظ،


صفحه 716

فيقولون: جحرُ ضبٍّ خربٍ، وإنما الخرب من نعت الجحر فكيف بما يترك صرفه وجميع ما يترك صرفه يجوز صرفه في الشعر؛ يعني: فأمره في المتابعة أخف من غيره، وقال الزمخشري: هذا التنوين بدلا من ألف الإطلاق؛ لأنه فاصلة، وقد سبق بيان فساد هذا القول، ثم قال: وفي الثاني لاتِّباعه الأول، وذكر أبو عبيد وغيره أن في مصاحف البصرة الأول بألف والثاني بغير ألف، وبعضهم ذكر أن الأول أيضا بغير ألف في بعض المصاحف وهذا هو الظاهر.
1096-
وَعَالِيهِمُ اسْكِنْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "إِ"ذْ "فَـ"ـشَا ... وَخُضْرٌ بِرَفْعِ الْخَفْضِ "عَـ"ـمَّ "حُـ"ـلًا "عُـ"ـلا
يجوز أن يحرك الميم من عاليهم في البيت بالحركات الثلاثة؛ لضرورة الوزن وإلا فهي ساكنة في لفظ القرآن أو موصولة بواو عند من مذهبه ذلك، وإنما لفظ به الناظم على قراءة من أسكن الياء وكسر الهاء وليست الصلة من مذهب من قرأ كذلك فلم يبق أن يكون لفظ به إلا على قراءة إسكان الميم، وحينئذ يجوز فتحها بنقل حركة همزة أسكن إليها وكسرها؛ لالتقاء الساكنين على تقدير أن يكون وصل همزة القطع وضها؛ لأنها حركتها الأصلية عند الصلة فهي أولى من حركة مستعارة يريد: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ} ؛ أي: الذي يعلوهم ثياب من سندس فهو مبتدأ وخبر، وقراءة الباقين بنصب الياء وضم الهاء وهو حال من قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} ، ومن: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} هذا قول أبي علي، وأجاز الزجاج أن يكون حالا من الضمير في عليهم أو من الولدان وتبعه الزمخشري في ذلك وزاد وجها آخر وهو: أن يكون التقدير: رأيت أهل نعيم عاليهم وثياب سندس مرفوع به، وقد أجيز أن يكون عاليهم ظرفا كأنه لما كان عالٍ بمعنى فوق أجرى مجراه فهو كقولك: فوقهم ثياب وخضر بالرفع صفة لثياب وبالجر صفة لسندس، وجاز ذلك وإن كان سندس مفردا وخضر جمعا لما كان السندس راجعا إلى جمع وهو الثياب والمفرد إذا أريد به الجمع جاز وصفه بالجمع نحو: {عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} ومن هذا الإخبار عن المفرد والجمع نحو ما سبق في قراءة نافع وحمزة: "عاليهم ثياب" وعكسه قول الشاعر:
ألا إن جيران العشية رابح
وحلا البيت تمييز أو حال؛ أي: عمت حلاة أو عم ذا حلاه أخبر عن خضر بأنه عم حلاه وبأنه علا فهما جملتان، وقوله: برفع الخفض متعلق بأحدهما والله أعلم.
1097-
وَإِسْتَبْرَقَ "حِرْمِيُّ نَـ"ـصْرٍ وَخَاطَبُوا ... تَشَاءُونَ "حِصْنٌ" وُقِّتَتْ وَاوُهُ "حَـ"ـلا
أي: ورفع خفض إستبرق لهؤلاء ووجه الرفع العطف على ثياب؛ أي: وثياب استبرق فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقرأ الباقون بالجر عطفا على سندس؛ أي: ثياب هذين النوعين فصار في هاتين الكلمتين خضر وإستبرق أربع قراءات رفعهما لنافع، وحفص خفضهما لحمزة والكسائي خفض خضر ورفع استبرق لابن كثير وأبي بكر عكسه رفع خضر وجر إستبرق لأبي عمرو وابن عامر وهو أجود هذه القراءات الأربع واختاره أبو عبيد، قال أبو علي: هو أوجه هذه الوجوه؛ لأن خضر صفة مجموعة لموصوف،


