الاُسرة اصطلاحا :
هي رابطة الزواج التي تصحبها ذُرّية[١].
وهي : رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما ، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا في معيشة واحدة[٢].
استحباب النكاح وأهميته :
النكاح هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الاُسرة ، وهو الارتباط المشروع بين الرجل والمرأة ، وهو طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض ، وهو باب التواصل وسبب الأُلفة والمحبة ، والمعونة على العفّة والفضيلة ، فبه يتحصّن الجنسان من جميع ألوان الاضطراب النفسي ، والانحراف الجنسي ، ومن هنا كان استحبابه استحبابا مؤكدّا ، قال تعالى : «وأنكحوا الأيامى مِنكُم والصالِحينَ من عِبادِكُم وإمائِكُم إن يكونُوا فُقراء يُغنِهم اللّه مِن فَضلهِ واللّه واسعٌ عليمٌ»[٣].
ووردت روايات عديدة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل بيتهعليهمالسلامتؤكد هذا الاستحباب ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام: «تزوجوا فإن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمقال : من أحبَّ أن يتبع سنتي فإنَّ من سنتي التزويج»[٤].
وللزواج تأثيرات إيجابية على الرجل والمرأة وعلى المجتمع ، فهو الوسيلة للانجاب وتكثير النسل ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تناكحوا تكثّروا ، فإنّي أُباهي
[١]علم الاجتماع / محمد عاطف : ٩٢.[٢]الاُسرة والمجتمع / علي عبدالواحد وافي : ١٥.[٣]سورة النور : ٢٤ / ٣٢.[٤]الكافي ٥ : ٣٢٩.
بكم الاُمم ، حتى بالسقط»[١].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً ، لعلَّ اللّه أن يرزقه نسمة ، تثقل الأرض بلا إله إلاّ اللّه»[٢].
وهو ضمان لاحراز نصف الدين ، لأنّه الحصن الواقي من جميع ألوان الانحراف والاضطراب العقلي والنفسي والعاطفي ، فهو يقي الإنسان من الرذيلة والخطيئة ، ويخلق أجواء الاستقرار في العقل والقلب والارادة ، لينطلق الإنسان متعاليا عن قيود الأهواء والشهوات التي تكبّله وتشغله عن أداء دوره في الحياة وفي ارتقائه الروحي واسهامه في تحقيق الهدف الذي خُلق من أجله ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «من تزوج أحرز نصف دينه ، فليتق اللّه في النصف الباقي»[٣].
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام: «ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما الأعزب»[٤].
وعليه فإنّ استحباب النكاح موضع اتفاق بين المسلمين[٥].
ولأهمية النكاح جعله رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي المرتبة الثانية من مراتب الفوائد المعنوية ، حيث قال : «ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها
[١]كتاب السرائر ٢ : ٥١٨.[٢]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٢.[٣]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٣.[٤]تهذيب الاحكام ٧ : ٢٣٩ / ١ كتاب النكاح باب ٢٢.[٥]كتاب السرائر ٢ : ٥١٨. وجامع المقاصد ١٢ : ٨.
في نفسها وماله»[١].
وهو باب من أبواب الرزق بأسبابه الطبيعية المقرونة بالرعاية الالهية ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «اتخذوا الأهل ، فإنّه أرزق لكم»[٢].
كراهية العزوبة :
حكم الإسلام بكراهية العزوبة ؛ لأنّها تؤدي إلى خلق الاضطراب العقلي والنفسي والسلوكي الناجم عن كبت الرغبات وقمع المشاعر ، وتعطيل الحاجات الأساسية في الإنسان ، سيّما الحاجة إلى الاشباع العاطفي والجنسي ، والعزوبة تعطيل لسنة من سنن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمالذي قال : «من سنتي التزويج ، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[٣].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ أراذل موتاكم العزاب»[٤]، وفي رواية : «شرار موتاكم العزاب»[٥].
وقد أثبت الواقع أن العزاب أكثر عرضةً للانحراف من المتزوجين ، فالمتزوج اضافة إلى إشباع حاجاته الأساسية ، فإنّ ارتباطه بزوجة وأُسرة يقيّده بقيود تمنعه عن كثير من الممارسات السلبية ، حفاظا على سمعة أُسرته وسلامتها ، مما يجعله أكثر صلاحا وأداءً لمسؤوليته الفردية والاجتماعية.
