عزائمه، كما ينفض الأسد غبرات الحصاء عن لبده[1]، و لم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب إلاّ من أجل أحبّائه و أعزائه الذين يراهم و يرونه و يسمع صيحتهم و يسمعونه.
فقال و هو ينظر إلى الأخبية و من فيها: «للّه درّ ابن عبّاس فيما أشار به عليّ!»[2].
و جلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاما له بين يديه و يرتجز- و أمامه ابنه العليل-:
يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالإشراق و الأصيل
من صاحب و ماجد قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل
و الأمر في ذاك إلى الجليل # و كلّ حيّ سالك سبيلي
فردّ ابنه عبرته لكيلا يزيده ألما على ألمه.
و سمعته أخته زينب، فلم تقو على حنانها و وجلها، و خرجت إليه من خبائها حاسرة تنادي: «وا ثكلاه!اليوم مات جدّي رسول اللّه و أمّي فاطمة الزهراء و أبي علي و أخي الحسن، فليت الموت أعدمني الحياة..
يا حسيناه!يا بقيّة الماضين و ثمالة الباقين!» .
فبكى لبكائها، و لم ينثن ذرّة عن عزمه الذي بات عليه، و قال لها:
- «يا أخت!لو ترك القطا لنام»[3].. و لم يزل يناشدها و يعزّيها، و هو
[1]لبدة الأسد: الزبرة من الشعر المتراكم بين كتفيه. (جمهرة اللغة 1: 301) .
[2]الكامل في التاريخ 3: 287، البداية و النهاية 8: 179.
[3]هذا مثل يضرب للرجل يستثار لشيء فيثور.
راجع: جمهرة الأمثال 2: 194-195 و 432، مجمع الأمثال 2: 161.
في قرارة نفسه مستقرّ كالطود على مواجهة الموت و إباء التسليم أو النزول على «حكم ابن مرجانة» كما قال.. ثمّ احتملها مغشيا عليها حتّى أدخلها الخباء[1].
تزول الممالك و تدول الدول و تنجح المطامع أو تخيب و تحضر المطالب أو تغيب، و هذه الخلائق العلويّة في صدر الإنسان أحقّ بالبقاء من الممالك و ما حوته، و من الدول و ما حفظته أو ضيّعته، بل أحقّ بالبقاء من رواسي الأرض و كواكب السماء.
حرب النور و الظلام
و كانت فئة الحسين صغيرة-كما علمنا-قد رصدت لها هنالك تلك الفئة الكبيرة التي تناقضها أتمّ ما يكون التناقض بين طرفين، و تباعدها أبعد ما تكون المسافة بين قطبين، فكلّ ما فيها أرضي مظلم مسف بالغ في الإسفاف[2]، و ليس فيها من النفحة العلويّة نصيب.
أللمصادفات نظام و تدبير؟!
نحن لا نعلم إلاّ أنّها مصادفات يخفي علينا ما بينها من الوشائج و الصلات.. و لكنّها-لذلك-هي الأعاجيب التي تستوقف النظر لعجبها
[1]انظر: تاريخ أبي مخنف 1: 457-458، الإرشاد 2: 93-94، إعلام الورى 1:
456-457، الكامل في التاريخ 3: 285-286.
[2]السفساف: الرديء من كلّ شيء و الأمر الحقير. (لسان العرب 6: 284) .
العاجب و إن لم تستوقفه لما يفهمه فيها من نظام و تدبير.
فجيرة كربلاء كانت قديما من معاهد الإيمان بحرب النور و الظلام، و كان حولها أناس يؤمنون بالنضال الدائم بين أورمزد و أهرمان[1]..
و لكنّه كان في حقيقته ضربا من المجاز و فنّا من الخيال.
و تشاء مصادفات التأريخ إلاّ أن ترى هذه البقاع التي آمنت بأورمزد و أهرمان حربا هي أولى أن تسمّى حرب النور و الظلام من حرب الحسين و مقاتليه.
و هي عندنا أولى بهذه التسمية من حروب الإسلام و المجوسيّة في تلك البقاع و ما وراءها من الأرض الفارسيّة؛ لأنّ المجوسي كان يدافع شيئا ينكره.. ففي دفاعه معنى من الإيمان بالواجب كما تخيّله ورآه، و لكنّ الجيش الذي أرسله عبيد اللّه بن زياد لحرب الحسين كان جيشا يحارب قلبه لأجل بطنه أو يحارب ربّه لأجل و اليه؛ إذ لم يكن فيهم رجل واحد يؤمن ببطلان دعوى الحسين أو رجحان حقّ يزيد، و لم يكن فيهم كافر ينفح عن عقيدة غير عقيدة الإسلام، إلاّ من طوى قلبه على كفر كمين هو مخفيه، و لا نخالهم كثيرين.
