فيعزله و يعرّضه لسوء الجزاء، ثمّ يطمع من وراء ذلك أن يتولّى قيادة الجيش و إمارة الري بعد عزل عمر بن سعد بن أبي وقّاص.
فبطل التردّد شيئا فشيئا، و تعذّر على الحسين و أصحابه-بعد الهجمة الأولى-أن يصلوا إلى الماء، و لبثوا أياما و ليس في معسكرهم ذو حياة من رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان إلاّ و هو يتلظّى على قطرة ماء فلا ينالها، و منهم الطفل العليل و الشيخ المكدود و الحيوان الأعجم، و صياح هؤلاء الظماء من حرقة الظمأ يتوالى على مسمع الحسين ليل نهار و هو لا يملك لهم غير الوصاية بالصبر و حسن المؤاساة.
و في ذلك المأزق الفاجع نضحت طبائع اللؤم في معسكر ابن زياد بشرّ ما تنضح به طبيعة لئيمة في البنية الآدميّة.. فاقترفوا من خسّة الأذى ما تنزّه عنه الوحوش الضاريات، و جعلوا يتلهّون و يتفكّهون بما تقشعر منه الجلود و تندى له الوجوه، و نكاد نمسك عن تسطيره أسفا و امتعاضا لو لا أنّ القليل منه جزء لا ينفصل من هذه الفاجعة، و بيان لما يلي من وقعها في النفوس و تسلسل تراتها إلى أمد بعيد.
مآثم مخزية
فمن هذه المآثم المخزية أنّ الحسين برح به العطش فلم يباله.. و لكنّه رأى ولده عبد اللّه يتلوّى من ألمه و عطشه، و قد بحّ صوته من البكاء، فحمله على يده يهمّ أن يسقيه و يقول للقوم: «اتّقوا اللّه في الطفل إن لم تتّقوا
اللّه فينا» ، فأوتر رجل من نبّالة الكوفة قوسه[1]، و رمى الطفل بسهم و هو يصيح ليسمعه العسكران: «خذ اسقه هذا» .. فنفذ السهم إلى أحشائه[2]!.
و كانوا يصيحون بالحسين متهاتفين: «ألا ترى إلى الفرات كأنّه بطون الحيّات؟!.. و اللّه لا تذوقه حتّى تموت و من معك عطشا»[3].
و لما اشتدّ عطش الحسين دنا من الفرات ليشرب، فرماه حصين بن نمير بسهم وقع في فمه.. فانتزعه الحسين و جعل يتلقّى الدم بيديه، فامتلأت راحتاه بالدم، فرمى به إلى السماء و قد شخص ببصره إليها، و هو يقول:
«إن تكن حبست عنّا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير منه، و انتقم لنا من القوم الظالمين»[4].
و قد كان منع الماء-قبل الترامي بالسهام-نذيرا كافيا بالحرب، يبيح
[1]و هو حرملة الكاهلي.
[2]الإرشاد 2: 108، الكامل في التاريخ 3: 294، البداية و النهاية 8: 197.
[3]إعلام الورى 1: 452، الكامل في التاريخ 3: 283.
[4]الذي يظهر من بعض التواريخ أنّ الحسين7قال هذه العبارة عند مصرع عبد اللّه الرضيع.
أمّا في هذا الموضع فقد قال: «اللهمّ، إنّي أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك» ، و قال:
«اللهمّ، أحصهم عددا و اقتلهم مددا و لا تذر على الأرض منهم أحدا» .
راجع: الأخبار الطوال 258، الإرشاد 2: 109، إعلام الورى 1: 467، الكامل في التاريخ 3: 294.
كما أنّ الشخص الذي رمى الحسين7بسهم في فمه الشريف ورد باسم: حصين بن تميم في: المنتظم 5: 340، البداية و النهاية 8: 187.
