وإنّه يجوز (بالقليل والكثير)»[١].
ويصح المهر في كلِّ ما يجوز كونه ذا قيمة ، قلَّ أو كثر ، من عين تباع ـ كالدار وواسطة النقل والكتاب ـ وعمل يعمله لها[٢]. وقد تقدم : أنّه يصح جعل تعليم القرآن أو الحِكَم أو الآداب مهرا للمرأة.
والمستحب في المهر التخفيف[٣]. وقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «أفضل نساء أُمتي أصبحهنَّ وجها ، وأقلهنَّ مهرا»[٤].
حكم ما يأخذه الأب :
المهر حق للزوجة مختص بها ، ولا يصح للأب أن يطلب شيئا له من مهرها بنحو الالزام ، وفي ذلك عدة أحكام[٥]:
١ ـ يصح للزوج أن يهب شيئا مستقلاً للأب من غير دخله في المهر.
٢ ـ ويصح للزوجة أن تهب شيئا لأبيها برضاها.
٣ ـ يحرم على الأب أن يأخذ من مهر ابنته شيئا من دون رضاها.
٤ ـ يحرم على الأب التصرف ببعض الأمتعة التي يسوقها الزوج إلى البنت بدون إذنها.
[١]الانتصار : ٢٩٠. وجواهر الكلام ٣١ : ٣.[٢]الجامع للشرائع : ٤٣٩. وجواهر الكلام ٣١ : ٤.[٣]المبسوط ٤ : ٢٧٣. وجامع المقاصد ١٣ : ٣٦٨. وجواهر الكلام ٣١ : ٤٧.[٤]تهذيب الاحكام ٧ : ٤٠٤. وجامع المقاصد ١٢ : ١٢.[٥]مهذب الاحكام / السبزواري ٢٥ : ١٥٦ ، مؤسسة المنار ، قم ، ١٤١٧ هـ. ونحوه في : جواهر الكلام ٣١ : ٢٩ وما بعدها.
٥ ـ يصح بذل مبلغ من المال للأب أو للأخ من أجل اقناع المرأة بالقبول على الزواج.
الفصل الثانيالأحكام العملية لبناء الاُسرة
تبدأ العلاقة الزوجية شرعا من حين العقد ، وهو التعبير العلني عن الالتزام الجدي بمضمون محدّد اتجاه الطرف الآخر الذي يتعاقد معه.
صيغة العقد :
أجمع العلماء على توقف العقد على الايجاب والقبول اللفظيين ، والايجاب : أن تقول الزوجة : (زوَّجتُكَ وأنكَحتُكَ نفسي على المهر المعلوم).
والقبول : أن يقول الزوج : (قَبِلتُ التزويج ، أو قَبِلتُ النكاح).
ولا يكفي مجرد التراضي القلبي ، ولا الكتابة ، ولا الاشارة المفهمة لمن يستطيع النطق.
والعقد الصحيح يجب أن يكون باللغة العربية لمن يتمكّن منها ، ويصح
بغير العربية لغير المتمكن منها[١].
وفي عصرنا الراهن تعارف الناس على اجراء العقد من قبل المأذون ، فتيسر الأمر لجميع أبناء المجتمع.
الاشهاد في العقد :
الاشهاد في العقد سُنّة سنتها الشريعة الإسلامية، والتزم المسلمون بها، وتوارثوها جيلاً بعد جيل ، وهي ليست شرطا في صحة العقد[٢]. سُئل الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: في الرجل يتزوج بغير بيّنة، قال: «لا بأس[٣]. واستحباب الاشهاد والاعلان إنما سُنَّ من أجل إثبات الأنساب ، والميراث ، وايجاب النفقة ، ودرء الحدود ، وإزالة الشبهات»[٤].
سُئل الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: عن الرجل يتزوج المرأة بغير شهود ، فقالعليهالسلام: «لا بأس بتزويج البتَّة فيما بينه وبين اللّه ، إنّما جعل الشهود في تزويج البتَّة من أجل الولد ، لولا ذلك لم يكن به بأس»[٥].
