و نقل أبو الفرج الأصبهاني[1]-و هو من الأمويين-ما تقدّم[2]، فلم يعرض له بتفنيد.
و وضح الفرق بين بني هاشم و بني أميّة في الخلائق و المناقب في الجاهليّة قبل الإسلام.
فكان الهاشميون سراعا إلى النجدة و نصرة الحقّ و التعاون عليه، و لم يكن بنو أميّة كذلك، فتخلّفوا عن حلف الفضول الذي نهض به بنو هاشم و حلفاؤهم، و هو الحلف الذي اتّفق فيه نخبة من رؤساء قريش «ليكوننّ مع المظلوم حتّى يؤدّوا إليه حقّه، و ليأخذنّ أنفسهم بالتآسي في المعاش و التساهم في المال، و ليمنعنّ القوي من ظلم الضعيف و القاطن من عنف الغريب» ، و اتّفقوا على هذا الحلف؛ لأنّ العاص بن وائل[3]اشترى بضاعة من رجل زبيدي و لواه[4]بثمنها، فنصروا الرجل الغريب على القرشي و أعطوه حقّه[5].
و لمّا تنافر عبد المطّلب و حرب بن أميّة إلى نفيل بن عدي قضى لعبد المطلّب، و قال لحرب:
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (29) .
[2]حكي عنه في: الروض الآنف 3: 65، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 159.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (30) .
[4]لواه دينه: مطله. (لسان العرب 12: 368) .
[5]انظر: مروج الذهب 2: 276-277، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 138- 139.
أبوك معاهر و أبوه عفّ # و ذاد الفيل عن بلد الحرام[1]
يشير إلى فيل أبرهة الذي أغار به على مكّة. و قال عن أميّة: إنّه «معاهر» ؛ لأنّه كان يتعرّض للنساء، و قد ضرب بالسيف مرّة؛ لأنّه تعرّض لامرأة من بني زهرة[2]، و كان له تصرّف عجيب في علاقات الزواج و البنوّة، فاستلحق عبده ذكوان و زوّجه امرأته في حياته، و لم يعرف سيّد من سادات الجاهليّة قط صنع هذا الصنيع.
اختلاف النشأة
و ندع اختلاف الطبائع و مغامز النسب، ثمّ ننظر في اختلاف النشأة و العادة-مع اختلاف الخلقة الجسديّة-فنرى أنّهما صالحتان لتفسير الفارق بين أبناء هاشم و أبناء عبد شمس بعد جيلين أو ثلاثة أجيال..
فقد كان بنو هاشم يعملون في الرئاسة الدينيّة، و بنو عبد شمس يعملون في التجارة أو الرئاسة السياسيّة. و هما ما هما في الجاهليّة من الربا و المماكسة و الغبن و التطفيف و التزييف.
فلا عجب أن يختلفا هذا الاختلاف بين أخلاق الصراحة و أخلاق المساومة، و بين وسائل الإيمان و وسائل الحيلة على النجاح.
و يتّفق كثيرا في الكهانات الوثنيّة أن يتّصف رؤساء الأديان بصفات
[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 141، النزاع و التخاصم 41 و 42. و في المصدر: أنّ المتنافر إليه هو نفيل بن عبد العزّى بن رياح.
[2]راجع المصدرين السابقين.
غ
الرياء و الدهاء و العبث بأحلام الأغرار و الجهلاء، و لكنّهم يتّصفون بهذه الصفة حين يعلمون الكذب فيما يمارسون من شعائر الكهانة و مظاهر العبادة، و يتّخذونها صناعة يروّجونها لمنفعتهم أو لما يقدرون فيها من منفعة أولئك الأغرار و الجهلاء.
أمّا أبناء هاشم فلم يكونوا من طراز أولئك الكهّان المشعوذين، و لا كانوا من المحتالين بالكهانة على خداع أنفسهم و خداع المؤمنين و المصدّقين، بل كانوا يؤمنون بالبيت و ربّ البيت.
و بلغ من إيمانهم بدينهم أنّ عبد المطّلب جدّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أوشك أن يذبح ابنه فدية لربّ البيت؛ لأنّه «نذر لئن عاش له عشرة بنين لينحرنّ أحدهم عند الكعبة» ، و لم يتحلّل من نذره حتّى استوثق من كلام العرّافة بعد[ما]رمى القداح ثلاث مرّات[1].