صفحه 717

مجموع واستبرق جنس أضيف إليه الشاب كما أضيف إلى سندس كما تقول ثيابا خز وكتان، ودل على ذلك قوله تعالى في سورة الكهف: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}[1].
وأما: {وَمَا تَشَاءُونَ} بالغيب والخطاب فظاهر، وحصنا حال من فاعل خاطبوا أو مفعوله، وهو تشاءون جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه؛ أي: ذوي حصن أو ذا حصن، وقرأ أبو عمرو وحده: "وإذا الرسل وقتت" بالواو وهو أصل الكلمة؛ لأنها من الوقت قال الفراء: أي: جمعت لوقتها يوم القيامة، وقال الزجاج: جُعِلَ لها وقت وأجل للفصل والقضاء بين الأمم، وقال أبو علي: جعل يوم الدين والفصل لها وقتا كما قال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}[2].
وقال الزمخشري: معنى توقيت الرسل؛ أي: تبيين وقتهم الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
قلت: كأنه -والله أعلم- بعد الوقوف من طول ذلك اليوم ومعاينة ما فيه من الأهوال الواقعة بالسماء والكواكب والجبال وغيرها، ووقوع الخلائق في ذلك الكرب العظيم الذي يطلبون الخلاص منه لسرعة الفصل بينهم، فيقصدون الرسل لذلك على ما جاء في حديث الشفاعة، فحينئذ والله أعلم يبين لهم وقت الفصل بينهم، وقوله: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} تعظيم للوقت الذي يقع فيه الفصل والجزاء والمراد باليوم الحين والزمان ولطول يوم القيامة يعبر عن الوقت فيه ثم بين الناظم قراءة الباقين فقال:
1098-
وَبِالْهَمْزِ بَاقِيهِمْ قَدَرْنَا ثَقِيلًا "ا"ذْ ... "رَ"سا وَجِمالاتٌ فَوَحِّدْ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا
أي: همزوا الواو من وقتت فصارت همزة مضمومة وتلك لغة في كل واو مضمومة قالوا في وجوه: أجوه وفي وعد أعد، واختار هذه القراءة أبو عبيد؛ لموافقة الكتاب مع كثرة قرائها وهي أيضا موافقة لقوله: أجلت وثقل نافع والكسائي "فقدرنا"، وخفف الباقون لقوله: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} ، ووجه التثقيل: قوله: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أجمع على تشديده؛ أي: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} نحن عل تقديره وقيل: المخفف والمشدد بمعنى واحد وجمالات جمع جمالة وجمالة جمع جمل كجارة في جمع حجر، وقيل: جمالات جمع جمال كرجالات في جمع رجال، ووجه القراءتين ظاهر ومضى معنى شذا علا:
[1]آية: 31.
[2]سورة الدخان، آية: 40.


