بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 197

هل أصاب؟

خطأ الشهداء

خروج الحسين من مكّة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليوميّة؛ لأنّها حركة من أندر حركات التأريخ في باب الدعوة الدينيّة أو الدعوة السياسيّة.. لا تتكرر كلّ يوم، و لا يقوم بها كلّ رجل، و لا يأتي الخطأ فيها-إن أصابت-من نحو واحد ينحصر القول فيه، و لا يأتي الخطأ فيها-إن أخطأت-من سبب واحد يمتنع الاختلاف عليه. و قد يكون العرف فيها بين أصوب الصواب و أخطأ الخطأ فرقا صغيرا من فعل المصادفة و التوفيق، فهو خليق أن يذهب إلى النقيضين.

هي حركة لا يأتي بها إلاّ رجال خلقوا لأمثالها، فلا تخطر لغيرهم على بال؛ لأنّها تعلو على حكم الواقع القريب الذي يتوّخاه في مقاصده سالك الطريق اللاحب و الدرب المطروق.

هي حركة فذّة يقدم عليها رجال أفذاذ، من اللغو أن ندينهم بما يعمله رجال من غير هذا المعدن و على غير هذه الوتيرة؛ لأنّهم يحسّون و يفهمون و يطلبون غير الذي يحسّه و يفهمه و يطلبه أولئك الرجال.


صفحه 198

هي ليست ضربة مغامر من مغامري السياسة، و لا صفقة مساوم من مساومي التجارة، و لا وسيلة متوسّل ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه، و لكنّها وسيلة من يدين نفسه و يدين الدنيا برأي من الآراء هو مؤمن به و مؤمن بوجوب إيمان الناس به دون غيره.. فإن قبلته الدنيا قبلها، و إن لم تقبله فسيّان عنده فواته بالموت أو فواته بالحياة، بل لعلّ فواته بالموت أشهى إليه.

هي حركة لا تقاس إذا بمقياس المغامرات و لا الصفقات، و لكنّها تقاس بمقياسها الذي لا يتكرّر و لا يستعاد على الطلب من كلّ رجل أو في كلّ أوان.

و لا ننسى أنّ السنين الستّين التي انقضت بعد حركة الحسين، قد انقضت في ظل دولة تقوم على تخطئته في كلّ شي‌ء و تصويب مقاتليه في كلّ شي‌ء.

إنّ القول بصواب الحسين معناه: القول ببطلان تلك الدولة، و التماس العذر له معناه: إلقاء الذنب عليها. و ليس بخاف على أحد كيف ينسى الحياء و تبتذل القرائح أحيانا في تنزيه السلطان القائم و تأثيم السلطان الذاهب.

فليس الحكم على صواب الحسين أو على خطئه إذن بالأمر الذي يرجع فيه إلى أولئك الصنائع المتزلّفين الذين يرهبون سيف الدولة القائمة و يغنمون من عطائها، و لا لصنائع مثلهم يرهبون بعد ذلك سيفا غير ذلك السيف و يغنمون من عطاء غير ذلك العطاء.


صفحه 199

إنّما الحكم في صواب الحسين و خطئه لأمرين لا يختلفان باختلاف الزمان و أصحاب السلطان، و هما: البواعث النفسيّة التي تدور على طبيعة الإنسان الباقية، و النتائج المقررة التي مثلت للعيان باتّفاق الأقوال.

و بكلّ من هذين المقياسين القويين نقيس حركة الحسين في خروجه على يزيد بن معاوية، فنقول: إنّه قد أصاب.

أصاب إذا نظرنا إلى بواعثه النفسيّة التي تهيمن عليه، و لا يتخيّل العقل أن تهيمن عليه بواعث غيرها.

و أصاب إذا نظرنا إلى نتائج الحركة كلّها نظرة واسعة، لا يستطيع أن يجادل فيها من يأخذ الأمور بسنّة الواقع و المصلحة، أو من يأخذ الأمور بسنّة النجدة و المروءة.

فما هي البواعث النفسيّة التي قامت بنفس الحسين يوم دعي في المدينة بعد موت معاوية لمبايعة ابنه يزيد؟

هي بواعث تدعوه كلّها أن يفعل ما فعل و لا تدعو مثله إلى صنيع غير ذلك الصنيع.

و خير لبني الإنسان ألف مرّة أن يكون فيهم خلق كخلق الحسين الذي أغضب يزيد بن معاوية، من أن يكون جميع بني الإنسان على ذلك الخلق الذي يرضى به يزيد.