[١]تهذيب الاحكام ٧ : ٢٤٠ / ٤ كتاب النكاح باب ٢٢.[٢]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٣.[٣]مستدرك الوسائل ١٤ : ١٥٢.[٤]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٤.[٥]جامع المقاصد ١٢: ٩. والمقنعة : ٤٩٧.
وتزداد الكراهية حينما يعزب الإنسان عن الزواج مخافة الفقر، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «من ترك التزويج مخافة الفقر ، فقد أساء الظنّ باللّه عزَّ وجلَّ»[١].
ومن الحلول الوقتية التي سنّها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمللتخفيف من وطأة العزوبية أن أمر الشباب أمرا ارشاديا بالالتجاء إلى الصوم ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباه فليتزوّج ، ومن لم يستطع فَليُدمِنِ الصوم ، فإنّ الصوم له وجاء»[٢].
هذا الحديث يجعل الزواج في مقابل الصوم كأحد الوسائل الرادعة لجميع أسباب الانحراف وتأثيراتها السلبية. فبالصوم يستطيع الشاب أن يهذب غرائزه ، ويخفف من تأثيراتها السلبية ، النفسية والعاطفية والسلوكية دون قمع أو كبت ، إضافة إلى إدامة العلاقة مع اللّه تعالى التي تمنعه من كثير من ألوان الانحراف والانزلاق النفسي والسلوكي ، وبالزواج أيضا يستطيع أن يحقق عين الآثار المتمثلة بتهذيب السلوك ومقاومة أسباب الانحراف.
استحباب السعي في النكاح :
حث الإسلام على السعي في النكاح ، والمساهمة في الترويج له وإقراره في الواقع بالجمع بين رجل وامرأة لتكوين اُسرة مسلمة، فمن يسعى فيه يعوضه اللّه تعالى عن سعيه في الآخرة ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: « ... ومن عمل
[١]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٥.[٢]المقنعة : ٤٩٧.
في تزويج بين مؤمنين حتى يجمع بينهما زوّجه اللّه عزَّ وجلَّ ألف امرأة من الحور العين .. »[١].
قال الإمام الصادقعليهالسلام: «أربعة ينظر اللّه إليهم يوم القيامة : من أقال نادما ، أو أغاث لهفان ، أو أعتق نسمة ، أو زوّج عزبا»[٢].
وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام: «ثلاثة يستظلون بظل عرش اللّه يوم القيامة يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه : رجل زوّج أخاه المسلم ، أو أخدمه ، أو كتم له سرّا»[٣].
وجعله الإمام عليعليهالسلاممن أفضل الشفاعات فقال : «أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتى يجمع اللّه بينهما»[٤].
والروايات المتقدمة تحثّ الناس إلى السعي في الجمع بين الرجل والمرأة لتكوين أسرة مسلمة ، فيستحب جميع ما يؤدي إلى ذلك ، من السعي في الخطبة ، أو بذل المال لتوفير مستلزمات الزواج أو التشجيع عليه أو غير ذلك.
استحباب الدعاء للنكاح :
الدعاء بنفسه من العبادات المستحبة ، لذا حثّ الإسلام عليه في سائر شؤون الإنسان ، ومن بينها النكاح ، لتكون جميع أعمال الانسان متجهة إلى اللّه تعالى في سيرها ، طلبا لمرضاته.
[١]وسائل الشيعة ٢٠ : ٤٦.[٢]وسائل الشيعة ٢٠ : ٤٦.[٣]وسائل الشيعة ٢٠ : ٤٥.[٤]الكافي ٥ : ٣٣١.
وقد أكدت الروايات على استحباب الدعاء لمن أراد النكاح ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «فإذا همّ بذلك فليصلِّ ركعتين ويحمد اللّه ، ويقول : اللهمّ إني أُريد أن أتزوج ، اللهمّ فاقدر لي من النساء أعفهنَّ فرجا ، وأحفظهنَّ لي في نفسها وفي مالي ، وأوسعهنَّ رزقا ، وأعظمهنَّ بركة ، وأقدر لي منها ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا في حياتي وبعد موتي»[١].
واللّه تعالى يجيب الإنسان إذا دعاه بقلب مخلص ونيّة صالحة ، كما تظافرت على ذلك الآيات والروايات ، وهو نعم العون في اختيار صالح الأعمال لعبده المؤمن المخلص ، وخصوصا في مثل هذه القضية المهمة التي تكون مقدمة لسعادته في الدنيا والآخرة.