صفحه 718

من سورة النبأ إلى سورة العلق:
لا تعلق لما نظمه في سورة النبأ بما بعدهما، والنازعات وعبس متصلتان. وكذا التكوير والانفطار، وسورة المطففين منفردة، وكذا الانشقاق، ومن سورة البروج إلى العلق متصل، وفيها سور لم يذكر لها خلفا متجددا، كما سبق التنبيه عليه في سورة الجمعة، وهي: والطارق، والليل، والضحى، وألم نشرح، والتين، ولكنها لا تخلو من خلاف مر ذكره في الأصول وغيرها، والله أعلم.
1099-
وَقُلْ لابِثِينَ القَصْرُ "فَـ"ـاشٍ وقُلْ وَلا ... كِذَابًا بِتَخْفِيفِ الكِسَائِيِّ أَقْبَلا
أي: القصر فيه يريد: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} فلابثٌ ولبِثٌ من باب حاذر حذر وفارهٌ وفرِهٌ، وقد مضيا في سورة الشعراء، ومنه طامعٌ وطمِعٌ، وقال الزمخشري: اللبث أقوى؛ لأن اللابث من وجد منه اللبث ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه، وقال الفراء: أجود الوجهين بالألف؛ يعني: لأجل نصب ما بعده؛ لأن إعمال ما كان على وزن فاعل أكثر من إعمال فعل، أما "كذابا" بالتخفيف فمصدر كذب مثل كتب كتابا وبالتشديد مصدر كذب مثل كلم كلاما وفسر فسارا، وموضع الخلاف قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا} ؛ يعني: أهل الجنة جعلنا الله منهم لا يسمعون فيها كذبا ولا تكذيبا، وقيده الناظم بقوله: ولا؛ احترازا من النهي قبله: {وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا} فهو مجم على تشديده؛ لأن فعله معه وقال الزمخشري: فعال في باب فعل كله فاشٍ في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال: لقد فسرتها فِسارا ما سُمع بمثله.
1100-
وَفي رَفْعِ يَا رَبُّ السَّموَاتِ خَفْضُهُ ... "ذَ"لُولٌ وَفِى الرَّحْمنِ "نَا"مِيهِ "كَـ"ـمَّلا
أي: خفض الباء من "رب السموات" للكوفيين وابن عامر وحفص النون من "الرحمن" لعاصم وابن عامر فخفضهما على البدل من ربك، ويجوز في "الرحمن" أن يكون صفة أو عطف بيان ومن رفعهما كان على تقدير هو رب السموات الرحمن أو يكون "رب" مبتدأ "والرحمن" خبره أو "الرحمن" نعته أو عطف بيان له "ولا يملكون" خبره، ومن غاير بينهما وهو حمزة والكسائي خفضا باء "رب" على البدل ورفع "الرحمن" على الابتداء "ولا يملكون" خبره أو على تقدير هو الرحمن واستئناف لا يملكون وتقدير البيت وخفض الرفع في الرحمن ناقله كملا؛ لأنه كمل الخفض في الحرفين معا يقال نميت الحديث إذا بلغته والله أعلم.
1101-
وَنَاخِرَةً بِالْمَدِّ "صُحْبَتُـ"ـهُمْ وَفي ... تَزَكَّى تَصَدَّى الثَّانِ "حِرْمِيٌّ" اثْقَلا
نخزة وناخزة واحد؛ أي: بالية وفي قراءة القصر زيادة مبالغة وفي قراءة المد مؤاخاة رءوس الآي قبلها


صفحه 719

وبعدها، أما: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} ، وفي سورة عبس: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} ، فثقل الحرميان الحرف الثاني من الكلمتين وهما الزاي والصاد فهذا معنى قوله: الثاني؛ أي: ثاني حروفهما، والأصل تتزكى وتتصدى بتاءين فمن ثقل أدغم، ومن خفف حذف على ما سبق في: "تظاهرون" وتقدير حرمي أثقل الحرف الثاني في تزكى وتصدى فقوله: الثاني مفعول أثقلا والألف في أثقل يجوز أن تكون للإطلاق وأن تكون ضمير التثنية حملا على لفظ حرمي؛ فإنه مفرد، وعلى معناه لأن مدلوله اثنان، وألقى حركة همزة أثقلا على تنوين حرمي وحذف الياء من الثانِ ولم يفتحها وهو مفعول به ضرورة، وجاء لفظ الثاني منها ملبسا على المبتدئ يظن أن تصدى موضعان الخلاف في الثاني فيهما وإنما ذكر الثاني هنا كقوله: ءآلهة كوف يحقق ثانيا؛ أي: ثاني حروفه، ولأجل أن مراده أثقلا الحرف الثاني في هاتين الكلمتين عدل إلى حرف في عن أن يقول وأن تزكي على لفظ التلاوة والله أعلم.
1102-
فَتَنْفَعُهُ فِي رَفْعِهِ نَصْبُ عَاصِمٍ ... وَأَنَّا صَبَبْنا فَتْحُهُ "ثَـ"ـبْتُهُ تَلا
الرفع عطف على يذكروا والنصب على أنه جواب الترجي من: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} كما تقدم من: {فَاطَّلَعَ}[1]في سورة غافر. {أَنَّا صَبَبْنَا}[2]كسرة على الابتداء وفتحه على أنه بدل من طعامه؛ أي: فلينظر إلى أصل طعامه قال أبو علي: هو بدل اشتمال؛ لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه فهو على نحو: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}[3].
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}[4]بالنار.
{وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}[5]؛ لأن الذاكرة كالمشتمل على المذكور وقال: {إِلَى طَعَامِهِ} ، والمعنى إلى كونه وحدوثه وهو موضع الاعتبار، وأنا صببنا في البيت مبتدأ وثبته مبتدأ ثانٍ وفتحه مفعول تلا ومعنى ثبته؛ أي: ناقله وقارئه الثبت يقال: رجل ثبت بسكون الباء؛ أي: ثابت القلب ويقال هذا شيء ليس بثبت بفتح الباء؛ أي: ليس بحجة والله أعلم.
[1]آية: 6.
[2]آية: 37.
[3]سورة البقرة، آية: 217.
[4]سورة البروج، آية: 4.
[5]سورة الكهف، آية: 63.


