المقدِّمة
الحمدُ للّه ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والأنبياء محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبهم المنتجبين.
وبعد : الاُسرة هي اللبنة الاُولى لتكوين المجتمع ، وهي نقطة الانطلاق في انشاء وتنشئة العنصر الإنساني ، ونقطة البدء المؤثرة في جميع مرافق المجتمع ومراحل سيره الايجابية والسلبية ، ولهذا أبدى الإسلام عناية خاصة بالاُسرة ، فوضع لها آدابا وفقها متكاملاً شاملاً لجميع جوانبها النفسية والسلوكية.
وآداب الاُسرة ، أو قل فقه الاُسرة لم ينشأ من فراغ ولا يبحث في فراغ ، وإنّما هو فقه واقعي ، يراعي الطبيعة البشرية بما فيها الفوارق الجسدية والنفسية بين الجنسين ، ويراعي الحاجات الفطرية ، فلا يبدلها ولا يعطلها ولا يحمّلها ما لا تطيق ، وهو يتمثل بالدقة في تناول كل خالجة نفسية وكل موقف وكل حركة سلوكية ، ويجعل العلاقات في داخل الاُسرة علاقات سكنٍ للروح وطمأنينةٍ للقلب وراحةٍ للجسد ، علاقات ستر واحصان ، ويهذب النفس للحيلولة دون استسلامها للاهواء والشهوات المتقلبة ، ويحررها من نزعات المطامع والرغبات الزائلة.
إنّها الآداب المستمدة من النصوص القرآنية والحديث الشريف ، والتي تواكب جميع المراحل التي تمرُّ بها الاُسرة قبل تشكيلها وبعده ، فتضع لكلِّ
مرحلة قواعدها الكلية والجزئية الشاملة لجوانب النفس وجوانب الحوادث والمواقف ، فتحدد العلاقات بين الجنسين قبل الزواج وبعده ، وقبل توسع الاُسرة بالانجاب وبعده ، وتحدّد العلاقات داخل الاُسرة على ضوء المرسوم من الحقوق والواجبات القائمة على التكافل والتراحم والتناصح والسماحة والمودة والاحسان ، وترسم للاُسرة طريقها في التعامل الاجتماعي ، من أجل التكاتف والتآزر في بناء واصلاح كيانها والكيان الاجتماعي الكبير.
وبالتالي فهي ترفد الاُسرة بمنهج حياة واقعي يتتبع أهميتها وخصوصياتها وآمالها وآلامها وعلاقاتها ، واضعةً الحلول اللازمة ، وقايةً وعلاجا للخلافات المتأصلة أو الطارئة.
وفي بحثنا هذا نتابع آداب الاُسرة في جميع مراحلها ، على فصول : نتناول في الفصل الأول : مقدمات تشكيل الاُسرة ، واختيار شريك الحياة المناسب ، وفي الفصل الثاني : الأحكام العملية لبناء الاُسرة ابتداءً بالعقد وانتهاءً بالولادة والحضانة ، وفي الفصل الثالث : الحقوق الاُسرية ، وفي الفصل الرابع : الخلافات الزوجية وأسلوب معالجتها إيجابا وسلبا ، وفي الفصل الخامس : علاقات الاُسرة بالمجتمع ابتداءً بالأرحام ومرورا بالجيران وانتهاءا بالمجتمع الكبير ، وأخيرا نتناول في الفصل السادس : أحكام عامّة للعلاقة بين الجنسين ، وأحكام العلاقة بين المحارم وغيرهم. وسنقوم بمتابعة النصوص القرآنية والروايات الواردة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموعن أهل بيتهعليهمالسلام، وآراء الفقهاء المتقدمين بالدرجة الاُولى ، وآراء بعض الفقهاء المتأخرين ، وقد اخترنا الآراء التي لا خلاف فيها ؛ من خلال متابعة
آراء أكبر عدد من الفقهاء المشهورين متقدمين كانوا أم متأخرين ، واخترنا في الهامش المصدر الأوضح في الدلالة والصياغة العلمية والأدبية ، وهو ليس ترجيحا لرأي على آخر ، وإنّما ترجيح لمصدر على آخر ، وملاك الترجيح هو سهولة الاُسلوب وملائمته لجميع المستويات الثقافية ، متجنبين استخدام العبارات الغامضة.
ومنه تعالى نستمد العون والتسديد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفصل الأولمقدمات تشكيل الاُسرة
معنى الاُسرة :
الاُسرة لغةً :
أُسرة الرجل : عشيرته ورهطه الأدنون ؛ لأنّه يتقوى بهم[١].
والاُسرة : عشيرة الرجل وأهل بيته[٢].
والاُسرة : أهل الرجل وعشيرته ، والجماعة يربطها أمر مشترك[٣].
والاُسرة : أهل بيت الإنسان وعشيرته ، وأصل الاُسرة الدرع الحصينة ، وأطلقت على أهل بيت الرجل ؛ لأنّه يتقوى بهم[٤].