الحسين أن يصيب منهم من يتعرّض للإصابة.. و لكنّه رأى شمر بن ذي الجوشن-أبغض مبغضيه المؤلّبين عليه-يدنو من بيوته و يجول حولها ليعرف منفذ الهجوم عليها، فأبى على صاحبه مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم و قد أمكنه أن يصميه[1]و هو من أسدّ الرماة؛ لأنّه كره أن يبدأهم بعداء[2].
و كأنّه لمح منهم ضعف النيّة و سوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم، و علم أنّهم لا يخلصون في حبّه، و لا يؤمنون بحقّه، و أنّهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة، و لا يخدمونه للحقّ و الذمّة.. فطمع أن يقرع ضمائرهم و ينبّه غفلة قلوبهم، و رمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أن يرمي بسهم واحد من سهام القتال.
فخرج لهم يوما بزي جدّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم متقلّدا سيفه لابسا عمامته و رداءه، و أراهم أنّه سيخطبهم، فكان أوّل ما صنعوه دليلا على صدق فراسته فيهم؛ لأنّ رؤساءهم و مؤلّبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم، فينفذ إلى قلوبهم و يلمس مواقع الإقناع من ألبابهم. فضجّوا بالصياح و الجلبة و أكثروا من العجيج و الحركة؛ ليحجبوا كلامه عن أسماعهم و يتّقوا أثر موعظته فيهم، و هو بتلك الهيئة التي تغضى عنها الأبصار و تعنو لها الجباه.
و لكنّه صابرهم حتّى ملّوا، و ملّ إخوانهم ضجيجهم هذا الذي
[1]أصميت الصيد: إذا رميته فقتلته و أنت تراه. (لسان العرب 7: 415) .
[2]الإرشاد 2: 96، إعلام الورى 1: 458، المنتظم 5: 339.
يكشفون به عن عجزهم و خوفهم، و لا يوجب الثقة بدعواهم عند إخوانهم.. فهدأوا بعد لحظات و سمعوه بعد الحمد و الصلاة: «انسبوني من أنا.. هل يحلّ لكم قتلي و انتهاك حرمتي؟ألست ابن بنت نبيّكم؟أو لم يبلغكم ما قاله رسول اللّه لي و لأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ و يحكم!.. أتطلبونني بقتيل لكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟!» .
ثمّ نادى بأسماء أنصاره الذين استدعوه إلى الكوفة ثمّ خرجوا لحربه في جيش ابن زياد. فقال: «يا شبث بن ربعي[1]!يا حجّار بن أبجر!يا قيس بن الأشعث!يا يزيد بن الحارث!يا عمر بن الحجّاج!.. ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار و اخضرّت الجنبات، و إنّما تقدم على جند لك مجنّد؟»[2].
فزلزلت الأرض تحت أقدامهم بهذه الكلمات و بلغ بها المقنع ممّن فيه مطمع لإقناع، و تحوّلت إلى صفّة فئة منهم تعلم أنّها تتحوّل إلى صف لن تجد فيه غير الموت العاجل، و استطابت هذا الموت و لم تستطب البقاء مع ابن زياد لاغتنام الغنيمة و انتظار الجزاء من المناصب و الأموال.
و لم تكن كلمة الحسين كلّ ما شهره عسكره من سلاح الدعوة قبل الاحتكام إلى السيف..
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (54) .
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 461-462، إعلام الورى 1: 458-459، المنتظم 5:
339، البداية و النهاية 8: 179، سمط النجوم العوالي 3: 177.
فقد كانت للبطل المجيد زهير بن القين كلمات في أهل الكوفة أمضى من السيوف و الرماح حيث تصيب، فركب فرسه و تعرّض لهم قائلا: «يا أهل الكوفة!نذار لكم من عذاب اللّه نذار. إنّ حقّا على المسلم نصيحة المسلم، و نحن حتّى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا و بينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة و كنّا نحن أمّة و أنتم أمّة..
