منديل و معها قدح فصبّ منها في القدح و أدناه منه، فإذا هو ينفث الدم في القدح كلّما رفعه للشرب منه حتّى امتلأ و سقطت فيه ثنيتاه، فحمد اللّه و قال: «لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته»[1].
و أدخلوه على عبيد اللّه، فنظر إلى جلسائه و فيهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فناشده القرابة ليسمعنّ منه وصية ينفذها بعد موته، فأبى أن يصغي إليه!.. ثمّ أذن له عبيد اللّه، فقام معه، فقال مسلم: «إنّ عليّ بالكوفة دينا استدنته سبع مائة درهم، فبع سيفي و درعي فاقضها عنّي، و ابعث إلى الحسين من يردّه، فإنّي قد كتبت إليه أعلمه أنّ الناس معه، و لا أراه إلاّ مقبلا» .
فعاد عمر إلى عبيد اللّه، فأفشى له السرّ الذي ناجاه به و أوصاه أن يكتمه. ثمّ دعا عبيد اللّه بالحرسي الذي قاومه مسلم و ضربه على رأسه- و اسمه بكير بن حمران[2]-فأسلم مسلما إليه، و قال له: «لتكن أنت الذي
ق-راجع: الفتوح لابن أعثم 5: 97، الإرشاد 2: 60-61.
و قيل: الغلام اسمه سليم. (مقاتل الطالبيين 70) .
و قيل: بل سليمان. (تاريخ الكوفة 300) .
و قيل: إنّ المنكر هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط، بعث بالقلّة مع غلامه نسيم. (الكامل في التاريخ 3: 273، البداية و النهاية 8: 156) .
[1]راجع جميع فصول هذه القصّة في: الفتوح لابن أعثم 5: 90، مقاتل الطالبيين 68، الإرشاد 2: 57، الكامل في التاريخ 3: 272.
[2]هكذا ورد اسمه في: مروج الذهب 3: 96، مقاتل الطالبيين 71، الكامل في التاريخ-
تضرب عنقه» .
و صعدوا به إلى أعلى القصر، فأشرفوا به على الجموع المحيطة به، و ضربوا عنقه، فسقط رأسه إلى الرحبة و ألقيت جثّته إلى الناس[1]. ثمّ أرسل رأسه إلى يزيد مع رؤوس سراة في المدينة كان مسلم يأوي إليهم أوّل مقدمه إليها، و منهم هانئ بن عروة الذي تقدّمت الإشارة إليه[2].
طلائع الفشل
كان مقتل مسلم بن عقيل في التاسع من ذي الحجّة ليلة العيد، و كان خروج الحسين من مكّة قبل ذلك بيوم واحد[3]، فلم يسمع بمقتله إلاّ و هو في آخر الطريق.
و لمّا شارف العراق أحبّ أن يستوثق مرّة أخرى قبل دخوله، فكتب
ق-3: 274، البداية و النهاية 8: 157، تاريخ الكوفة 301.
و قيل: اسمه أحمر بن بكير. (الأخبار الطوال 241) .
و قيل: بكر بن حمران. (الإرشاد 2: 63) .
و عدّ ابن أعثم هذا الشخص من عداد المقتولين بسيف ابن عقيل في الفتوح 5: 95- 96.
[1]قارن: الأخبار الطوال 241، الفتوح لابن أعثم 5: 100-101، العقد الفريد 5:
127-128، الإرشاد 2: 61، البداية و النهاية 8: 157، أيام العرب في الإسلام 411.
[2]الأخبار الطوال 242، الإرشاد 2: 65، الكامل في التاريخ 3: 275، تذكرة الخواص 243.
[3]الفتوح لابن أعثم 5: 87-88، تذكرة الخواص 245، الدرّ النظيم 546.
إلى أهل الكوفة كتابا مع قيس بن مسهر الصيداوي يخبرهم بمقدمه و يحضّهم على الجدّ و التساند، فوافى قيس القادسيّة، و قد رصد فيها شرط عبيد اللّه، فاعتقلوه و أشخصوه إليه.. فأمره عبيد اللّه أن يصعد القصر فيسبّ «الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي!» و ينهى الناس أن يطيعوه.
