مازال يوصي بهم حتى ظنّنا أنه سيورّثهم»[١].
وقد كتب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمكتابا بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل المدينة : «إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه»[٢].
وقد جعل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمإكرام الجار من علامات الايمان فقال : «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم جاره»[٣].
واستعاذصلىاللهعليهوآلهوسلممن جار السوء الذي أطبقت الانانية على مشاعره ومواقفه فقال : «اعوذ باللّه من جار السوء في دار إقامة ، تراك عيناه ويرعاك قلبه ، إن رآك بخير ساءه ، وإن رآك بشر سرّه[٤]».
حسن الجوار :
إنّ حسن الجوار من الأوامر الالهية ، كما قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «عليكم بحسن الجوار ، فإنّ اللّه عزَّ وجلَّ أمر بذلك[٥]».
وحسن الجوار ليس كف الأذى فحسب ، وإنّما هو الصبر على الأذى من أجل إدامة العلاقات ، وعدم حدوث القطيعة ، قال الإمام موسى الكاظمعليهالسلام: «ليس حسن الجوار كف الأذى ، ولكن حسن الجوار الصبر
[١]نهج البلاغة : ٤٢٢ ، كتاب : ٤٧.[٢]الكافي ٢ : ٦٦٦.[٣]المحجة البيضاء ٣ : ٤٢٢.[٤]الكافي ٢ : ٦٦٩.[٥]بحار الانوار ٧٤ : ١٥٠.
على الأذى»[١].
ودعاصلىاللهعليهوآلهوسلمإلى تفقد أحوال الجيران وتفقّد حاجاتهم ، فقال : «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع»[٢].
وحثّ الإمام جعفر الصادقعليهالسلامعلى حسن الجوار لما فيه من تأثيرات إيجابية واقعية تعود بالنفع على المحسن لجاره ، فقال : «حسن الجوار يعمّر الديار ، ويزيد في الأعمار»[٣].
وقد أمرصلىاللهعليهوآلهوسلمعليّاعليهالسلاموسلمان وأبا ذر والمقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه «لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه» ، فنادوا بها ثلاثا ، ثم أومأ بيده إلى كلّ أربعين دارا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله»[٤].
والاعتداء على الجار موجب للحرمان من الجنة ، كما ورد عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمأنّه قال : «من كان مؤذيا لجاره من غير حقّ ، حرمه اللّه ريح الجنة، ومأواه النار ، ألا وإن اللّه عزَّ وجلَّ يسأل الرجل عن حق جاره ، ومن ضيّع حق جاره فليس منّا»[٥].
ومن يطّلع على بيت جاره ويتطلّب عوراته يحشر مع المنافقين يوم القيامة ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ومن اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة
[١]تحف العقول : ٣٠٦.[٢]جامع السعادات ٢ : ٢٦٨.[٣]الكافي ٢ : ٦٦٧.[٤]الكافي ٢ : ٦٦٦.[٥]بحار الانوار ٧٦ : ٣٦٢.
رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها ، كان حقا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتبعون عورات الناس في الدنيا ، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه اللّه ويبدي عورته للناس في الآخرة»[١].
ويحرم الاعتداء على ممتلكات الجار، ومن اعتدى فالنار مصيره ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ومن خان جاره شبرا من الأرض طوقه اللّه يوم القيامة إلى سبع أرضين نارا حتى يدخله نار جهنّم»[٢].
وأمرصلىاللهعليهوآلهوسلمبالتكافل الاجتماعي والنظر إلى حوائج الجار والعمل على إشباعها فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ومن منع الماعون من جاره إذا احتاج إليه منعه اللّه فضله يوم القيامة ، ووكله إلى نفسه ، ومن وكله اللّه إلى نفسه هلك ، ولا يقبل اللّه عزَّ وجلَّ له عذرا»[٣].
حق الجار في رسالة الحقوق :
وضع الإمام علي بن الحسينعليهالسلامفي رسالة الحقوق منهجا شاملاً للتعامل مع الجيران ، متكاملاً في أُسسه وقواعده ، مؤكدا فيه على تعميق أواصر الاخوة ، مجسدا فيه السير طبقا لمكارم الأخلاق التي بعث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلممن أجل إتمامها ، فقالعليهالسلام: «وأمّا حق الجار فحفظه غائبا ، وكرامته شاهدا ، ونصرته ومعونته في الحالين معا ، لا تتبع له عورة ، ولا تبحث له عن سوءة لتعرفها ، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلف ، كنت لما علمت حصنا حصينا وسترا ستيرا ، لو بحثت الأسنة
[١]بحار الانوار ٧٦ : ٣٦١.[٢]بحار الانوار ٧٦ : ٣٦١.[٣]بحار الأنوار ٧٦ : ٣٦٣.