اختيار الزوجة :
العلاقة الزوجية ليست علاقة طارئة أو صداقة مرحلية ، وإنّما هي علاقة دائمة وشركة متواصلة للقيام بأعباء الحياة المادية والروحية ، وهي أساس تكوين الاُسرة التي ترفد المجتمع بجيل المستقبل ، وهي مفترق الطرق لتحقيق السعادة أو التعاسة للزوج وللزوجة وللأبناء وللمجتمع ، لذا فينبغي على الرجل أن يختار من يضمن له سعادته في الدنيا والآخرة.
عن إبراهيم الكرخي قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام: إنّ صاحبتي هلكت رحمها اللّه ، وكانت لي موافقة وقد هممت أن أتزوج ، فقال لي : «اُنظر أين تضع نفسك ، ومن تشركه في مالك ، وتطلعه على دينك وسرّك ، فإن كنت فاعلاً فبكرا تنسب إلى الخير وحسن الخلق ، واعلم :
[١]تهذيب الاحكام ٧ : ٤٠٧.
ألا إنّ النساء خلقن شتى
فمنهنَّ الغنيمة والغرام
ومنهنَّ الهلال إذا تجلّى
لصاحبه ومنهنَّ الظلام
فمن يظفر بصالحهنَّ يسعد
ومن يعثر فليس له انتقام[١]
وراعى الإسلام في تعاليمه لاختيار الزوجة ، الجانب الوراثي ، والجانب الاجتماعي الذي عاشته ومدى انعكاسه على سلوكها وسيرتها.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «اختاروا لنطفكم ، فإنّ الخال أحد الضجيعين»[٢].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تخيروا لنطفكم ، فإنّ العرق دسّاس»[٣].
وروي أنّه جاء إليه رجل يستأمره في النكاح ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «نعم انكح ، وعليك بذوات الدين تربت يداك»[٤].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «من سعادة المرء الزوجة الصالحة»[٥].
فيستحب اختيار المرأة المتدينة ، ذات الأصل الكريم ، والجو الاُسري السليم[٦].
وبالاضافة إلى هذه الاُسس فقد دعا الإسلام إلى اختيار المرأة التي
[١]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٦ ، وتهذيب الاحكام ٧ : ٤٠١.[٢]تهذيب الاحكام ٧ : ٤٠٢.[٣]المحجة البيضاء ، الفيض الكاشاني ٣ : ٩٣ ، ط٣ ، دار التعارف ، ١٤٠١ هـ.[٤]تهذيب الاحكام ٧ : ٤٠١.[٥]الكافي ٥ : ٣٢٧.[٦]اُنظر : الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٩٠. والسرائر ٢ : ٥٥٩. وجامع المقاصد ١٢ : ١١.
تتحلى بصفات ذاتية من كونها ودودا ولودا ، طيبة الرائحة ، وطيبة الكلام ، موافقة ، عاملة بالمعروف إنفاذا وإمساكا[١].
وفضّل تقديم الولود على سائر الصفات الجمالية ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تزوجوا بكرا ولودا ، ولا تزوجوا حسناء جميلة عاقرا ، فاني أُباهي بكم الاُمم يوم القيامة»[٢].
ولم يلغِ ملاحظة بعض صفات الجمال لاشباع حاجة الرجل في حبه للجمال ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج ، فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها ، فان الشعر أحد الجمالين»[٣].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تزوجوا الأبكار ، فانهنَّ أطيب شيء أفواها»[٤].
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «أفضل نساء أمتي أصبحهنَّ وجها ، وأقلهنَّ مهرا»[٥].
ويستحب أن تكون النية في الاختيار منصبّة على ذات الدين ، فيكون اختيارها لدينها مقدّما على اختيارها لمالها أو جمالها ، لأنَّ الدين هو العون الحقيقي للانسان في حياته المادية والروحية ، قال الامام جعفر الصادقعليهالسلام: «إذا تزوج الرجل المرأة لمالها أو جمالها لم يرزق ذلك ، فإنّ
[١]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٩٠. ونحوه في : جواهر الكلام ٢٩ : ٣٦ وما بعدها.[٢]الكافي ٥ : ٣٣٣.[٣]من لايحضره الفقيه ٣ : ٣٨٨.[٤]الكافي ٥ : ٣٣٤.[٥]تهذيب الاحكام ٧ : ٤٠٤.