فصعد قيس، و قال: «أيّها الناس، إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق اللّه، ابن فاطمة بنت رسول اللّه، و أنا رسوله إليكم، و قد فارقته بالحاجز فأجيبوه، و العنوا عبيد اللّه بن زياد و أباه» .
فما كان منهم إلاّ أن قذفوا به من حالق، فمات[1].
و حدث مثل هذا مع عبد اللّه بن يقطر، فأبى أن يلعن الحسين، و لعن عبيد اللّه بن زياد، فألقوا به من شرفات القصر إلى الأرض، فاندكّت عظامه و لم يمت، فذبحوه[2].
و جعل الحسين كلّما سأل قادما من العراق أنبأه بمقتل رسول من رسله أو داعية من دعاته، فأشار عليه بعض صحبه بالرجوع، و قال له غيرهم: «ما أنت مثل مسلم بن عقيل، و لو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع» .
و وثب بنو عقيل فأقسموا لا يبرحون حتّى يدركوا ثأرهم أو يذوقوا
[1]الفتوح لابن أعثم 5: 145-147، الإرشاد 2: 70-71، البداية و النهاية 8: 168، تاريخ الكوفة 293.
[2]الإرشاد 2: 75، الكامل في التاريخ 3: 278، البداية و النهاية 8: 168، تاريخ الكوفة 292.
ما ذاق مسلم[1].
و لم ير الحسين-بعد ذلك-أن يصحب معه أحدا إلاّ على بصيرة من أمره و ما هو لاقيه إن تقدّم و لم ينصرف لشأنه، فخطب الرهط الذين صحبوه، و قال لهم: «قد خذلنا شيعتنا.. فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام» .. فتفرّقوا إلاّ أهل بيته و قليلا ممّن تبعوه في الطريق[2].
الحسين و الحرّ بن يزيد
و التقى الركب عند جبل ذي حسم بطلائع جيش عبيد اللّه يقودها الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي في ألف فارس، أمروا بأن لا يدعوا الحسين حتّى يقدموا به على عبيد اللّه في الكوفة.
فأمر الحسين مؤذّنه بالآذان لصلاة الظهر، و خطب أصحابه و أصحاب الحرّ بن يزيد، فقال:
- «أيّها الناس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم و رسلكم أن أقدم علينا فليس لنا إمام، لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدى و الحقّ. فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم و مواثيقكم أقدم مصركم، و إن لم تفعلوا أو كنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه» .
[1]الإرشاد 2: 75، الكامل في التاريخ 3: 278.
[2]تاريخ الطبري 4: 601، مقاتل الطالبيين 73، الإرشاد 2: 75-76، الكامل في التاريخ 3: 278، البداية و النهاية 8: 169.
فلم يجبه أحد..
فقال للمؤذّن:
- «أقم الصلاة» .
و سأل الحرّ:
- «أتريد أن تصلّي أنت بأصحابك و أصلّي بأصحابي؟» .
فقال الحرّ:
- «بل نصلّي جميعا بصلاتك»[1].
ثمّ تياسر الحسين إلى طريق العذيب[2]فبلغها و فرسان عبيد اللّه يلازمونه و يصرّون على أخذه إلى أميرهم و صدّه عن وجهته حيثما اتّجه غير وجهتهم، فأقبل عليهم يعظهم و هم يصغون إليه، فقال:
«أيّها الناس، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه مخالفا لسنّة رسول اللّه يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل و لا قول كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله. ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمان، و أظهروا الفساد، و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّه و حرّموا
[1]إعلام الورى 1: 448، المنتظم 5: 335، سمط النجوم العوالي 3: 173-174.
[2]العذيب: ماء بين القادسيّة و المغيثة يبعد عن الأولى بأربعة أميال و عن الثانية باثنين و ثلاثين ميلا، و قيل: هو واد لبني تميم و هو منازل حاجّ الكوفة، و قيل: هو حدّ السواد.
(معجم البلدان 3: 304) .
حلاله، و أنا أحقّ من غيري. و قد أتتني كتبكم و رسلكم ببيعتكم و أنّكم لا تسلّمونني و لا تخذلونني، فإن بقيتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، و أنا الحسين بن علي و ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، نفسي مع أنفسكم و أهلي من أهلكم، فلكم فيّ أسوة. و إن لم تفعلوا و نقضتم عهدي و خلعتم بيعتي، فلعمري ما هي لكم بنكير، و المغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم و نصيبكم ضيّعتم، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و سيغني اللّه عنكم، و السلام» .
