ويجوز للحاكم الشرعي أن يبعث الحكمين من غير أهلهما[٦].
ومهما اتفق الحكمان فلا يجوز الفصل بين الزوجين في حال غياب أحدهما[١].
وإن كان أحد الزوجين مغلوبا على عقله بطل حكم الشقاق[٢].
وفي جميع مراحل عمل الحكمين يستحبُّ لهما الاصلاح إن أمكن ذلك ، لعموم أدلة بغض الطلاق وكراهيته من قبل اللّه تعالى.
ومن الأفضل اختيار الحكمين على أساس العلم والتقوى والكفاءة في مواجهة الاُمور ، والقدرة على استيعاب المواقف المتشنجة ، والصبر عليها ، وأن يقولا الحقّ ولو على أنفسهما.
وينبغي على الحكمين أن يمنحا الفرص المتاحة لاعادة مسار العلاقات الزوجية إلى حالتها قبل الشقاق والنشوز ، وإن طالت مدة الاصلاح والمفاوضات المتقابلة.
الايلاء :
الايلاء : هو حلف الزوج على أن لا يطأ زوجته[٣].
والايلاء مظهر من مظاهر الانحراف عن الفطرة ، وهو مقدمة من مقدمات التنافر والتدابر بين الزوجين.
[١]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣٣٣.[٢]المصدر السابق نفسه.[٣]المصدر السابق نفسه.[٤]المبسوط ٥ : ١١٤.
وليس أمام الزوجة إزاء هذه الحالة إلاّ أحد خيارين ؛ إمّا الصبر على ذلك حفاظا على كيان الاُسرة من التفكك ، وإمّا اللجوء إلى الحاكم الشرعي ، فإن رفعت خصومتها إليه أنظر الحاكم زوجها أربعة أشهر لمراجعة نفسه في ذلك ، فان أبى الرجوع والطلاق جميعا حبسه الحاكم وضيّق عليه في المطعم والمشرب ، حتى يفيء إلى أمر اللّه تعالى بالرجوع إلى معاشرة زوجته أو طلاقها[١].
قال تعالى : «لّلِّذينَ يُؤلُونَ مِن نِّسائِهم تَربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ فإن فاءُوا فإنّ اللّه غَفُورٌ رَّحيمٌ * وإن عَزمُوا الطَّلاقَ فإنّ اللّه سميعٌ عليمٌ»[٢].
وقال الإمام جعفر الصادقعليهالسلام: «إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجمع رأسه ورأسها ، فهو في سعة ما لم تمض ِ الأربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة أشهر وقف ، فإمّا أن يفيء فيمسّها ، وإمّا أن يعزم على الطلاق فيخلّي عنها ، حتى إذا حاضت وتطهّرت من حيضها طلّقها تطليقة قبل أن يجامعها بشهادة عدلين ، ثمّ هو أحقّ برجعتها ما لم تمض ِ الثلاثة أقراء»[٣].
اللعان :
إذا قذف الرجل زوجته الحرّة بالفجور ، وادّعى أنّه رأى معها رجلاً يطأها ، فان لم يأت ِ بشهود أربعة ، لاعَنَ الزوجة[٤].
[١]المقنعة : ٥٢٣.[٢]سورة البقرة : ٢ / ٢٢٦ ـ ٢٢٧.[٣]تهذيب الاحكام ٨ : ٣.[٤]المقنعة : ٥٤١.
والذي يوجب اللعان أن يقول : رأيتك تزنين ؛ ويضيف الفاحشة منها إلى مشاهدته ، أو ينفي ولدا أو حملاً[١].
أمّا إذا قال لها : يا زانية ؛ ولم يدّعِ المشاهدة ، فلا لعان بينهما ، وإنّما يكون الزوج قاذفا[٢].
قال الإمام الصادقعليهالسلام: «لا يكون لعان حتى يزعم أنّه قد عاين[٣]».
وصيغة الملاعنة كما ورد في القرآن الكريم : «والّذينَ يَرمُونَ أزواجَهُم ولم يَكُن لهم شُهداءَ إلاّ أنفُسُهُم فَشهادةُ أحدِهِم أربَعُ شَهاداتٍ باللّه إنّهُ لَمنَ الصَّادِقينَ * والخَامِسةُ أنَّ لَعنتَ اللّه عليه إن كان مِنَ الكاذِبينَ * وَيَدرَؤا عنها العذابَ أن تَشهدَ أربعَ شَهاداتٍ باللّه إنَّهُ لمِنَ الكاذبينَ * والخامسةَ أنَّ غَضَبَ اللّه عليها إن كانَ مِن الصَّادِقين»[٤].
