أعوان الفريقين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
أعوان الفريقين
رجال المعسكرين
كان الحسين في طريقه إلى الكوفة-يوم دعاه شيعته إليها-يسأل من يلقاهم عن أحوال الناس، فينبّئونه عن موقفهم بينه و بين بني أميّة، و قلّما اختلفوا في الجواب.
سأل الفرزدق[1]و هو خارج من مكّة-و الفرزدق مشهور بالتشيّع لآل البيت-فقال له: «قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أميّة، و القضاء ينزل من السماء، و اللّه يفعل ما يشاء»[2].
و قال له مجمع بن عبيد العامري: «أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم و ملئت غرائرهم فهم قلب واحد عليك، و أمّا سائر الناس بعدهم
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (38) .
[2]أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 165، تاريخ الطبري 4: 589-590، الفتوح لابن أعثم 5: 120، العقد الفريد 5: 133، إعلام الورى 1: 445-446، الكامل في التاريخ 3: 276، البداية و النهاية 8: 166 و 167.
فإنّ قلوبهم تهوى إليك و سيوفهم غدا مشهورة عليك»[1].
و قد أصاب الفرزدق و أصاب مجمع بن عبيد، فإنّ الناس جميعا كانوا بأهوائهم و أفئدتهم مع الحسين بن علي ما لم تكن لهم منفعة موصولة بملك بني أميّة، فهم إذا عليه بالسيوف التي تشهرها الأيدي دون القلوب.
و قد أعظمت الرشوة للرؤساء و أعظمت لهم من بعدها الوعود و الآمال، فعلموا أنّ دوام نعمتهم من دوام ملك بني أميّة.
فأمّا الرؤساء الذين كانت لهم مكانتهم بمعزل عن الملك القائم، فقد كانوا ينصرون حسينا و لا ينصرون الأمويين، أو كانوا يصانعون الأمويين و لا يبلغون بالمصانعة أن يشهروا الحرب على الحسين.
و من هؤلاء هانئ بن عروة من كبار الزعماء في قبائل كندة، و شريك ابن الأعور، و سليمان بن صرد الخزاعي[2]، و كلاهما من ذوي الشرف و الدين.
بل كان من العاملين لبني أميّة من يخزه ضميره إذا بلغ العداء للحسين أشدّه، فيترك معسكر بني أميّة ليلوذ بالمعسكر الذي كتب عليه الموت
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 443، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 172، الكامل في التاريخ 3: 281، البداية و النهاية 8: 173.
و لكن اسم القائل ورد في المصدر الأوّل و الثاني تحت عنوان: مجمع بن عبد اللّه العائذي المذحجي، و ورد في المصدر الثالث: مجمع بن عبيد اللّه العامري، و في المصدر الأخير: مجمع بن عبد اللّه العامري.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (39) .
و البلاء.
كما فعل الحرّ بن يزيد الرياحي في كربلاء و قد رأى القوم يهمّون بقتل الحسين و لا يقنعون بحصاره، فسأل عمر بن سعد[1]قائد الجيش: «أمقاتل أنت هذا الرجل؟» ، فلمّا قال: «نعم» ترك الجيش الأموي، و ذهب يقترب من الحسين حتّى داناه، فقال له: «جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، أنا صاحبك حبستك عن الرجوع و جعجعت[2]بك في هذا المكان، و ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم، و و اللّه لو علمت أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، و إنّي تائب إلى اللّه ممّا صنعت، فهل ترى لي من توبة؟» ، فقبل الحسين توبته، و جعل الرجل يقاتل من ساعتها حتّى قتل، و آخر كلمة على لسانه فاه بها: «السلام عليك يا أبا عبد اللّه!»[3].
فمجمل ما يقال على التحقيق: أنّه لم يكن في معسكر يزيد رجل يعينه على الحسين إلاّ و هو طامع في مال مستميت في طمعه استمامة من يهدر الحرمات و لا يبالي بشيء منها في سبيل الحطام.
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (40) .
[2]في صحاح اللغة (3: 1196) : (و كتب عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد: أن جعجع بحسين. قال الأصمعي: يعني: احبسه، و قال ابن الأعرابي: يعني: ضيّق عليه) .
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 464 و 466-467، الإرشاد 2: 99-100، الكامل في التاريخ 3: 288، مقتل الحسين لكاشف الغطاء 25-27.
و لقد كان لمعاوية مشيرون من ذوي الرأي كعمرو بن العاص و المغيرة ابن شعبة و زياد بن أبيه و أضرابهم من أولئك الدهاة الذين يسمّيهم التأريخ أنصار دول و بناة عروش.
و كان لهم من سمعة معاوية و ذرائعه شعار يدارون به المطامع و يتحلّلون من التأثيم.