و لو كانوا يحاربون عقيدة بعقيدة لما لصقت بهم و صمة النفاق و مسبّة الأخلاق.. فعداوتهم ما علموا أنّه الحقّ و شعروا أنّه الواجب أقبح بهم من
[1]أورمزد و أهريمان: الأوّل إله الخير و الثاني إله الشرّ في الديانة الزرادشتية. (المنجد في الأعلام 80) .
عداوة المرء ما هو جاهله بعقله و معرض عنه بشعوره؛ لأنّهم يحاربون الحقّ و هم يعلمون.
و من ثمّ كانوا في موقفهم ذاك ظلاما مطبقا، ليس فيه من شعور الواجب بصيص[1]واحد من عالم النور و الفداء.. فكانوا حقّا في يوم كربلاء قوّة من عالم الظلام تكافح قوّة من عالم النور.
أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق و الرهبة؛ لأنّهم أكرهوه بالسيف على غير ما يريد.. فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء.
و كان منهم أناس كتبوا إلى الحسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه على حرب يزيد، فلمّا ندبهم عمر بن سعد للقائه و سؤاله أحجموا عمّا ندبهم له و استعفوه؛ لأنّ جوابهم إن سألوه في شأن مجيئه إليهم: إنّني جئتكم ملبّيا ما دعوتم إليه!
و ركب أناسا منهم الفزع الدائم بقيّة حياتهم؛ لأنّهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفانا لا تسعهم المغالطة فيه، و من هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول:
- «قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود.. فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصبح فما يبقى أحد في الحي إلاّ سمع صياحي»[2].
[1]البصيص: البريق و اللمعان. (صحاح اللغة 3: 1030) .
[2]قارن: مقاتل الطالبيين 79، تذكرة الخواص 282.
و رأى هذا الرجل صاحب له بعد حين، و قد تغيّر وجهه و اسودّ لونه، فقال له: «ما كدت أعرفك» ، و كان يعرفه جميلا شديد البياض[1].
و منهم من كان يتزاور عن الحسين في المعمعة[2]، و يخشى أن يصيبه أو يصاب على يديه[3].
و لو أنّهم حاربوه لأنّهم علموا أنّه أهل للمحاربة فلم يتزاوروا عنه و لم يتحاشوه لكانت الحرب هنالك حربا بين رأيين و مذهبين و شجاعتين، و لكنّهم كشفوا أنفسهم بتحاشيهم إيّاه. فإذا هم يحاربون رأيهم الذي يدينون به، و وليهم الذي يضمرون له الحرمة و الكرامة، و في ذلك خزيهم الأثيم.
على أنّ الجبن و الجشع لا يفسران كلّ ما اقترفه جيش عبيد اللّه من شرّ و لؤم في أيام كربلاء.
فلا حاجة بالجبان و لا بالجشع إلى التمثيل و التنكيل أو التبرّع بالإيذاء حيث لا تلجئه الضرورة إليه، و ليس قتل الطفل الصغير الذي يموت من العطش و هو على مورد الماء بالأمر الذي يلجئ إليه الجبن أو يلجئ إليه طلب المال، و قد حدث في أيام كربلاء من أمثال هذا البغي اللئيم شيء كثير رواه الأمويون، و لم تقتصر روايته على الهاشميين و الطالبيين أو أعداء بني
[1]راجع: تذكرة الخواص 281، سمط النجوم العوالي 3: 196.
[2]المعمعة: صوت المقاتلة في الحرب، أو: استعار نار الحرب. (لسان العرب 13:
144) .
[3]انظر الكامل في التاريخ 3: 293.
أميّة[1].
و ينبغي أن نفهم ذلك على وجه واحد لا سبيل إلى فهمه بغيره، و هو نكسة الشرّ في النفوس البشريّة حين تلج بها مغالطة الشعور، و حين تغالب عنانها حتّى تعييها المغالبة، فينطلق بها العنان.