فأوّل ما ينبغي أن نذكره لفهم البواعث النفسيّة التي خامرت نفس الحسين في تلك المحنة الأليمة: أنّ بيعة يزيد لم تكن بالبيعة المستقرّة و لا بالبيعة التي يضمن لها الدوام في تقدير صحيح.


صفحه 200

فهي بيعة نشأت في مهد الدسّ و التمليق، و لم يجسر معاوية عليها حتّى شجّعه عليها من له مصلحة ملحّة في ذلك التشجيع.

كان المغيرة بن شعبة واليا لمعاوية على الكوفة، ثمّ همّ بعزله و إسناد ولايته إلى سعيد بن العاص جريا على عادته في إضعاف الولاة قبل تمكّنهم، و ضرب فريق منهم بفريق حتّى يعينه بعضهم على بعض و لا يتّفقوا عليه.

فلمّا أحسّ المغيرة نيّة معاوية، قدم الشام و دخل على يزيد و قال له كالمستفهم المتعجّب:

- «لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟» .

و لم يكن يزيد نفسه يصدّق أنّه أهل لها أو أنّ بيعته ممّا يتمّ بين المسلمين على هيّنة.

فقال للمغيرة:

- «أو ترى ذلك يتمّ؟» .

فأراه المغيرة أنّه ليس بالعسير إذا أراده أبوه..

و أخبر يزيد أباه بما قال المغيرة، فعلم هذا أنّ فرصته سانحة و أنّه سيبادل معاوية رشوة آجلة برشوة عاجلة.. يرشوه بإعانته على بيعة يزيد، و يأخذ منه الرشوة ببقائه على ولاية الكوفة إلى أن يقضي في أمر هذه البيعة، و له في التمهيد لها نصيب.

فلمّا لقى معاوية سأله هذا عمّا أخبره به يزيد، فأعاده عليه و هو يزخرفه له بما يرضيه. قال:


صفحه 201

- «قد رأيت ما كان من سفك الدماء و الاختلاف بعد عثمان، و في يزيد منك خلف فاعقد له، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس و خلفا منك، و لا تسفك دماء و لا تكون فتنة» .

فسأله معاوية و هو يتهيّب و يتأنّى:

- «و من لي بذلك؟» ..

قال:

- «أكفيك أهل الكوفة، و يكفيك زياد أهل البصرة، و ليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك» .

فردّه معاوية إلى عمله كما كان يتمنّى، و أوصاه و من معه ألاّ يتعجّلوا بإظهار هذه النيّة.

ثمّ استشار زياد بن أبي سفيان، فأطلع هذا بعض خاصّته على الأمر، و هو يقول:

- «إنّ أمير المؤمنين يتخوّف نفرة الناس و يرجو طاعتهم.. و يزيد صاحب رسلة و تهاون مع ما قد أولع به من الصيد.. فالق أمير المؤمنين و أدّ إليه فعلات يزيد، و قل له: رويدك بالأمر، فأحرى أن يتمّ لك، و لا تعجل فإنّ دركا في تأخير خير من فوت في عجلة» .

فأشار عليه صاحبه «ألاّ يفسد على معاوية رأيه و لا يبغّضه في ابنه» ، و عرض عليه أن يلقي يزيد فيخبره أنّ أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له و أنّك تتخوّف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه،


صفحه 202

و أنّك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجّة على الناس‌[1].

و قالوا: إنّ يزيد كفّ عن كثير ممّا كان يصنع بعد هذه النصيحة[2]، و إنّ معاوية أخذ برأي زياد في التؤدة، فلم يجهر بعقد البيعة حتّى مات زياد.

و قد أحسّ معاوية الامتعاض من بيته قبل أن يحسّه من الغرباء عنه.

فكانت امرأته فاختة بنت قرظة بن حبيب بن عبد شمس تكره بيعة يزيد، و تودّ لو آثر بالبيعة ابنها عبد اللّه، فقالت له:

- «ما أشار به عليك المغيرة؟.. أراد أن يجعل لك عدوّا من نفسك يتمنّى هلاكك كلّ يوم» .

و اشتدّت نقمة مروان بن الحكم-و هو أقرب الأقرباء إلى معاوية- حين بلغته دعوة العهد ليزيد، فأبى أن يأخذ العهد له من أهل المدينة، و كتب إلى معاوية: «إنّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك» .

فعزله معاوية من ولاية المدينة، و ولاّها سعيد بن العاص.