صفحه 720

1103-
وَخَفَّفَ "حَقٌّ" سُجِّرَتْ ثِقْلُ نُشِّرْتْ ... "شَـ"ـرِيعَةُ "حَقٍّ" سُعِّرَتْ "عَـ"ـنْ "أُ"ولِى "مَـ"ـلا
التخفيف في هذه الكلمات الثلاثة والتشديد سبق لها نظائر، ولم يبين القراءة المرموزة في "سعرت" إحالة على ما نص عليه في الحرف قبلها وهو الثقل فهو مثل ما أحال: "سكرت" في أول الحجر على ما قبله وهو ورب خفيف، والملأ الأشراف والرؤساء يشير إلى أن هذه القراءة مأخوذة عن جماعة أصحاب شيوخ أكابر أخذوها عنهم.
1104-
وَظَا بِضَنِينٍ "حَـ"ـقُّ "رَ"اوٍ وَخَفَّ فِي ... فَعَدَّلَكَ للْكُوفِي وَ"حَقُّـ"ـكَ يَوْمُ لا
الأولى أن نكتب بضنين بالضاد لوجهين:
أحدهما: أنها هكذا كتبت في المصاحف الأئمة قال الشاطبي -رحمه الله- في قصيدة الرسم:
والضاد في بضنين تجمع البشر
والثاني: أن يكون قد لفظ بالقراءة الأخرى فإن الضاد والظاء ليسا في اصطلاحه ضدين.
فإن قلت: فكيف تصح حينئذ إضافة الظاء إلى هذا اللفظ وليس فيه ظاء؟
قلت: يصح ذلك من جهة أن هذا اللفظ يستحق هذا الحرف باعتبار القراءة الأخرى، ولهذا يجوز لك أن تقرأ قوله: في سورة النساء: "ويا سوف تؤتيهم" عزير بالنون ومعنى بظنين بالظاء من الظنة وهي التهمة؛ أي: ما هو بمتهم على ما لديه من علم الغيب الذي يأتيه من قبل الله تعالى ومعناه بالضاد ببخيل؛ أي: لا يبخل بشيء منه بل يبلغه كما أمر به؛ امتثالا لأمر الله تعالى وحرصا على نصح الأمة وعلى هذه القراءة بمعنى الباء وذلك ثابت لغة، وقد سبق في شرح قول: وليس على قرانه متأكلا، ويكون سبب العدول عن الباء إليها استقامة معناها على القراءتين أو كراهة؛ لتكرار الباء لو قيل: "بالغيب بضنين" وقال الفراء في تفسير بضنين: يقول يأتيه غيب السماء وهو منقوش فيه فلا يبخل به عليكم ولا يضن به عنكم، وقيل: المعنى إنه جامع لوصفين جليلين وهما الاطلاع على علم الغيب وعدم البخل كما تقول: هو على علمه شجاع؛ أي: جامع للوصفين، واختار أبو عبيد القراءة بالظاء وقال: إنهم لم يبخلوه فيحتاج إلى أنه ينفي عنه ذلك البخل إنما كان المشركون يكذبون به فأخبرهم الله تعالى أنه ليس بمتهم على الغيب، وجواب هذا أن يقال: وصفه الله تعالى بذلك؛ لحرصه على التبليغ وقيامه لما أمر به ولا يتوقف نفي البخل عنه على رميهم إياه به.
فإن قلت: إذا كانت الكتابة بالضاد فكيف ساغ مخالفتها إلى الظاء.
قلت: باعتبار النقل الصحيح كما قرأ أبو عمرو: "وقتت" بالواو مع أن أبا عبيد قد أجاب عن هذا فقال: ليس هذا بخلاف الكتاب؛ لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى قال فهذا قد يتشابه في خط المصحف ويتدانى، قال الشيخ: صدق أبو عبيد؛ فإن الخط القديم على ما وصف، وقال الزمخشري: هو في مصحف عبد الله بالطاء وفي مصحف أبي بالضاد وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بهما وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب ومعرفة مخرجيهما مما لا بد