عنه ضميرا لم تتصل إليه لانطوائه عليه.
لا تستمع عليه من حيث لا يعلم ، لا تسلمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة.
تقبل عثرته ، وتغفر زلته ، ولا تدّخر حلمك عنه إذا جهل عليك ولا تخرج أن تكون سلما له ترد عنه لسان الشتيمة ، وتبطل فيه كيد حامل النميمة ، وتعاشره معاشرة كريمة ، ولا قوة إلاّ باللّه»[١].
ثالثا : حقوق المجتمع
الإسلام ليس منهج اعتقاد وايمان وشعور في القلب فحسب ، بل هو منهج حياة إنسانية واقعية ، يتحول فيها الاعتقاد والايمان إلى ممارسة سلوكية في جميع جوانب الحياة لتقوم العلاقات على التراحم والتكافل والتناصح ، فتكون الأمانة والسماحة والمودة والاحسان والعدل والنخوة هي القاعدة الأساسية التي تنبثق منها العلاقات الاجتماعية.
وقد جعل الإسلام كل مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعية ، يمارس دوره الاجتماعي البنّاء من موقعه ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»[٢].
ودعاصلىاللهعليهوآلهوسلمإلى الاهتمام باُمور المسلمين ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم ، فقال : «من أصبح لا يهتم باُمور المسلمين فليس بمسلم»[٣].
[١]تحف العقول : ١٩١.[٢]جامع الاخبار : ٣٢٧.[٣]الكافي ٢ : ١٦٣.
ودعا الإمام الصادقعليهالسلامإلى الالتصاق والاندكاك بجماعة المسلمين فقال : «من فارق جماعة المسلمين قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه[١]».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر»[٢].
وأمر الإمام الصادقعليهالسلامبالتواصل والتراحم والتعاطف بين المسلمين ، وذلك هو أساس العلاقات بينهم ، فقال : «تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا»[٣].
ودعا الإمام عليعليهالسلامإلى استخدام الأساليب المؤدية إلى الاُلفة والمحبة ، ونبذ الأساليب المؤدية إلى التقاطع والتباغض ، فقال : «لا تغضبوا ولا تُغضبوا افشوا السلام وأطيبوا الكلام»[٤].
والاُسرة بجميع أفرادها مسؤولة عن تعميق أواصر الود والمحبة والوئام مع المجتمع الذي تعيش فيه ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بالمداومة على حسن الخلق والمعاشرة الحسنة ، وممارسة أعمال الخير والصلاح ، وتجنب جميع ألوان الاساءة والاعتداء في القول والفعل.
ولذا وضع الإسلام منهاجا متكاملاً في العلاقات قائما على أساس مراعاة حقوق أفراد المجتمع فردا فردا وجماعة جماعة ، وتتمثل هذه
[١]الكافي ١ : ٤٠٥.[٢]المحجة البيضاء ٣ : ٣٥٧.[٣]الكافي ٥ : ١٧٥.[٤]تحف العقول : ١٤٠.
الحقوق العامّة في :
(حقّ الاعتقاد ، وحقّ التفكير وإبداء الرأي ، وحق الحياة ، وحق الكرامة ، وحق الأمن ، وحق المساواة ، وحق التملك) وتنطلق بقية الحقوق من هذه القواعد الكلية ، لتكون مصداقا لها في الواقع العملي.
والالتزام بالاوامر الالهية كفيل باحقاق حقوق المجتمع ، ومن الأوامر الالهية الجامعة لجميع الحقوق قوله تعالى : «إنّ اللّه يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وايتاء ذي القُربى ويَنهى عَنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ والبَغي يَعِظُكم لَعلَّكُم تَذَكَّرونَ»[١].
فالتقيد بهذا الأمر الالهي يعصم الإنسان من التقصير في حقوق المجتمع ، ويدفعه للعمل الجاد الدؤوب لتحقيق حقوق الآخرين وأداء مسؤوليته على أحسن وجه أراده اللّه تعالى منه.