فيقول له الحاكم قُل : (أشهدُ باللّه إنّي لمن الصادقين فيمن ذكرته عن هذه المرأة من الفجور).
ويكرر ذلك أربع مرّات ، فإن رجع عن قوله ، جلده حدّ المفتري ثمانين جلدة ، وردّ امرأته عليه.
وإن أصرّ على ما ادّعاه ، قال له قل : (إنّ لعنة اللّه عليَّ ان كنت من الكاذبين).
[١]الانتصار : ٣٣٠.[٢]المصدر السابق.[٣]تهذيب الاحكام ٨ : ١٨٦.[٤]سورة النور : ٢٤ / ٦ ـ ٩.
ويقول الحاكم لزوجته قولي : (أشهدُ باللّه إنّه لمن الكاذبين فيما رماني به) وتكرّر القول أربع مرات.
وتقول في الخامسة : (إنّ غضب اللّه عليَّ إن كان من الصادقين).
فإذا قالت الزوجة ذلك ، فرَّق الحاكم بينهما ، ولم تحلّ له أبدا ، وقضت
منه العدّة منذ تمام لعانها له[١].
أمّا إذا كانت الزوجة خرساء ، فرّق بينهما ، وأقيم عليه الحدّ ، ولا تحلّ له أبدا ، ولا لعان بينهما[٢].
الطلاق :
الطلاق : من حيث الأحكام الشرعية على أربعة أنواع[٣].
الأول : الطلاق الواجب ، وهو الطلاق الناتج عن الايلاء ـ كما تقدم ـ.
الثاني : الطلاق المستحبّ ، وهو طلاق الزوج زوجته حال الشقاق والحال بينهما غير عامرة ، ولا يقوم كلّ واحد منهما بحق صاحبه.
الثالث : الطلاق المحظور ، وهو طلاق الزوج زوجته في أحد موضعين:
١ ـ طلاق الحائض المدخول بها ، ولم يغب عنها زوجها.
٢ ـ طلاق الخارجة من المحيض بعد مواقعة زوجها لها في ذلك الطهر ، قبل أن يستبين حملها.
[١]المقنعة : ٥٤١.[٢]الانتصار : ٣٣١.[٣]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣١٩.
الرابع : الطلاق المكروه ، وهو طلاق الزوج زوجته والحال عامرة بينهما ، ويقوم كلّ منهما بحقّ صاحبه.
شروط الطلاق :
لا يقع الطلاق إلاّ باللفظ ، وهو قول الزوج : أنتِ طالق ، ولا يقع بقوله : فارقتك وسرّحتك ؛ أو بقوله : اعتدّي ، وحبلك على غاربك[١].
ولا يقع الطلاق في الحيض[٢]وإنّما يقع في طُهر لم يجامعها فيه.
ولا يقع الطلاق إلاّ بشهادة مُسلمَين عدلين[٣].
ومن كان غائبا عن زوجته ، فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج إليه الحاضر من الاستبراء ، لكنّه لا بدّ له من الاشهاد ، فإذا أشهد رجلين من المسلمين على طلاقه لها ، وقع بها الطلاق سواء كانت طاهرا أو حائضا ، ومن أراد أن يطلّق زوجته غير المدخول بها ، طلّقها في أيّ وقت شاء بمحضرٍ من رجلين مسلمين عدلين ، ولم ينتظر بها طهرا[٤].
ولا يقع الطلاق إن كان مشروطا[٥]كأن يقول : أنتِ طالق إن دخلتِ الدار.
[١]الانتصار : ٣٠٠.[٢]الانتصار : ٣٠٦.[٣]المقنعة : ٥٢٥.[٤]المقنعة : ٥٢٦ ـ ٥٢٧.[٥]الكافي في الفقه : ٣٠٥.
شروط المطلِّق[١]:
يشترط في صحة الطلاق بعدما تقدّم ، عدّة أمور ، أهمّها :
١ ـ كون المطلِّق ممّن يصح تصرفه ، وهو العاقل البالغ ، فلا يصحّ طلاق المجنون والسكران والصبي.
قال الإمام الصادقعليهالسلام: «ليس طلاق السكران بشيء»[٢].
٢ ـ أن لا يكون الزوج مكرها على الطلاق ، فلا بدّ من اختياره هو.
عن الإمام الصادقعليهالسلامقال : «لو أنَّ رجلاً مسلما مرّ بقوم ليسوا بسلطان
فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل ، فلم يكن عليه شيء»[٣].