وقال أيضا : «إنّما جعلت البينات للنسب والمواريث» ، وفي رواية أُخرى «والحدود»[٦].
[١]جامع المقاصد ١٢ : ٦٧. والصراط القويم : ١٩٩. ومنهاج الصالحين / السيد السيستاني ، المعاملات ، القسم الثاني : ١٦ ـ ٣٠.[٢]الانتصار : ٢٨١. وجامع المقاصد ١٢ : ٨٤.[٣]الكافي ٥ : ٣٨٧.[٤]المقنعة : ٤٩٨. وجواهر الكلام ٢٩ : ٤٠.[٥]الكافي ٥ : ٣٨٧ / ١.[٦]الكافي ٥ : ٣٨٧.
شروط العقد الذاتية والاضافية :
١ ـ يشترط في صحة العقد رضا الزوجين واقعا ، فلو تظاهرت الزوجة بالكراهة مع العلم برضاها القلبي صحّ العقد ، ولو تظاهرت بالرضا مع العلم بكراهتها واقعا بطل العقد.
ولو أُكره الزوجان على العقد ثم رضيا بعد ذلك وأجازا العقد صحّ ، وكذلك الحال في إكراه أحدهما ، والأفضل اعادة العقد بعد الاجازة[١].
٢ ـ لا يشترط أن يكون المجري لصيغة العقد ذكرا ، فيجوز للمرأة أن تكون مجرية للعقد[٢]، ولكنّ ذلك مخالف للعرف ، فلم نسمع أن امرأة قامت بذلك في مختلف المراحل الزمنية لمسيرة المسلمين.
٣ ـ يجب الوفاء بالشروط الخارجة عن أصل العقد ، فإذا اشترط أحد الزوجين على الآخر شروطا خارجة عن أصل العقد وجب الوفاء بها ، إن كانت شروطا موافقة للشريعة ، ولا يبطل العقد بعدم الوفاء[٣].
سُئل الإمام الصادقعليهالسلامعن ذلك فقال : «يفي لها بذلك[٤]».
وإن شرطت أو شرطا شرطا يخالف الشريعة فلا يصح الشرط ، فلو شرطا عدم التوارث وعدم النفقة ، فالشرط باطل[٥]لأنّه يخالف سنن التشريع.
[١]منهاج الصالحين ، المعاملات : ٢٠.[٢]مهذب الاحكام ٢٤ : ٢٢٦.[٣]الجامع للشرائع : ٤٤٣.[٤]الكافي ٥ : ٤٠٢ / ٢.[٥]الجامع للشرائع : ٤٤٢. وجواهر الكلام ٣١ : ٩٥ وما بعدها.
أولياء العقد :
لا يجوز للصغيرة العقد على نفسها إلاّ باذن الأب والجد[١]، ولا يجوز للبالغة البكر غير الرشيدة أن تجري العقد إلاّ باذنهما ، فإن عقدت بغير إذنهما
خالفت السُنّة ، وكان العقد موقوفا على امضائهما[٢].
قال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «لا تزوج ذوات الآباء من الأبكار إلاّ باذن آبائهن»[٣].
فللأب والجد ولاية على الصغيرة والبالغة غير الرشيدة ، فهما أعرف منها بمصلحتها في اختيار الزوج والاقتران به ، للتجربة التي عايشاها ، ومعرفتهما بأحوال الناس ومدى أهليتهم للقيام بمسؤولية الاُسرة من الناحية المادية والمعنوية ، وللحيلولة دون انسياق الفتاة وراء المخادعين والمنحرفين من الرجال.
وقد ترجح ولاية الجد على ولاية الأب ، وإن سبق الأب إلى العقد لم يكن للجدّ اعتراض عليه[٤].
وإذا سبق أحدهما إلى العقد لم يكن للآخر فسخه[٥].