صفحه 721

منه للقارئ فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين فإن فرقوا ففرقا غير صواب وبينهما بون بعيد ثم ذكر مخرجيهما على ما سيأتي بيانه في باب مخارج الحروف، ثم قال: ولو استوى الحرفان لما ثبت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان ولا اختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب قلت: وقد صنفت مصنفات في الفرق بين الضاد والظاء مطلقا وحصرت كلمات الحرفين، ونظم جماعة من شيوخ القراءة ما في القرآن العظيم من الظاءات فيعلم بذلك أن ما عدا ما نظموه يكون بالضاد وقد ذكرت في ذلك فصلا بديعا في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة عبد الرزاق بن علي في حرف العين وقوله: فعدلك بالتخفيف؛ أي: عدل بعضك ببعض فكنت معتدل الخلقة متناسبها فلا تفاوت فيها، قال عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:
وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ
وبالتشديد معناه قومك وحسنك وجعلك معتدلا فهما متقاربان ومعنى البيت خف الكوفي في قراءة فعدلك بالتخفيف ثم قال وحقك: "يوم لا"؛ يعني: رفع: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ} ؛ لأنه بدل من يوم الذي قبله أو على تقدير هو يوم لا تملك والنصب على تقدير تدانون؛ أي: تجازون يوم كذا؛ لأن لفظ الدين بدل عليه أو بإضمار أعني أو على تقدير اذكر وقيل: بدل من: {يَوْمِ الدِّينِ} الذي بعد: {يَْلَوْنَهَا} وقيل: ومبنى لإضافته إلى "لا" كما تقدم في مثل ما فيجوز على هذا أن تكون على ما تقدم من وجهي الرفع ووجوه النصب قال الشيخ وقوله: وحقك يوم لا أضاف يوم إلى لا؛ لأن اليوم مصاحب لها.
قلت لا حاجة إلى هذا الاعتذار فإنه حكاية لفظ القرآن وقيدها بذلك؛ احترازا من ثلاثة قبلها مضافة إلى الدين
1105-
وَفِي فَاكهِينَ اقْصُرْ "عُـ"ـلًا وَخِتامُهُ ... بِفَتْحٍ وَقَدِّمْ مَدَّهُ "رَ"اشِدًا وَلا
فاكهين وفكهين واحد المد والقصر كما سبق في لابثين ولبثين وفارهين وفرهين؛ أي: انقلبوا معجبين متنعمين متلذذين فرحين.
وأما: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} فقرأه الكسائي بفتح الخاء وقدم الألف على التاء فصار خاتمه كما قرأ عاصم {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} قال الفراء: الخاتمة والختام متقاربان في المعنى إلا أن الخاتم الاسم والختام المصدر قال أبو علي: خاتمه آخره وختامه عاقبته والمراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها مع طيب الطعم وعن سعيد بن جبير ختامه آخر طعمه، وقوله: ولا بفتح الواو؛ أي: ذا ولاء؛ أي: نصر لهذه القراءة؛ لأن أبا عبيد كرهها، وقال: حجة الكسائي فيها حديث كان يرويه عن علي ولو ثبت عن علي لكان فيها حجة، ولكنه عندنا لا يصح عنه قلت: قد أسند الفراء في كتاب المعاني عن علي وعلقمة فقال: حدثني محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي أنه قرأ: "خاتمه مسك"، قال: وحدثنا أبو الأحوص عن أشهب بن أبي الشعثاء المحاربي قال: قرأ علقمة بن قيس: "خاتمه مسك"، وقال: أما رأيت المرأة تقول للعطار اجعل لي خاتمه مسكا تريد آخره وتفسيره أن الشارب يجد آخر كأسه ريح المسك والله أعلم.