فأنصت الحرّ بن يزيد و أصحابه، ثمّ توجّه إليه يحذّره العاقبة و ينبّئه:
«لئن قاتلت لتقتلنّ!» .
فصاح به الحسين:
- «أبا لموت تخوّفني!.. ما أدري ما أقول لك؟.. و لكنّي أقول كما قال أخو الأوس لابن عمر و هو يريد نصرة رسول اللّه، فخوّفه ابن عمر و أنذره أنّه لمقتول، فأنشد:
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى # إذا ما نوى خيرا و جاهد مسلما
و آسى الرجال الصالحين بنفسه # و خالف مثبورا و فارق مجرما
فإن عشت لم أندم و إن مت لم ألم # كفى بك ذلا أن تعيش و ترغما[1]»
ثمّ سار الركبان ينظر بعضهما إلى بعض كلّما مال الحسين نحو البادية
[1]لاحظ: تاريخ أبي مخنف 1: 442-443، الإرشاد 2: 80-81، الكامل في التاريخ 3: 280-281، البداية و النهاية 8: 172-173، سمط النجوم العوالي 3: 174.
أسرع الحرّ بن يزيد فردّه نحو الكوفة. حتّى نزلا بنينوى[1]، فإذا راكب مقبل عليه بالسلاح، يحيي الحرّ و لا يحيي الحسين، ثمّ أسلم الحرّ كتابا من عبيد اللّه يقول فيه: «أمّا بعد: فجعجع بالحسين حتّى يبلغك كتابي و يقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن و على غير ماء.. و قد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، و السلام» .
فلمّا بدا من الحرّ بن يزيد أنّه يريد أن ينفذ أمر عبيد اللّه بن زياد و يخشى رقيبه الذي أمر ألاّ يفارقه حتّى ينفذ أمره، قال أحد أصحاب الحسين-زهير بن القين-: «إنّه لا يكون-و اللّه-بعد ما ترون إلاّ ما هو أشدّ منه. يا ابن رسول اللّه!.. إنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم. فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به. فهلمّ نناجز هؤلاء» . فأعرض الحسين عن مشورته، و قال: «إنّي أكره أن أبدأهم بقتال»[2].
عمر بن سعد
و كان الديلم قد ثاروا على يزيد بن معاوية و استولوا على دستبى[3]
[1]نينوى: ناحية بسواد الكوفة. (معجم البلدان 4: 429، موسوعة العتبات المقدّسة 8:
32) .
[2]راجع: الأخبار الطوال 251، الإرشاد 2: 83-84، المنتظم 5: 336، الكامل في التاريخ 3: 282.
[3]دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري و همذان، فقسم منها يسمّى دستبى-
بأرض همذان، فجمع لهم عبيد اللّه بن زياد جيشا عدّته أربعة آلاف فارس بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقّاص الذي يذكر الديلم اسم أبيه سعد فاتح بلادهم، و قد وعد بولاية الري بعد قمع الثورة الديلميّة[1].
فلمّا قدم الحسين إلى العراق قال عبيد اللّه لعمر:
- «نفرغ من الحسين، ثمّ تسير إلى عملك» .
فاستعفاه، و علم عبيد اللّه موطن هواه، فقال له:
- «نعم، نعفيك على أن تردّ إلينا عهدنا» .
فاستمهله حتّى يراجع نصحاءه.. فنصح له ابن أخته حمزة بن المغيرة ابن شعبة[2]-و هو من أكبر أعوان معاوية-ألاّ يقبل مقاتلة الحسين، و قال له:
- «و اللّه لأن تخرج من دنياك و مالك و سلطان الأرض لو كان لك، خير من أن تلقى اللّه بدم الحسين»[3].
و بات ليلته يقلّب وجوه رأيه، حتّى إذا أصبح ذهب إلى ابن زياد،
ق-الرازي و هو يقارب التسعين قرية، و قسم منها يسمى دستبى همدان و هو عدّة قرى.
(معجم البلدان 2: 300 و 316) .
[1]تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 11، البداية و النهاية 8:
174، سمط النجوم العوالي 3: 157.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (50) .
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 447، تاريخ الطبري 4: 610، سمط النجوم العوالي 3: 175.
غ