فالرجل الخبيث المعرق في الخباثة قد يتصرّف في خلوته تصرّف الأنذال ثمّ لا يبالي أن يعرف نذالته و هو بنجوة من أعين الرقباء. و لكن أربعة الآلاف لا يتصارحون بالنذالة بينهم و لا يقول بعضهم لبعض: إنّهم يعملون ما يستحقّون به التحقير و المهانة و لا تقبل لهم فيه معذرة و لا علالة.
و إنّما شأنهم في هذه الحالة أن يصطنعوا الحماسة و يجاهدوا التردّد ما استطاعوا ليظهروا في ثوب الغلاة المصدّقين الذين لا يشكّون لحظة في صدق ما يعملون، فيغمض الرجل منهم عينيه و يستتر بغشاء من النفاق حتّى ليوشك أن يخدع نفسه عن طويّة فؤاده.
و تلك لحاجة المغالطة في الشعور.
أمّا مجاذبة النفس عنانها و انطلاقها بعد هذه المجاذبة المخفقة، فالشواهد عليها كثيرة فيما نراه كلّ يوم..
يحاول الرجل أن يجتنب الخمر فلا يستطيع، فإذا هو قد خلع العذار[2]
[1]لاحظ: الإمامة و السياسة 2: 12، مقاتل الطالبيين 77 و 79، الإرشاد 2: 108، إعلام الورى 1: 466، الكامل في التاريخ 3: 294، البداية و النهاية 8: 186 و 187 و 197.
[2]العذار: الحياء. (لسان العرب 9: 105) .
و غرق فيها ليله و نهاره غير مبال بما يقال، كأنّما هو القائل: «دع عنك لومي، فإنّ اللوم إغراء»[1].
و تحبّ المرأة أن تستحيي و تتوارى من المسبّة في هواها، ثمّ يغلبها هواها، فإذا هي ألقت حياءها للريح، و صنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى، و لم تشعر قط بوطأة الخجل و الاستتار.
و اندفاع المتهجّمين على الشرّ في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة و لا ضرورة ملزمة تقضي بها شريعة القتال، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشعور بالإثم في نفوس أصحاب يزيد، و قد رأينا من قبل عمق الشعور بالحقّ في أصحاب الحسين..
و ما بنا من حاجة إلى البحث عن علّة مثل هذه العلّة لمن خلقوا مجرمين و خلقت معهم ضراوة الحقد و الإيذاء لهذا الميدان و غير هذا الميدان، كشمر بن ذي الجوشن و من جرى مجراه.. فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم الأثيم كلّما وجدوا السبيل إليه.
على أنّها-بعد كلّ هذا-حرب بين الكرم و اللؤم، و بين الضمير و المعدة، و بين النور و الظلام.. فشأنها على أيّة حال أن تصبح مجالا من الطرفين لقصارى ما يبلغه الكرم و قصارى ما يبلغه اللؤم، و قد بلغت في ذلك أقصى مدى الطرفين.
[1]هذا صدر بيت لأبي نواس، و عجزه: و دواني بالتي كانت هي الداء.
انظر: ديوان أبي نواس 6، الأغاني 7: 198.
و راجع ترجمته في قائمة التراجم رقم (53) .
و من المتعذّر-بعد وقوف هاتين القوّتين موقف المراقبة و المناجزة- أن تتقصّى أوائل القتال و تتبع ترتيب الحوادث بعد واحدة على حسب وقوعها..
فإنّ الأقوال في سرد حوادث كربلاء لا تتّفق على ترتيب واحد، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحسين أو رواية أنصار يزيد.
إلاّ أنّ الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان، و هو منع الحسين أن ينصرف إلى سبيله و أن يرد الماء حتّى يكرهه العطش إلى التسليم، و كان الموقف كما وصفه أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون:
منع الفتى هينا فجرّ عظائما # و حمى نمير الماء فانبعث الدم[1]
و لم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة؛ لأنّ حرّاس المورد من جماعة عمر بن سعد لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة الحسين و صحبه.. فلمّا اندفع بعض أصحاب الحسين إلى الماء بالقرب و الأداوى[2]، مانعهم القوم هنيهة ثمّ أخلوا لهم سبيل النهر خوفا و حيرة، فشربوا و ملأوا قربهم و أداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين[3].
و الظاهر أنّ الشرّ كلّه كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك الساحة متربّصا كلّ التربّص بمن يتوانى في حصار الحسين و مضايقته،
[1]اللزوميات 2: 407.
[2]الإداوة: إناء صغير من جلد يتّخذ للماء. (لسان العرب 1: 100) .
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 449، تاريخ الطبري 4: 613.