[١]لسان العرب / ابن منظور ٤ : ٢٠ ، مادة: أسر ، نشر أدب الحوزة ، قم ١٤٠٥ هـ.[٢]لسان العرب ٤ : ٢٠.[٣]المعجم الوجيز ، لمجمع اللغة العربية : ١٦ ، دار الثقافة ، قم ١٤١١ هـ.[٤]دائرة معارف القرن العشرين / محمد فريد وجدي ١ : ٢٧٧ ، دارا لمعرفة ، بيروت.
الاُسرة اصطلاحا :
هي رابطة الزواج التي تصحبها ذُرّية[١].
وهي : رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما ، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا في معيشة واحدة[٢].
استحباب النكاح وأهميته :
النكاح هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الاُسرة ، وهو الارتباط المشروع بين الرجل والمرأة ، وهو طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض ، وهو باب التواصل وسبب الأُلفة والمحبة ، والمعونة على العفّة والفضيلة ، فبه يتحصّن الجنسان من جميع ألوان الاضطراب النفسي ، والانحراف الجنسي ، ومن هنا كان استحبابه استحبابا مؤكدّا ، قال تعالى : «وأنكحوا الأيامى مِنكُم والصالِحينَ من عِبادِكُم وإمائِكُم إن يكونُوا فُقراء يُغنِهم اللّه مِن فَضلهِ واللّه واسعٌ عليمٌ»[٣].
ووردت روايات عديدة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلموأهل بيتهعليهمالسلامتؤكد هذا الاستحباب ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام: «تزوجوا فإن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمقال : من أحبَّ أن يتبع سنتي فإنَّ من سنتي التزويج»[٤].
وللزواج تأثيرات إيجابية على الرجل والمرأة وعلى المجتمع ، فهو الوسيلة للانجاب وتكثير النسل ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «تناكحوا تكثّروا ، فإنّي أُباهي
[١]علم الاجتماع / محمد عاطف : ٩٢.[٢]الاُسرة والمجتمع / علي عبدالواحد وافي : ١٥.[٣]سورة النور : ٢٤ / ٣٢.[٤]الكافي ٥ : ٣٢٩.
بكم الاُمم ، حتى بالسقط»[١].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً ، لعلَّ اللّه أن يرزقه نسمة ، تثقل الأرض بلا إله إلاّ اللّه»[٢].
وهو ضمان لاحراز نصف الدين ، لأنّه الحصن الواقي من جميع ألوان الانحراف والاضطراب العقلي والنفسي والعاطفي ، فهو يقي الإنسان من الرذيلة والخطيئة ، ويخلق أجواء الاستقرار في العقل والقلب والارادة ، لينطلق الإنسان متعاليا عن قيود الأهواء والشهوات التي تكبّله وتشغله عن أداء دوره في الحياة وفي ارتقائه الروحي واسهامه في تحقيق الهدف الذي خُلق من أجله ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «من تزوج أحرز نصف دينه ، فليتق اللّه في النصف الباقي»[٣].
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام: «ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما الأعزب»[٤].
وعليه فإنّ استحباب النكاح موضع اتفاق بين المسلمين[٥].
ولأهمية النكاح جعله رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي المرتبة الثانية من مراتب الفوائد المعنوية ، حيث قال : «ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها
[١]كتاب السرائر ٢ : ٥١٨.[٢]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٢.[٣]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٣.[٤]تهذيب الاحكام ٧ : ٢٣٩ / ١ كتاب النكاح باب ٢٢.[٥]كتاب السرائر ٢ : ٥١٨. وجامع المقاصد ١٢ : ٨.
في نفسها وماله»[١].
وهو باب من أبواب الرزق بأسبابه الطبيعية المقرونة بالرعاية الالهية ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم: «اتخذوا الأهل ، فإنّه أرزق لكم»[٢].
كراهية العزوبة :
حكم الإسلام بكراهية العزوبة ؛ لأنّها تؤدي إلى خلق الاضطراب العقلي والنفسي والسلوكي الناجم عن كبت الرغبات وقمع المشاعر ، وتعطيل الحاجات الأساسية في الإنسان ، سيّما الحاجة إلى الاشباع العاطفي والجنسي ، والعزوبة تعطيل لسنة من سنن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمالذي قال : «من سنتي التزويج ، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[٣].
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ أراذل موتاكم العزاب»[٤]، وفي رواية : «شرار موتاكم العزاب»[٥].
وقد أثبت الواقع أن العزاب أكثر عرضةً للانحراف من المتزوجين ، فالمتزوج اضافة إلى إشباع حاجاته الأساسية ، فإنّ ارتباطه بزوجة وأُسرة يقيّده بقيود تمنعه عن كثير من الممارسات السلبية ، حفاظا على سمعة أُسرته وسلامتها ، مما يجعله أكثر صلاحا وأداءً لمسؤوليته الفردية والاجتماعية.
[١]تهذيب الاحكام ٧ : ٢٤٠ / ٤ كتاب النكاح باب ٢٢.[٢]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٣.[٣]مستدرك الوسائل ١٤ : ١٥٢.[٤]من لا يحضره الفقيه ٣ : ٣٨٤.[٥]جامع المقاصد ١٢: ٩. والمقنعة : ٤٩٧.