و الأخلاق المثاليّة توائم الرئاسة الدينيّة التي يدين أصحابها بما يدعون إليه، فإن لم تكن في بني هاشم موروثة من معدن أصيل في الأسرة، فهي أشبه بسمت الرئاسة الدينيّة و العقيدة المتمكّنة و الشعائر المتّبعة جيلا بعد جيل، و هي أخلق أن تزداد في الأسرة تمكّنا بعد ظهور النبوّة فيها، و أن يتلقّاها بالوراثة و القدوة أسباط النبي و أقرب الناس إليه.
و إنّك لتنحدر مع أعقاب الذرّية في الطالبيين أبناء علي و الزهراء مائة
[1]المنتظم 2: 198-200، الكامل في التاريخ 2: 2-4، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 148، البداية و النهاية 2: 248-249.
سنة و أربع مائة سنة، ثمّ يبرز لك رجل من رجالها، فيخيّل إليك أنّ هذا الزمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع و أصله في الخصال و العادات، كأنّما هو بعد أيام معدودات لا بعد المئات وراء المئات من السنين، و لا تلبث أن تهتف عجبا: إنّ هذه لصفات علوية لا شكّ فيها؛ لأنّك تسمع الرجل منهم يتكلّم و يجيب من يكلّمه، و تراه يعمل و يجزي من عمل له، فلا تخطئ في كلامه و لا في عمله تلك الشجاعة و الصراحة، و لا ذلك الذكاء و البلاغ المسكت، و لا تلك اللوازم التي اشتهر بها علي و آله، و تجمعها في كلمتين اثنتين تدلاّن عليها أوفى دلالة، و هما: «الفروسيّة و الرياضة» .
طبع صريح، و لسان فصيح، و متانة في الأسر يستوي فيها الخلق و الخلق، و نخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنّة المروءة و الإباء.
فمن يحيى بن عمر إلى علي بن أبي طالب خمسة أو ستّة أجيال، و لكن يحيى بن عمر يوصف لك، فإذا هو صورة مصغّرة من صور علي بن أبي طالب على نحو من الأنحاء.
فمن أوصافه التي وصفه بها الكاتب الأموي أبو الفرج الأصبهاني: أنّه كان «رجلا فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب بعيدا عن رهق الشباب و ما يعاب به مثله»[1].
و ممّا روى عنه: «أنّه كان مقيما ببغداد، و كان له عمود حديد ثقيل
[1]مقاتل الطالبيين 420.
و الرهق: الخفّة و العربدة. (لسان العرب 5: 345) .
يكون معه في منزله، و ربّما سخط على العبد أو الأمة من حشمه، فيلوي العمود في عنقه، فلا يقدر أحد أن يحلّه عنه حتّى يحلّه يحيى رضى اللّه عنه»[1].
و لمّا ضايقه الأمراء و ضنّوا عليه بجرايته في بيت المال كان يجوع و يعرض عليه الطعام، فيأباه و يقول: «إن عشنا أكلنا»[2].
ثمّ ثار و بلغت أنباء ثورته بغداد، فأقبلت عليهم الجموع المحشودة لقتاله، و أسرع إليه بعض الأعراب فصاح به: «أيّها الرجل، أنت مخدوع..
هذه الخيل قد أقبلت» ، فوثب إلى متن فرسه فجال به، و حمل على قائد القوم فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولّى منهزما و تبعه أصحابه، فجلس معهم ساعة و هو لا يبالي ما يكون[3].
و لمّا تكاثرت عليه الجموع و قتل بعد ذلك، اتّهم الناس صاحبه الهيضم العجلي أنّه كان مدسوسا عليه، و أنّه غرّر به لينكص عنه عند احتدام القتال. فأقسم الرجل بالطلاق أنّه لم يكن له في الهزيمة صنع مدبّر..
قال: «و إنّما كان يحيى يحمل وحده و يرجع، فنهيته عن ذلك، فلم يقبل..
و حمل مرّة كما كان يفعل، فبصرت عيني به و قد صرع في وسط عسكرهم، فلمّا رأيته قتل انصرفت بأصحابي»[4].
و يحيى الشهيد هذا هو الذي قال ابن الرومي[5]جيميّته المشهورة في
[1]مقاتل الطالبيين 420.
[2]تاريخ الطبري 8: 230.
[3]مقاتل الطالبيين 421.
[4]انظر المصدر السابق 422.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (31) .