حقوق المجتمع في القرآن الكريم :
القرآن الكريم دستور البشرية الخالد ، يمتاز بالشمول والاحاطة الكاملة بجميع شؤون الحياة ، وقد وضع أُسسا عامة في علاقة الفرد بالمجتمع ، ووضع لكلِّ طرف حقوقه وواجباته للنهوض من أجل إتمام مكارم الأخلاق ، وإشاعة الود والحب والوئام في ربوع المجتمع الإنساني ، وفيما يلي نستعرض جملة من حقوق المجتمع على الفرد والاُسرة ، الخلية الاجتماعية الاُولى ، وأهم تلك الحقوق هو التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الاثم والعدوان قال تعالى : «وَتَعَاونوا على البرِّ
[١]سورة النحل : ١٦ / ٩٠.
والتَقوى ولا تَعاونُوا على الإثمِ والعُدوانِ»[١].
وأمر القرآن الكريم بالاحسان إلى أفراد المجتمع : «واعبُدُوا اللّه ولا تُشرِكُوا بهِ شَيئا وبِالوالدينِ إحسانا وبذي القُربى واليتَامى والمسَاكينِ والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُبِ والصَّاحبِ بالجنبِ وابنِ السبيلِ وما مَلكَت أيمانُكُم»[٢].
وأقرّ القرآن حق النصرة :« وإن استَنصرُوكُم في الدِّينِ فَعَليكُمُ النَّصرُ ... »[٣].
وأمر بالاعتصام بحبل اللّه وعدم التفرّق : «واعتَصِموا بِحبلِ اللّه جَميعا ولا تَفَرَّقُوا»[٤].
وأمر بالسعي للاصلاح بين المؤمنين : «إنّما المؤمِنُونَ إخوةٌ فاصلِحُوا بينَ أخوَيكُم واتقُوا اللّه لَعلّكُم تُرحَمُونَ»[٥].
وأمر بالعفو والمسامحة : «خُذِ العَفو وأمُر بالعُرفِ وأعرِض عَن الجَاهِلينَ»[٦].
وأمر بالوفاء بالعقود : «يَا أيُّها الذِينَ آمنُوا أوفُوا بالعُقُودِ»[٧].
[١]سورة المائدة : ٥ / ٢.[٢]سورة النساء : ٤ / ٣٦.[٣]سورة الانفال : ٨ / ٧٢.[٤]سورة آل عمران : ٣ / ١٠٣.[٥]سورة الحجرات : ٤٩ / ١٠.[٦]سورة الاعراف : ٧ / ١٩٩.[٧]سورة المائدة : ٥ / ١.
وأمر باداء الامانة : «إنّ اللّه يأمُرُكُم أن تُؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِهَا»[١].
وأمر باداء حق الفقراء والمساكين وابن السبيل وعدم تبديد الثروة بالتبذير والاسراف «واتِ ذا القُربى حقّهُ والمسكِينَ وابن السّبيلِ ولاتُبذّر تبذيراً»[٢].
وقال أيضاً : «وفي أموالِهم حقٌ لِلسّائِلِ والمحرُومِ»[٣].
ومن أجل إشاعة مكارم الأخلاق ، والسير على النهج القويم ، أمر القرآن بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر : «وَتَواصوا بِالحقِّ وتَواصَوا بالصّبرِ»[٤].
ومن حقوق المجتمع على الفرد أن يقوم بواجب الاصلاح والتغيير للحفاظ على سلامة المجتمع من الانحراف العقائدي والاجتماعي والأخلاقي ، وأن يقابل الاساءة والمصائب التي تواجهه بصبر وثبات ، فمن وصية لقمان لابنه : «يا بُنيّ أقِم الصَّلاةَ وأمُر بالمعرُوفِ وانه عَنِ المنكَرِ واصبِر على ما أصابَكَ إنَّ ذلكَ مِن عزمِ الاُمُورِ»[٥].
ونهى القرآن الكريم عن الاعتداء على الآخرين ، بالظلم والقتل وغصب الأموال والممتلكات والاعتداء على الأعراض : «ولا تَعتدُوا إنَّ
[١]سورة النساء : ٤ / ٥٨.[٢]سورة الاسراء : ١٧ / ٢٦.[٣]سورة الذاريات : ٥١ / ١٩.[٤]سورة العصر : ١٠٣ / ٣.[٥]سورة لقمان : ٣١ / ١٧.