وتسقط الولاية في حالة منعهما البنت البالغة الرشيدة من الزواج بالأكفاء ، فلها الحقّ أن تجري العقد بغير إذن منهما ، ولم يكن لهما
[١]السرائر ٢ : ٥٦٠. ونحوه في جواهر الكلام ٢٩ : ١٧٤. والصراط القويم: ٢٠١.[٢]الكافي في الفقه : ٢٩٢. ونحوه في جواهر الكلام ٢٩ : ١٨٢ ـ ١٨٣.[٣]تهذيب الاحكام ٧ : ٣٧٩.[٤]الانتصار : ٢٨٧. ونحوه في : جواهر الكلام ٢٩ : ١٧٤ ، ٢٠٩.[٥]جامع المقاصد ١٢ : ١٠٣. والكافي في الفقه : ٢٩٢.
الفسخ[١].
ولا ولاية لأحد على غير الباكر ، ولكن يستحبّ لها أن تعقد باذنهما[٢]، واستشارة الأب أو الجد وطلب إذنهما من القضايا المحبّبة لدى الشريعة ولدى العرف ، لأنّ الزواج هو تعميق للعلاقات الاجتماعية بين الزوج والزوجة وأرحامهما ، فليس من الحصافة أن تتزوج المرأة دون إذن من أبيها أو جدها أو كليهما ، وكذا الحال في الرجل.
سُئل الإمام الصادقعليهالسلامعن زواج غير الباكر ، فقال : «هي أملك بنفسها ، تولي أمرها من شاءت إذا كان كفوا بعد أن تكون قد نكحت زوجا قبل ذلك»[٣].
ويجوز للباكر العقد على نفسها في حالة غيبة وليّها عنها[٤].
والغيبة هنا هي الغيبة الطويلة التي ينقطع بها الاتصال بين البنت وأبيها أو جدّها بحيث لا تستطيع الاستئذان ، ومثال ذلك ، سفر الولي إلى خارج البلاد ، أو فقده ، فليس من العقل أن تنتظر الفتاة وليّها المجهول الحال فترة زمنية تضر بحالها وهي بحاجة إلى الزواج.
المحلل والمحرم في النكاح :
وضع الإسلام قيودا في تحليل وتحريم النكاح منسجمة مع الفطرة الانسانية وطبيعة الأواصر الاُسرية ، فحرّم النكاح من أصناف النساء
[١]جامع المقاصد ١٢ : ١٢٧. وجواهر الكلام ٢٩ : ١٨٤.[٢]الكافي في الفقه : ٢٩٣ ، والوسيلة الى نيل الفضيلة : ٣٠٠. ونحوه في جواهر الكلام ٢٩ : ١٨٦.[٣]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٩٧.[٤]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٢٩٩.
والرجال ، قال تعالى : «حُرِّمَت عَليكُم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُم وأخواتُكُم وعمَّاتُكُم وخالاتُكُم وبناتُ الأخِ وبناتُ الأُختِ وأمهاتُكم اللاتي أرضَعنَكم وأخواتُكُم مِّنَ الرَّضاعةِ وأُمهاتُ نِسائِكُم ورَبائِبُكُم اللاتي في حُجُورِكُم مِن نِسائِكُم اللاتي دَخلتُم بِهنَّ فإن لم تكونُوا دخلتُم بِهنَّ فلا جُناحَ عليكُم وحَلائِلُ أبنائِكُم الذينَ مِن أصلابِكُم وأن تَجمعُوا بينَ الاُختينِ ...»[١].
أولاً : المحرّم بالنسب :
يحرم الزواج من الأصناف التالية من النساء من جهة الأنساب[٢]:
١ ـ الاُم وإن علت كأُم الاُمّ.
٢ ـ البنت وإن نزلت كبنت البنت.
٣ ـ الاُخت وبناتها وإن نزلن.
٤ ـ العمّة والخالة وإن علتا كعمّة العمّة وخالة الخالة.
٥ ـ بنات الأخ وإن نزلن.
لا تُحرم زوجة العمّ وزوجة الخال على ابن الأخ وابن الاُخت في حال طلاقهما أو موتهما.
ولا يجوز للرجل أن يتزوج بنت أخت الزوجة أو بنت أخيها جمعا بينهما وبين الخالة أو العمة إلاّ باذنهما ، قال الإمام الباقرعليهالسلام: «لا تتزوج
[١]سورة النساء : ٤ / ٢٣.[٢]جامع المقاصد ١٢ : ١٨٨.