تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الذينَ آمنُوا لَهُم عذابٌ أليمٌ ...»[١].
وحرّم ارتكاب الفواحش الظاهرية والباطنية : «ولا تَقربُوا الفواحِشَ ما ظَهرَ مِنها وما بَطنَ»[٢].
وهكذا يوفر القرآن في هذه اللائحة الطويلة والعريضة ، ما يضمن توفير الحصانة للمجتمع البشري ، وهو يضع النظام الدقيق والشامل ، من أحكام وقيم أخلاقية ، ليكون الامان والتآلف والتعايش والتكافل معالم أصيلة في الحياة الاجتماعية.
ثم تأتي السُنّة الشريفة متمّمة لهذا المنهاج ومفصلة له :
حقوق المجتمع في الأحاديث الشريفة :
أكدّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل بيتهعليهمالسلامعلى التآزر والتعاون والتواصل والتحابب ليكون الود والوئام والسلام هو الحاكم في العلاقات الاجتماعية بين الفرد والمجتمع وبين الأفراد أنفسهم ، فلا يطغى حق الفرد على حق المجتمع ، ولا حق المجتمع على حق الفرد ، ونهوا عن تبادل النظرة السلبية كحد أدنى في الحقوق المترتبة على الفرد اتجاه المجتمع ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا يحل لمسلم أن ينظر إلى أخيه بنظرة تؤذيه»[٣].
وعدم جواز النظرة السلبية يعني عدم جواز سائر مظاهر الأذى ومصاديقه في القول وفي الممارسة العملية ، فلا تجوز الغيبة ولا البهتان
[١]سورة النور : ٢٤ / ١٩.[٢]سورة الانعام : ٦ / ١٥١.[٣]المحجة البيضاء ٣ : ٣٥٩.
ولا الاعتداء على أموال الآخرين وأعراضهم وأرواحهم ، بل يجب صيانة حرماتهم بجميع مظاهرها.
وحثّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى مداراة الآخرين والرفق بهم ، والالتزام بهذه التوصيات من شأنه أن يؤدي إلى مراعاة جميع الحقوق الاجتماعية لانبثاقها منها وتفرعها عليها ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «مداراة الناس نصف الايمان ، والرفق بهم نصف العيش[١].
ومن أحب الأعمال إلى اللّه تعالى والواقعة في أُفق مراعاة الحقوق الاجتماعية هي ادخال السرور على المؤمنين ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه عزَّ وجلَّ إدخال السرور على المؤمنين»[٢].
وإدخال السرور يتحقق باسماعهم الكلمة الطيبة والقول الجميل ، واحترامهم ، والتعاون في حلِّ مشاكلهم ، ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم ، وأفراحهم وأحزانهم ، والدفاع عن أموالهم وأعراضهم وأنفسهم ، ورفع الأذى عنهم ، ونصرتهم للقيام بمواجهة أعباء الحياة.
وحدّد الإمام جعفر الصادقعليهالسلامسبعة من الحقوق تكون مصداقا لادخال السرور على المؤمنين من أفراد المجتمع الكبير ، عن معلّى بن خنيس ، عن الصادقعليهالسلامقال : قلت له : ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال له : «سبع حقوق واجبات ما منهنَّ حقّ إلاّ وهو عليه واجب ، إن ضيّع منها شيئا خرج من ولاية اللّه وطاعته ، ولم يكن للّه فيه من نصيب ...
[١]الكافي ٢ : ١١٧.[٢]الكافي ٢ : ١٨٩.
أيسر حقّ منها : أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك ، وتكره له ما تكره لنفسك.
ومنها : أن تجتنب سخطه ، وتتّبع مرضاته ، وتطيع أمره.
ومنها : أن لا تشبع ويجوع ، ولا تروي ويظمأ ، ولا تلبس ويعرى.
ومنها : أن تبرّ قسمه ، وتجيب دعوته ، وتعود مريضه ، وتشهد جنازته ، وإذا علمت أنَّ له حاجة تبادره إلى قضائها ، ولا تلجئه أن يسألكها ، ولكن تبادره مبادرة ، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته ، وولايته بولايتك[١].