وصف قتاله و مقتله، و هي طويلة منها قوله يخاطب أمراء زمانه:
فلو شهد الهيجا بقلب أبيكم # غداة التقى الجمعان و الخيل تمعج[1]
لأعطى يد العاني[2]أو ارمدّ هاربا # كما ارمدّ بالقاع الظليم[3]المهيّج
و لكنّه ما زال يغشى بنحره # شبا الحرب حتّى قال ذو الجهل: أهوج
و حاشا له من تلكم غير أنّه # أبى خطّة الأمر الذي هو أسمج
و أين به عن ذاك؟.. لا أين، إنّه # إليه بعرقيه الزكيين محرج
كأنّي به كالليث يحمي عرينه[4]# و أشباله لا يزدهيه[5]المهجهج[6]
[1]معج الفرس: أسرع سيره في سهولة[صحاح اللغة 1: 342] (من المؤلّف) .
[2]العاني: الأسير. (العين للفراهيدي 2: 252) .
[3][الظليم]: ذكر النعام[صحاح اللغة 5: 1978] (من المؤلّف) .
[4]العرين: مأوى الأسد الذي يألفه. (المصباح المنير 406) .
[5]لا يزدهيه، أي: لا يستخفّه. (لسان العرب 6: 106) .
[6]المهجهج: هجهج السبع و هجهج به: صاح به و زجره ليكفّ. (لسان العرب 15: 29) .
كدأب علي في المواطن قبله # -أبي حسن-و الغصن من حيث يخرج
كأنّي أراه إذ هوى عن جواده # و عفّر بالترب الجبين المشجّج
فحبّ به جسما إلى الأرض إذ هوى # و حبّ به روحا إلى اللّه تعرج[1]
و قد أصاب ابن الرومي الوصف و التعليل، فما كان كلّ من يحيى و لا أسلافه من قبله إلاّ عليّا صغيرا يتأسّى بعلي الكبير، أو غصنا زاكيا يخرج من دوحته الكبرى، «و الغصن من حيث يخرج» كما قال، و لو لا قوّة هذه الطبائع في أساس الأسرة الطالبيّة لما انحدرت على هذه الصورة الواضحة بعد ستّة أجيال.
فنحن نرى يحيى بن عمر بعد هذه الأجيال-و هو بعموده الحديدي و جرأته التي لا تتزعزع و يقينه الذي لا يلوى به الإغراء و الوعيد-كأنّما هو نسخة أخرى من جدّه الكبير الذي يحمل باب خيبر و قد أعيا حمله الرجال[2]، و ينهد لعمرو بن ود و قد تهيّبه مئات الأبطال، و يتوسّط الصفوف
[1]وردت الأبيات مع بعض الاختلافات في: ديوان ابن الرومي 1: 307، مقاتل الطالبيين 426.
[2]لاحظ: المغازي للواقدي 2: 655، تاريخ أبي الفداء 1: 201، غزوة خيبر 85 و 98.
حاسرا و قد برزوا له بشكّة القتال و دروع النزال[1].
و لم يكن لبني أميّة-على نقيض هذا-نصيب ملحوظ من الخلائق المثاليّة و الشمائل الدينيّة، و لا كان ظهور النبوّة في أسرة منافسة لأسرتهم من شأنه أن يعزّز مناقبها فيهم كما يعتزّ بها أبناء بيتها و فروع أرومتها، بل لعلّه كان من شأنه أن يجنح بهم من طرف خفي إلى صفات تقابل تلك الصفات، و مزايا تعوّض لهم ما فاتهم من تلك المزايا.. فتمكّنت فيهم-قبل ظهور النبوّة و بعدها-خلائقهم العمليّة التي درّبتهم عليها المساومات التجاريّة و راضهم عليها مراس المطامع السياسيّة. فاشتهر أناس من رؤوسهم بمحاسن هذه الخلائق و معائبها على سواء، و شاعت عنهم صفات:
الحلم[2]و الصبر و الحنكة و الدهاء، كما شاعت عنهم صفات: المراوغة و الجشع و الإقبال على الترف و مناعم الحياة.
و لقد تقابل الحسين بن علي و يزيد بن معاوية في تمثيل الأسرتين، كما تقابلا في كثير من الخلائق و الحظوظ، و لكنّهما تفاوتا في تمثيل أسرتيهما كما تفاوتا في غير ذلك من وجوه الخلاف بينهما. فكان الحسين بن علي نموذجا
[1]قارن: المغازي للواقدي 1: 470-471، الإرشاد 1: 98-99 و 100، إعلام الورى 1: 192 و 380-382، الكامل في التاريخ 2: 124، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 200-201، تاريخ أبي الفداء 1: 195-196.
[2]تمكن المناقشة في هذه الصفة، لاحظ ما ذكره محمّد بن عقيل العلوي في النصائح الكافية 203 و ما بعدها.