الحاضر ابتلاء الاُسر بمثل هذه الأحكام.
أحكام النظر :
النظر إلى الجنس الآخر من قبل أحد الجنسين تترتب عليه آثار عملية عديدة ، ومواقف سلوكية متباينة ، قد تؤدي إلى إثارة الشهوة والوقوع في الفتنة.
قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة»[١].
والنظر يؤدي في أغلب الأحيان إلى الوقوع في شباك إبليس فتعقب صاحبها الندامة والحسرة ، قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة»[٢].
والنظر قد يكون مقصودا وبشهوة فيكون إحدى مقدمات الزنا ، قال الامامان محمد الباقر وجعفر الصادقعليهمالسلام: «ما من أحد إلاّ وهو يصيب حظّا من الزنا ، فزنا العينين النظر ، وزنا الفم القبلة ، وزنا اليدين اللّمس ، صدّق الفرج ذلك أم كذّب»[٣].
ولأجل الحفاظ على المجتمع من الانحراف والابتذال والسقوط دعا الإسلام المؤمنين والمؤمنات إلى غض البصر وتجنب النظر إلى الجنس الآخر ، قال تعالى : «قُلْ لِلمؤمِنينَ يَغُضُّوا من أبصَارِهِم ويَحفظُوا فُرُوجَهم
[١]من لا يحضره الفقيه / الصدوق ٤ : ١٨ / ٤٩٧٠ ، جماعة المدرسين ، ط٢ ، قم ١٤٠٤ هـ.[٢]الكافي / الكليني ٥ : ٥٥٩ ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ١٤٠٣ هـ.[٣]الكافي ٥ : ٥٥٩.
ذلكَ أزكَى لَهُم إنَّ اللّه خَبيرٌ بما يَصنَعُونَ * وَقُل لِلمؤمِنات يَغْضُضْنَ مِن أبصارِهِنَّ ويَحفظنَّ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبدِينَ زِينتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنها وليَضرِبنَ بِخُمرِهِنَّ على جيُوبهِنَّ ...»[١].
وفي هذه الآية أمر اللّه تعالى الجنسين بغض البصر وأمر المرأة بالحجاب بتغطية رأسها ورقبتها ، وحفظ مواضع الزينة إلاّ ما ظهر منها كالوجه والكفين[٢].
أمّا إظهار الزينة بنفسها فحرام ، ولكن المقصود هو مواضع الزينة عند أغلب المفسرين.
عن مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفراعليهالسلاموسُئل عمّا تظهر المرأة من زينتها ، قال : «الوجه والكفيّن»[٣].
والنظر الجائز هو النظرة الاُولى ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا تتبع النظرة النظرة ، فليس لك إلاّ أول نظرة»[٤].
والجمع بين الأدلة في جواز النظر وحرمته يقيّد بجواز النظرة الاُولى غير المقصودة وغير المتعمدة.
ومعاودة النظر حرام ( ولا ينظر الرجل إلى المرأة الأجنبية إلاّ مرة من غير معاودة ... )[٥].
[١]سورة النور : ٢٤ / ٣٠ ـ ٣١.[٢]مجمع البيان / الطبرسي ٤ : ١٣٨ ، مطبعة العرفان ، صيدا ١٣٥٥ هـ. وجواهر الكلام ٢٩ : ٧٥.[٣]الكافي ٥ : ٥٢٢.[٤]وسائل الشيعة ٢٠ : ١٩٣.[٥]اللمعة الدمشقية / محمد مكي العاملي : ١٨٣ ، دار الناصر ، ط١ ، طهران ١٤٠٦ هـ. وجامع المقاصد ١٢ : ٣٢.
وإنّه لا خلاف في (تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي أعمى كان أو مبصرا)[١].
والنظرة الاُولى مهما كانت أسبابها ودوافعها مقيّدة بعدم التلذّذ والريبة كأن تقع مصادفة أو لضرورة أو غير ذلك ، فالنظرة بتلذّذ وريبة حرام[٢].
المستثنى في جواز النظر إلى غير الوجه والكفين :
هنالك مستثنيات لحرمة النظر يجوز فيها النظر لاشخاص معينين مطلقا ، ولحالات ومواقف معينة ، وجميع هذا الجواز مقيد بعدم التلذّذ والريبة إلاّ في (الزوجين)[٣].