وفي رواية أُخرى ذكرعليهالسلامجملة من الحقوق فقال : « إنَّ من حقّ المؤمن على المؤمن : المودة له في صدره ، والمواساة له في ماله ، والخلف له في أهله ، والنصرة له على من ظلمه ، وان كان نافلة في المسلمين وكان غائبا أخذ له بنصيبه ، وإذا مات الزيارة في قبره ، وأن لا يظلمه ، وأن لا يغشه ، وأن لا يخونه ، وأن لا يخذله ، وأن لا يكذب عليه ، وأن لا يقول له أفّ .. »[٢].
ومن الحقوق أن يناصح المؤمن غيره من المؤمنين ، قال الامام الصادقعليهالسلام: «يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه»[٣].
ومن الحقوق : صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وحسن الخلق ، والقرب من الناس ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «أقربكم مني غدا في
[١]الكافي ٢ : ١٦٩.[٢]الكافي ٢ : ١٧١.[٣]الكافي ٢ : ٢٠٨.
الموقف أصدقكم للحديث ، وآداكم للأمانة ، وأوفاكم بالعهد ، وأحسنكم خلقا ، وأقربكم من الناس»[١].
ومن الحقوق تحكيم الأواصر المشتركة في العلاقات ، والتعامل من خلال الاُفق الواسع الذي يجمع الجميع في أُطر ونقاط مشتركة ، ونبذ جميع الأواصر الضيقة ، فحرّم الإسلام التعصب للعشيرة أو القومية ، ودعا إلى إزالة جميع المظاهر التي تؤدي إلى التعصب المقيت ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ليس منّا من دعا إلى عصبية ، وليس منّا من قاتل على عصبية ، وليس منّا من مات على عصبية»[٢].
ومن أهم الحقوق إصلاح ذات البين ؛ لأنّه يؤدي إلى علاج كثير من الممارسات السلبية التي تفكّك أواصر الأخاء وتستأصل الوئام في أجوائه ، لذا قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»[٣].
حقوق المجتمع في رسالة الحقوق :
وضع الإمام علي بن الحسينعليهالسلامفي رسالة الحقوق منهجا متكاملاً في خصوص الحقوق الاجتماعية المترتبة على الفرد باعتباره جزءا من الاُسرة ومن المجتمع ، ومما ورد في قولهعليهالسلام: «وأمّا حق أهل ملتك عامة : فاضمار السلامة ، ونشر جناح الرحمة ، والرفق بمسيئهم ، وتألّفهم ، واستصلاحهم ، وشكر محسنهم إلى نفسه واليك ، فإن إحسانه إلى نفسه
[١]تحف العقول : ٣٢.[٢]كنز العمال ٣ : ٥١٠ / ٧٦٥٧.[٣]ثواب الاعمال : ١٧٨.
إحسانه إليك إذا كفّ عنك أذاه وكفاك مؤونته ، وحبس عنك نفسه ، فعمهم جميعا بدعوتك ، وانصرهم جميعا بنصرتك.
وأنزلهم جميعا منك منازلهم ؛ كبيرهم بمنزلة الوالد ، وصغيرهم بمنزلة الولد ، وأوسطهم بمنزلة الأخ ، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة ، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه.
وأمّا حق أهل الذمّة ، فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل اللّه ، وتفي بما جعل اللّه لهم من ذمته وعهده ، وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم وأُجيروا عليه ، وتحكم فيهم بما حكم اللّه به على نفسك فيما جرى بينك وبينهم من معاملة ، وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة اللّه والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل ، فإنّه بلغنا أنّه قال : من ظلم معاهدا كنت خصمه»[١].
الآثار الايجابية لمراعاة حقوق المجتمع :
فيما يلي نستعرض بعض الروايات التي وردت في ثواب من راعى حقوق أفراد المجتمع.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «من ردّ عن عرض أخيه المسلم وجبت له الجنة ألبتة»[٢].
وقال الإمام محمد الباقرعليهالسلام: «من كفّ عن أعراض الناس كفّ اللّه عنه عذاب يوم القيامة، ومن كفّ غضبه عن الناس أقاله اللّه نفسه يوم
[١]تحف العقول : ١٩٥ ـ ١٩٦.[٢]ثواب الأعمال / الصدوق : ١٧٥ ، مكتبة الصدوق ، طهران ١٣٩١ هـ.