لكنّ هؤلاء بادوا جميعا في حياة معاوية[1]، و لم يبق ليزيد مشير واحد ممّن نسمّيهم بأنصار و بناة العروش، و إنّما بقيت له شرذمة على غراره أصدق ما توصف به أنّها شرذمة جلاّدين، يقتلون من أمروا بقتله و يقبضون الأجر فرحين.
فكان أعوان معاوية ساسة و ذوي مشورة، و كان أعوان يزيد جلاّدين و كلاب طراد في صيد كبير.
و كانوا في خلائقهم البدنيّة على المثال الذي يعهد في هذه الطغمة من الناس، و نعني به مثال المسخاء المشوّهين، أولئك تمتلئ صدورهم بالحقد على أبناء آدم و لا سيّما من كان منهم على سواء الخلق و حسن الأحدوثة، فإذا بهم يفرغون حقدهم في عدائه و إن لم ينتفعوا بأجر أو غنيمة، فإذا انتفعوا بالأجر و الغنيمة فذلك هو حقد الضراوة الذي لا تعرف له حدود.
[1]حيث توفّي عمرو بن العاص سنة 43 هـ، و المغيرة بن شعبة سنة 50 هـ، و زياد بن أبيه سنة 53 هـ، و غير هؤلاء كسعيد بن العاص سنة 59 هـ.
راجع مرآة الجنان 1: 97 و 100 و 102 و 106.
و شرّ هؤلاء جميعا هم: شمر بن ذي الجوشن[1]، و مسلم بن عقبة[2]، و عبيد اللّه بن زياد. و يلحق بزمرتهم على مثال قريب من مثالهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص.
فشمر بن ذي الجوشن كان أبرص كريه المنظر قبيح الصورة[3]، و كان يصطنع المذهب الخارجي ليجعله حجّة يحارب بها عليّا و أبناءه، و لكنّه لا يتّخذه حجّة ليحارب بها معاوية و أبناءه، كأنّه يتّخذ الدين حجّة للحقد، ثمّ ينسى الدين و الحقد في حضرة المال.
و مسلم بن عقبة مخلوق مسمّم الطبيعة في مسلاخ إنسان..
«و كان أعور أمغر[4]ثائر الرأس، كأنّما يقلع رجليه من وحل إذا مشى» .
و قد بلغ من ضراوته بالشرّ-و هو شيخ فان مريض-أنّه أباح المدينة في حرم النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ثلاثة أيام، و استعرض أهلها بالسيف جزرا كما يجزر القصّاب الغنم حتّى ساخت الأقدام في الدم، و قتل أبناء المهاجرين و الأنصار و ذرّية أهل بدر، و أخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كلّ من استبقاه من الصحابة و التابعين على أنّه عبد قنّ لأمير المؤمنين[5]!
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (41) .
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (42) .
[3]تذكرة الخواص 285، البداية و النهاية 8: 188.
[4]الأمغر: الأحمر الكدر. (لسان العرب 13: 151) .
[5]تاريخ اليعقوبي 2: 250-251، الفتوح لابن أعثم 5: 293-300، مروج الذهب 3: -
و انطلق جنده في المدينة إلى جوار قبر النبي يأخذون الأموال و يفسقون بالنساء، حتّى بلغ القتلى في تقدير الزهري سبع مائة من وجوه الناس و عشرة آلاف من الموالي[1].
ثمّ كتب إلى يزيد يصف له ما فعل وصف الظافر المتهلّل، فقال-بعد كلام طويل-: «فأدخلنا الخيل عليهم، فما صلّيت الظهر-أصلح اللّه أمير المؤمنين-إلاّ في مسجدهم!بعد القتل الذريع و الانتهاب العظيم، و أوقعنا بهم السيوف، و قتلنا من أشرف لنا منهم، و اتّبعنا مدبرهم، و أجهزنا على جريحهم، و انتهبناها ثلاثا كما قال أمير المؤمنين أعزّ اللّه نصره، و جعلت دور بني الشهيد عثمان بن عفّان في حرز و أمان، و الحمد للّه الذي شفا صدري من قتل أهل الخلاف القديم و النفاق العظيم، فطالما عتوا و قديما ما طغوا!أكتب هذا إلى أمير المؤمنين و أنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا ما أراني إلاّ لما بي، فما كنت أبالي متى متّ بعد يومي هذا»[2].
و كلّ هذا الحقد المتأجّج في هذه الطوية العفنة إنّما هو الحقد في طبائع المسخاء الشائهين.. يوهم نفسه أنّه الحقد من ثأر عثمان أو من خروج قوم على ملك يزيد.
و كان عبيد اللّه بن زياد متّهم النسب في قريش؛ لأنّ أباه زيادا كان
ق-78-80، شفاء الغرام 2: 263-264، أيام العرب في الإسلام 422-430.
[1]تاريخ أبي الفداء 1: 267، البداية و النهاية 8: 221.
[2]الإمامة و السياسة 1: 239-240.