بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 219

كربلاء


صفحه 220

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 221

كربلاء

الحرم المقدّس‌

عرفت قديما باسم «كور بابل»[1]ثمّ صحّفت إلى كربلاء، فجعلها هذا التصحيف عرضة لتصحيف آخر يجمع بين الكرب و البلاء، كما رسمها بعض الشعراء[2].

و لم يكن لها ما تذكر به في أقرب جيرة لها فضلا عن أرجاء الدنيا البعيدة منها.. فليس لها من موقعها و لا من تربتها و لا من حوادثها ما يغري أحدا برؤيتها ثمّ يثبت في ذاكرة من يراها ساعة يرحل عنها.

فلعلّ الزمن كان خليقا أن يعبر بها سنة بعد سنة و عصرا بعد عصر، دون أن يسمع لها اسم أو يحسّ لها بوجود.. إلاّ أن تذكر «نينوى»

[1]نهضة الحسين 89.

[2]و هو الشريف الرضي في قوله:

كربلاء لا زلت كربا و بلا # ما لقي عندك آل المصطفى‌

راجع: ديوان الشريف الرضي 1: 44، موسوعة العتبات المقدّسة 8: 221.


صفحه 222

و جيرتها، فتدخل في زمرة تلك الجيرة بغير حساب.

و شاءت مصادفة من المصادفات أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن حيل بينه و بين كلّ وجهة أخرى، فاقترن تأريخها منذ ذلك اليوم بتأريخ الإسلام كلّه. و من حقّه أن يقترن بتأريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحقّ بها التنويه و التخليد.

فهي اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة و الذكرى، و يزوره غير المسلمين للنظر و المشاهدة، و لكنّها لو أعطيت حقّها من التنويه و التخليد، لحقّ لها أن تصبح مزارا لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيبا من القداسة و حظّا من الفضيلة؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل و المناقب أسمى و ألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين فيها.

فكلّ صفة من تلك الصفات العلويّة التي بها الإنسان إنسان و بغيرها لا يحسب غير ضرب من الحيوان السائم.. فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسين رضى اللّه عنه في تلك البقعة الجرداء.

و ليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل و لا ألزم له من الإيمان و الفداء و الإيثار و يقظة الضمير و تعظيم الحقّ و رعاية الواجب و الجلد في المحنة و الأنفة من الضيم و الشجاعة في وجه الموت المحتوم..

و هي-و مثيلات لها من طرازها-هي التي تجلّت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحسين، و لم تجتمع كلّها و لا تجلّت قط في موطن من المواطن تجلّيها في تلك الحوادث، و قد شاء القدر أن تكون في جانب منها


صفحه 223

أشرف ما يشرّف به أبناء آدم؛ لأنّها في الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات.

و حسبك من تقويم الأخلاق في تلك النفوس أنّه ما من أحد قتل في كربلاء إلاّ كان في وسعه أن يتجنّب القتل بكلمة أو بخطوة، و لكنّهم جميعا آثروا الموت عطاشا جياعا مناضلين على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة؛ لأنّهم آثروا جمال الأخلاق على متاع الحياة.

أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها و قدوتها أنّهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم، و لن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلاّ أن يكون هو أهلا للاستشهاد في سبيله و سبيل دعوته و أن يكون في سليقة الشهيد الذي يأتمّ به الشهداء.

نموت معك‌

أقبل الفتى الصغير علي بن الحسين‌[1]على أبيه-و قد علم أنّهم مخيّرون بين الموت و التسليم-فسأله:

- «ألسنا على الحقّ؟» .

قال الوالد المنجب النجيب:

- «بلى، و الذي يرجع إليه العباد» .

فقال الفتى:

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (52) .


صفحه 224

- «يا أبه!.. فإذن لا نبالي‌[1]!» .

و هكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ و عليه يموتون.

و أراد الحسين-و قد علم أنّ التسليم لا يكون-أن يبقى للموت وحده و ألاّ يعرّض له أحدا من صحبه.

فجمعهم مرّة بعد مرّة و هو يقول لهم في كلّ مرّة: «لقد بررتم و عاونتم و القوم لا يريدون غيري، و لو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا.. فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده و انجوا بأنفسكم»[2].

فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك و لم يرد النجاة، و فزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات و البقاء.

و قالوا له-كأنّهم يتكلّمون بلسان واحد-: «معاذ اللّه و الشهر الحرام.. ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا و ابن سيّدنا و عمادنا، تركناه غرضا للنبل و دريئة للرماح و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة في الحياة؟!معاذ اللّه.. بل نحيا بحياتك و نموت معك» .

قالوا له: «نموت معك و لك رأيك» .. و لم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثارا لنجاتهم و نجاته. و لو خادعوا أنفسهم قليلا لزيّنوا له التسليم و سمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة، و لكنّهم لم يخادعوا

[1]تاريخ أبي مخنف 1: 446، إعلام الورى 1: 450، الكامل في التاريخ 3: 282، نهضة الحسين 115-116.

[2]الإرشاد 2: 91-92، إعلام الورى 1: 455-456، البداية و النهاية 8: 176-177.


صفحه 225

أنفسهم و لم يخادعوه، و رأوا أصدق النصيحة له أن يجنّبوه التسليم و لا يجنّبوه الموت، و هم جميعا على ذلك.

و لم يكونوا جميعا من ذوي عمومته و قرباه، بل كان منهم غرباء نصحوا له و لأنفسهم هذه النصيحة التي ترهب العار و لا ترهب الموت.

فقال له زهير بن القين: «و للّه لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أقتل هكذا ألف مرّة، و يدفع اللّه بذلك الفشل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك»[1].

و قال مسلم بن عوسجة-كأنّه يعتب لما اختار له من السلامة-:

«أنحن نخلّي عنك؟!و بم نعتذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!لا و اللّه حتّى أطعن في صدورهم برمحي و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. و أمّا و اللّه لو علمت أنّني أقتل ثمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أذرى و يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقي حمامي دونك»[2].

وجي‌ء إلى رجل من أصحابه الغرباء بنبأ عن ابنه في فتنة الديلم، فعلم أنّ الديلم أسروه و لا يفكّون إساره بغير فداء، فأذن له الحسين أن ينصرف و هو في حلّ من بيعته و يعطيه فداء ابنه. فأبى الرجل إباء شديدا، و قال: «عند اللّه أحتسبه و نفسي» ، ثمّ قال للحسين: «هيهات أن أفارقك

[1]تاريخ أبي مخنف 1: 456، إعلام الورى 1: 456.

[2]راجع المصدرين السابقين بالإضافة إلى البداية و النهاية 8: 177.

غ


صفحه 226

ثمّ أسأل الركبان عن خبرك.. لا يكن-و اللّه-هذا أبدا»[1].

و قد تناهت هذه المناقب إلى مداها الأعلى في نفس قائدهم الكريم..

يخيّل إلى الناظر في أعماله بكربلاء أنّ خلائقه الشريفة كانت في سباق بينها أيّها يظفر بفخار اليوم كلّه، فلا يدري أكان في شجاعته أشجع، أم في صبره أصبر، أم في كرمه أكرم، أم في إيمانه و أنفته و غيرته على الحقّ بالغا من تلك المناقب المثلى أقصى مداه..

إلاّ أنّه كان يوم الشجاعة لا مراء، و كانت الشجاعة فضيلة الفضائل التي تمدّها سائرها بروافد من كلّ خلق نبيل يعينها على شأنها.

فكان الحسين-شبل علي-في شجاعته الروحيّة و البدنيّة معا في غاية الغايات، و كان مضرب المثل بين الرعيل الأوّل من أشجع الشجعان في أبناء آدم و حوّاء.

ملك جأشه و كلّ شي‌ء من حوله يوهن الجأش، و يحلّ عقدة العزم، و يغري بالدعة و المجاراة.

ملك جأشه و من حوله نساؤه و أبناؤه في نضارة العمر، يجوعون و يظمأون، و يتشبثون به و يبكون.

و ملك جأشه روية و أناة، و لم يملكه و ثبة واثب إلى الغضب أو هيجة مهتاج إلى الوغى.

فكان قبل القتال و في حومة القتال قويّا بصيرا ينفض الضعف عن

[1]مقاتل الطالبيين 78.