القيامة»[١].
وقال الامام الباقرعليهالسلام: «أربع من كنّ فيه بنى اللّه له بيتا في الجنّة : من آوى اليتيم ، ورحم الضعيف ، وأشفق على والديه ، ورفق بمملوكه»[٢].
وقال الإمام علي بن الحسينعليهالسلام: «من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمنا من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم ، ومن كسا مؤمنا كساه اللّه من الثياب الخضر»[٣].
وقال الإمام الباقرعليهالسلام: «البر والصدقة ينفيان الفقر ، ويزيدان في العمر ، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء»[٤].
ولمراعاة الحقوق الاجتماعية مزيد من الآثار الايجابية التي تنعكس على الفرد والاُسرة والمجتمع في دار الدنيا والآخرة ، وردت في كتب الحديث ، سيّما في كتاب (ثواب الأعمال) للشيخ الصدوق ، لا مجال لذكرها جميعا في هذا المختصر.
[١]ثواب الأعمال : ١٦١.[٢]ثواب الأعمال : ١٦١.[٣]ثواب الاعمال : ١٦٤.[٤]ثواب الاعمال : ١٦٩.
الفصل السادسأحكام العلاقة بين الجنسين
سنكرس البحث في هذا الفصل عن أحكام العلاقات بين الرجل والمرأة، والتي ينبغي أن تكون منسجمة مع أُسس وقواعد المنهج الإسلامي، الذي رسم لها هدفا بيّنا ، وحدّد لها طريقا معلوما ، فلم يتركها للنزوة العارضة والرغبة الغامضة ، والفلتة التي لا تستند إلى موازين ثابتة ، بل أراد لها أن تكون على مستوى الأمانة العظيمة التي أناطها اللّه تعالى ببني الإنسان ، فقد جعلها علاقة سكن للنفس وطمأنينة للروح وراحة للجسد ، ثم سترا وإحصانا وصيانة ، ثم مزرعة للنسل وامتدادا للحب والودّ.
فقد تعامل مع الجنسين على أساس الفطرة مراعيا الحاجات المادية والروحية بلا إفراط ولا تفريط ، فحرّم جميع مظاهر وألوان العلاقات المخالفة للنزاهة والعفّة ، والمؤدية إلى الانحراف والانزلاق والشذوذ ، لكي يأخذ الجنسان نصيبهما في إصلاح النفس والاُسرة والمجتمع.
وقد جعلنا هذا الفصل ضمن آداب الاُسرة لأنّ الغالب في عصرنا
الحاضر ابتلاء الاُسر بمثل هذه الأحكام.
أحكام النظر :
النظر إلى الجنس الآخر من قبل أحد الجنسين تترتب عليه آثار عملية عديدة ، ومواقف سلوكية متباينة ، قد تؤدي إلى إثارة الشهوة والوقوع في الفتنة.
قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة»[١].
والنظر يؤدي في أغلب الأحيان إلى الوقوع في شباك إبليس فتعقب صاحبها الندامة والحسرة ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة»[٢].
والنظر قد يكون مقصودا وبشهوة فيكون إحدى مقدمات الزنا ، قال الامامان محمد الباقر وجعفر الصادقعليهمالسلام: «ما من أحد إلاّ وهو يصيب حظّا من الزنا ، فزنا العينين النظر ، وزنا الفم القبلة ، وزنا اليدين اللّمس ، صدّق الفرج ذلك أم كذّب»[٣].
ولأجل الحفاظ على المجتمع من الانحراف والابتذال والسقوط دعا الإسلام المؤمنين والمؤمنات إلى غض البصر وتجنب النظر إلى الجنس الآخر ، قال تعالى : «قُلْ لِلمؤمِنينَ يَغُضُّوا من أبصَارِهِم ويَحفظُوا فُرُوجَهم
[١]من لا يحضره الفقيه / الصدوق ٤ : ١٨ / ٤٩٧٠ ، جماعة المدرسين ، ط٢ ، قم ١٤٠٤ هـ.[٢]الكافي / الكليني ٥ : ٥٥٩ ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ١٤٠٣ هـ.[٣]الكافي ٥ : ٥٥٩.