فأوشك مروان أن يثور و يعلن الخورج، و ذهب إلى أخواله من بني كنانة، فنصروه، و قالوا له:

- «نحن نبلك في يدك و سيفك في قرابك. فمن رميته بنا أصبناه و من

[1]تاريخ الطبري 4: 518-519، المنتظم 5: 285-286، الكامل في التاريخ 3:

249-250، تاريخ الخلفاء للسيوطي 205، سمط النجوم العوالي 3: 147-148.

[2]كابن كثير-على عادته-في البداية و النهاية 8: 79.

غ


صفحه 203

ضربته قطعناه.. الرأي رأيك، و نحن طوع يمينك» .

ثمّ أقبل مروان في وفد منهم كثير إلى دمشق، فذهب إلى قصر معاوية و قد أذن للناس، فمنعه الحاجب؛ لكثرة من رأى معه، فضربوه، و اقتحموا الباب. و دخل مروان و هم معه حتّى سلّم على معاوية و أغلظ له القول.

فخاف معاوية هذا الجمع من وجوه قومه و ترضّى مروان ما استطاع، و جعل له ألف دينار كلّ شهر و مائة لمن كان معه من أهل بيته‌[1].

و لم يكن مروان وحده بالغاضب بين بني أميّة من بيعة يزيد، بل كان سعيد بن عثمان بن عفّان يرى أنّه أحقّ منه بالخلافة؛ لأنّه ابن عثمان الذي تذرّع معاوية إلى الخلافة باسمه. فقال لمعاوية:

- «يا أمير المؤمنين!علام تبايع ليزيد و تتركني!.. فو اللّه لتعلم أنّ أبي خير من أبيه، و أمّي خير من أمّه، و أنّك إنّما نلت ما نلت بأبي» .

فسرّى معاوية عنه، و قال له ضاحكا هاشّا:

- «يا ابن أخي!.. أمّا قولك: إنّ أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، و أمّا قولك: إنّ أمّك خير من أمّه، ففضل قرشيّة على كلبيّة فضل بيّن، و أمّا أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنّما الملك يؤتيه اللّه من يشاء.. قتل أبوك;فتواكلته بنو العاص و قامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منّة عليك، و أمّا أن تكون خيرا من يزيد فو اللّه ما أحبّ أنّ داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد. و لكن دعني من هذا القول، و سلني

[1]الإمامة و السياسة 1: 197-199، مروج الذهب 3: 38.


صفحه 204

أعطك» ، و ولاّه خراسان‌[1].

فكان أكبر بني أميّة أعظمهم أملا في الخلافة بعد معاوية، و كان بغضهم لبيعة يزيد على قدر أملهم فيها، و هؤلاء-و إن جمعتهم مصلحة الأسرة فترة من الزمن-لم تكن منافستهم هذه ليزيد بالعلامة التي تؤذن بالبقاء و تبشّره بالضمان و القرار.

و على هذا النحو ولدت بيعة يزيد بين التوجّس و المساومة و الإكراه، و بهذه الجفوة قوبلت بين أخلص الأعوان و أقرب القرباء.

و ظهر من اللحظات الأولى أنّ المغيرة بن شعبة كان سمسارا يصافق على ما لا يملك.. فقد ضمن الكوفة و البصرة و منع الخلاف في غيرهما.

فإذا الكوفة أوّل من كره بيعة يزيد، و إذا البصرة تتلكّأ في الجواب و واليها يرجئ الأمر و يوصي بالتمهّل فيه فلا يقدم عليه معاوية في حياته، و إذا أطراف الدولة من ناحية همذان تثور، و إذا بالحجاز يستعصي على بني أميّة سنوات، و إذا باليمن ليس فيها نصير للأمويين، و لو وجدت خارجا يعلن الثورة عليهم لكانت ثورتها كثورة الحجاز.

بل يجوز أن يقال-ممّا ظهر في حركة الحسين كلّ الظهور-: إنّ الشام نفسها لم تنطو على رجل يؤمن بحقّ يزيد و بطلان دعوى الحسين.

فقد كانوا يتحرّجون من حرب الحسين و يتسلّل من استطاع منهم التسلّل قبل لقائه، إلاّ أن يهدّد بقطع الأرزاق و قطع الرقاب.

[1]الإمامة و السياسة 1: 213-214، الفتوح لابن أعثم 4: 184-185، الأغاني 18:

187-188، الكامل في التاريخ 3: 253، البداية و النهاية 8: 79 و 80.