٣ ـ أن يكون قاصدا للطلاق.
قال الإمام الباقرعليهالسلام: «لا طلاق إلاّ لمن أراد الطلاق»[٤].
٤ ـ أن يكون تلفظه بصريح القول دون الكناية.
عن زرارة قال : قلتُ لأبي جعفرعليهالسلام: رجل كتب بطلاق امرأته ثم بدا له فمحاه ، قال : «ليس ذلك بطلاق حتى يتكلّم به»[٥].
وتجوز الوكالة في الطلاق ، فقد سُئل الإمام الصادقعليهالسلامعن رجل جعل
[١]الكافي في الفقه : ٣٠٥ ـ ٣٠٦. وجواهر الكلام ٣٢: ٨ وما بعدها. والصراط التقويم : ٢٢١.[٢]الكافي ٦ : ١٢٦.[٣]الكافي ٦ : ١٢٧.[٤]تهذيب الاحكام ٨ : ٥١.[٥]الكافي ٦ : ٦٤.
أمر امرأته إلى رجل ، فقال : اشهدوا أني جعلت أمر فلانة إلى فلان ، أيجوز ذلك للرجل؟
فقال : «نعم»[١].
طلاق السُنّة :
طلاق السُنّة هو الطلاق المستوفي للشروط المتقدمة ، من كون المطلق عاقلاً مميزا مالكا أمره غير مكره ولا غضبان ولا فاقد العقل ، وأن يكون الطلاق واقعا في طهر لم يواقع زوجته فيه ، وأن يكون التلفظ بصريح القول ، وأن يكون الطلاق مطلقا غير مشروط ، وأن يتمّ بحضور شاهدين عدلين في مجلس واحد[٢].
سُئل الإمام الرضاعليهالسلامعن طلاق السُنّة ، فقال : «يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلين كما قال اللّه عزَّ وجلَّ في كتابه ، فإن خالف ذلك ردّ إلى كتاب اللّه»[٣].
طلاق البدعة :
وهو الطلاق غير المستوفي للشروط ، كطلاق الحائض أو طلاق الطاهرة من الحيض بعد مواقعتها في طهرها ، وكالطلاق المعلق بشرط ، وإيقاع الطلاق ثلاثا بلفظة واحدة[٤].
[١]الكافي ٦ : ١٢٩.[٢]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣٢٠ ـ ٣٢١. وجواهر الكلام ٣٢ : ١١٧.[٣]تهذيب الأحكام ٨ : ٤٩.[٤]الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ٣٢٢. وجواهر الكلام ٣٢ : ١١٦. والصراط القويم : ٢٢٣.
عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبداللّهعليهالسلامعن رجل طلق امرأته وهي حائض ، فقال : «الطلاق لغير السُنّة باطل»[١].
وقال الإمام الرضاعليهالسلام: «طلّق عبداللّه بن عمر امرأته ثلاثا ، فجعلها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلمواحدة ، وردّها إلى الكتاب والسُنّة»[٢].
ومن طلاق البدعة ، الطلاق بغير شهود ، قال الإمام الصادقعليهالسلام: «من طلَّق بغير شهود فليس بشيء»[٣].
الخلع :
إذا كرهت الزوجة زوجها وآثرت فراقه ، وظهر ذلك جليا في عصيانها لأمره ومخالفتها لقوله ، وعدم الاستجابة للمضاجعة ، فيجوز له حينئذٍ أن يلتمس على طلاقها ما شاء من المال والمتاع والعقار ، أو التنازل عن مهرها ، فان أجابته إلى ذلك ، قال لها : قد خلعتك على كذا وكذا درهما أو دينارا ، فإذا قال لها ذلك بمحضر شاهدين مسلمين عدلين وهي طاهر من الحيض طهرا لم يواقعها فيه ، فقد بانت منه ، وليس له عليها رجعة ، ولها أن تعقد على نفسها لمن شاءت بعد خروجها من عدتها ، فان اختارت الرجوع إليه واختار هو ذلك ، جاز لها الرجوع إلى النكاح بعقد جديد ومهر جديد[٤].
قال الإمام الصادقعليهالسلام: «لا يحلّ خلعها حتى تقول لزوجها : واللّه لا أبرّ
[١]تهذيب الاحكام ٨ : ٤٧.[٢]تهذيب الاحكام ٨ : ٥٥.[٣]تهذيب الاحكام ٨ : ٤٨.[٤]المقنعة : ٥٢٨ ـ ٥٢٩. والصراط القويم : ٢٢٨.