أولاً : استثناء بعض الأشخاص :
جوّزت الآية المتقدمة لبعض الأشخاص النظر إلى الجنس الآخر كما جاء في قوله تعالى : «... ولا يُبدِينَ زِينتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولِتهِنَّ أو آبائِهِنَّ أو آباءِ بُعُولتهِنَّ أو أبنائِهنَّ أو أبناءِ بُعولتهِنَّ أو إخوانِهنَّ أو بَني إخوانِهنَّ أو بني أخواتِهنَّ أو نِسائهِنَّ أو ما مَلكت أيمانُهُنَّ أو التابِعينَ غَيرِ أولي الإربةِ مِن الرِجالِ أو الطِفلِ الذينَ لم يَظهَرُوا عَلى عَوراتِ النِساءِ»[٤].
تقدم أن المراد هو موضع الزينة وليست الزينة نفسها ، وموضع الزينة هو الوجه والكفان ، فيجوز لاشخاص معينين النظر إلى أكثر من الوجه
المقاصد ١٢ : ٣٢.
[١]الحدائق الناضرة / يوسف البحراني ٢٣ : ٦٥. وجامع المقاصد ١٢ : ٤١ ـ ٤٢.[٢]المقنعة : ٥٢١. والحدائق الناضرة ٢٣ : ٦١.[٣]الحدائق الناضرة ٢٣ : ٦١.[٤]سورة النور : ٢٤ / ٣١.
والكفيّن كالشعر وباقي أجزاء الجسد عدا العورة ، وهم :
١ ـ الزوج والأب وأبو الزوج.
٢ ـ الابن وابن الزوج من زوجة ثانية.
٣ ـ الأخ وأبناء الأخ وأبناء الاُخت.
ويجوز للرجل النظر إلى زوجته وأُمه وأمّ زوجته وبنته وبنت زوجته من زوج ثانٍ ، وأُخته وبنات أخيه وبنات أخته ، أي يجوز النظر إلى مطلق المحارم[١]، وبمعنى آخر لا يتوجب على المذكورات لبس القناع وتغطية الرأس وعدم وجوب الحجاب مخصوص بما ذكرته الآية الشريفة.
أما ما تعارف عليه عند البعض وهو عدم الحجاب من أخ الزوج أو زوج الخالة أو زوج العمة أو ابن العم وابن الخال ومن بدرجتهما ، أو عدم تحجب أخت الزوجة أو زوجة ابن الأخ أو زوجة ابن الاخت ، فهذا لا جواز له لأنّ هذه الاصناف ليست من المحارم وعدم وجوب الحجاب مخصوص بالمحارم فقط.
ويحرم على المرأة المسلمة أن تتجرّد أمام اليهودية أو النصرانية أو المجوسية إلاّ إذا كانت أمة ، أي مملوكة[٢].
ويجوز تعمّد النظر دون ريبة من قبل (أولي الاربة) وهو كما قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «الأحمق الذي لا يأتي النساء[٣]، وليس له حاجة
[١]الحدائق الناضرة ٢٣ : ٦١. وجامع المقاصد ١٢ : ٣٣.[٢]مجمع البيان ٤ : ١٨٣.[٣]مجمع البيان ٤ : ١٣٨.
جنسية في النساء.
ويجوز النظر للأطفال الذين لم يعرفوا عورات النساء ولم يقووا عليها لعدم شهوتهم وكذلك جواز التبرج أمامهم ، قال الإمام الرضاعليهالسلام: «لا تغطي المرأة رأسها من الغلام حتى يبلغ»[١].
ويجوز ادامة النظر إلى البنت الصغيرة ، والعجوز المسنّة[٢]دون تلذذ وريبة.
ثانيا : استثناء بعض النساء من غير المحارم :
إنّ علة تحريم النظر الدائم والمتواصل هو منع مقدمات وأسباب الانحراف ، والأمر بعدم النظر موجّه للرجل والمرأة على حدٍّ سواء ، ولكنّ الإسلام استثنى بعض النساء وجوّز النظر اليهنَّ دون تلذّذ مراعاة للأمر الواقع.
فجوّز النظر إلى وجوه وأيدي وشعور نساء أهل الكتاب وأهل الذمة[٣].
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن وأيديهنّ»[٤].
ويجوز النظر إلى كلِّ متبرّجة غير متقيدة بالحجاب الإسلامي ، ويجوز النظر غير المتعمّد إلى المجنونة.
[١]الكافي ٥ : ٥٣٣. وجامع المقاصد ١٢ : ٣٣.[٢]الحدائق الناضرة ٢٣ : ٦٤.[٣]المقنعة : ٥٢١. وجامع المقاصد ١٢ : ٣١.[٤]الكافي ٥ : ٥٢٤.
قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعُلُوج لأنهم إذا نُهوا لا ينتهون».
وقالعليهالسلام: «والمجنونة والمغلوبة على عقلها ، ولا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها مالم يتعمد ذلك»[١].
والنظر الجائز مختصّ بنظر الرجال إلى الأصناف المذكورة من النساء ، وان لا يكون نظر شهوة وتلذذ ، ولا يجوز تعميم الحكم للنساء المسلمات بأن ينظرن إلى رجال أهل الكتاب.
ثالثا : استثناء بعض الحالات :
المحرّم في الشريعة يصبح جائزا عند الضرورة ، فالنظر المتبادل بين الرجل والمرأة سواء كان متواليا أو متقطعا يكون جائزا في حال الضرورة[٢].
والضرورة قد تكون حاجة مخففة ، وقد تكون ضرورة شديدة ، وجواز النظر عند الحاجة يكون مختصا بالنظر إلى الوجه واليدين ، والحاجة مثل الشهادة للمرأة أو عليها ، فلابدّ من رؤية وجهها ليعرفها[٣].
وجواز النظر للحاكم والقاضي من أجل التعرف عليها للمثول أمامه أو الحكم عليها[٤].
[١]الكافي ٥ : ٥٢٤.[٢]اللمعة الدمشقية : ١٨٣. وجواهر الكلام ٢٩ : ٨٩.[٣]المبسوط ٤ : ١٦١. والحدائق الناضرة ٢٣ : ٦٣.[٤]المبسوط ٤ : ١٦١.
وجواز النظر لمن أُريد التعامل معها في بيع وشراء واجارة وغير ذلك من أنواع المعاملات[١].
والضرورة تبيح جميع المحظورات حتى النظر إلى جسد المرأة ، وأفضل مصداق للضرورة هو حالات العلاج التي قد تكون على أيدي الرجال في حال الاضطرار أو عدم وجود المثل ـ أي المرأة ـ التي تقوم بنفس دور الطبيب من الرجال ، ويشمل ذلك جميع حالات العلاج وما يتوقف عليه من (فصد وحجامة ومعرفة نبض العروق ونحو ذلك)[٢].
وعند الضرورة يجوز النظر إلى أي موضع لا يمكن العلاج إلاّ بعد الوقوف عليه[٣].
روى أبو حمزة الثمالي ، عن الإمام محمد الباقرعليهالسلام، قال : سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إمّا كسر أو جراح في مكان لا يصلح النظر إليه ، ويكون الرجال أرفق بعلاجه من النساء ، أيصلح له أن ينظر إليها؟ قال : «إذا اضطرت إليه فيعالجها إن شاءت»[٤].
وهذا يعني جواز إجراء العمليات الجراحية من قبل الرجال للنساء ، ومنها عملية الولادة حيث يطّلع الطبيب فيها على عورة المرأة ، وهذا الجواز مشروط بالضرورة ، والضرورة تأتي بعد عجز النساء عن علاج المرأة في الولادة ، أو عدم توفّر القابلة من النساء.
[١]المبسوط ٤ : ١٦١. والحدائق الناضرة ٢٣ : ٦٣. وجامع المقاصد ١٢ : ٣٤.[٢]الحدائق الناضرة ٢٣ : ٦٣.[٣]راجع المبسوط ٤ : ١٦١.[٤]الكافي ٥ : ٥٣٤.
والقاعدة الكلية في النظر أنّه (يجوز نظر الرجل إلى مثله ما خلا العورة ، والمرأة إلى مثلها كذلك ، والرجل إلى محارمه ما عدا العورة ، كل ذلك مقيّد بعدم التلذّذ والريبة إلاّ في الزوجين)[١].
وشرط عدم التلذّذ والريبة نافذ الحرمة في جميع الحالات حتى في النظر إلى المحارم كالاُخت والخالة والعمة وزوجة الأب ، وبعكسها في النساء أيضا ، كنظر الاُخت والخالة والعمة وزوجة الأب إلى مقابلها من الرجال.
ويكره النظر إلى أدبار النساء من خلف الثياب ، وإذا كان هذا النظر مصحوبا بالتلذّذ والريبة فهو حرام.
سُئل الإمام جعفر الصادقعليهالسلامعن هذا النظر فقال : «أما يخشى الذين ينظرون في أدبار النساء أن يبتلوا بذلك في نسائهم»[٢].
[١]الحدائق الناضرة ٢٣ : ٦١.[٢]الكافي ٥ : ٥٢٠.