إنّ اللّه قد ابتلانا و إيّاكم بذرّية نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لينظر ما نحن و أنتم عاملون، و إنّا ندعوكم إلى نصر حسين و خذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد اللّه بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء، يسملان أعينكم و يقطعان أيديكم و أرجلكم و يمثّلان بكم و يرفعانكم على جذوع النخل و يقتلان أماثلكم و قرّاءكم أمثال حجر بن عدي و أصحابه و هانئ بن عروة و أشباهه»[1].
فوجم منهم من وجم، و توقّح منهم من توقّح، على ديدن المريب المكابر إذا خلع العذار و لم يأنف من العار، و توعّدوه و توعّدوا الحسين معه أن يقتلوهم أو يسلّموهم صاغرين إلى عبيد اللّه بن زياد.
تخاذل و ضعف
و لا يظهر من عدد الفريقين ساعة القتال أنّ المتحوّلين إلى معسكر الحسين كانوا كثيرين أو متلاحقين. و لكن بداءة التحوّل كانت ممّا يخيف و يزعج؛ لأنّها اشتملت على قائد كبير من قوّاد ابن زياد و هو الحرّ بن يزيد
[1]الكامل في التاريخ 3: 288، البداية و النهاية 8: 180، سمط النجوم العوالي 3: 177.
الذي أرسلوه في أوّل الأمر ليحلئ[1]الحسين عن دخول الكوفة، و قد كان يحسب أنّ عمله ينتهي إلى هذه المراقبة و لا يعدوها إلى القتال و سفك الدم..
فلمّا تبيّن نيّة القتال أقبل يدنو نحو عسكر الحسين قليلا قليلا، و تأخذه رعدة و ينتابه ألم شديد.. حتّى راب أمره صاحبه المهاجر بن أوس فقال:
- «و اللّه إنّ أمرك لمريب.. ما رأيت منك قط مثل ما أراه الآن، و لو قيل: من أشجع أهل الكوفة، ما عدوتك» .
فباح له الرجل بما في نفسه، و قال له:
- «إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة و النار، و لا اختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت أو حرّقت» .
ثمّ ضرب فرسه، و لحق بالحسين و هو يعتذر قائلا:
- «لو علمت أنّهم ينتهون إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، و إنّي قد جئتك تائبا ممّا كان منّي إلى ربّي مؤاسيا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك[2]!» .
و لن يخلو معسكر ابن زياد من مئات كالحرّ بن يزيد يؤمنون إيمانه و يودّون لو يلحقون به إلى معسكر الحسين، و يزعجهم أن يتحوّل أمامهم إلى المعسكر و هم ناظرون إليه؛ لأنّه يبكتهم[3]و يكشف مغالطتهم بينهم و بين
[1]الحلأ: المنع. (صحاح اللغة 1: 45) .
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 464، الإرشاد 2: 99، الكامل في التاريخ 3: 288.
مع العلم بأنّ صاحب الحرّ الرياحي المذكور ورد اسمه في بعض المصادر المزبورة كما في المتن، و ورد في بعضها الآخر باسم: قرّة بن قيس، فلاحظ.
[3]التبكيت: التقريع و التوبيخ. (تاج العروس 4: 447) .
أنفسهم و يحضّهم على الاقتداء به و التدبّر في أسباب ندمه، لا لأنّه ينتقص عددهم أو ينذر بالهزيمة في ميدان القتال.. فكلّهم-و لا ريب-يشعر بشعوره و يعتقد في فضل الحسين على يزيد مثل اعتقاده، و بعيد على العقل أن يصدّق في هؤلاء الشراذم أنّهم قد أطاعوا يزيد لأنّه صاحب بيعة حاصلة و أنّهم قد «تأدّبوا بأدب الدولة» أدبا يغلب شعور الجماعة و إيمان المرء بحقّ الشريعة و حرمة البيت النبويّ، و يهون عليه قتل سبط النبي في هذا السبيل، و كيف!و إنّ منهم لمن بايع الحسين على البعد و دعاه إليه ليقود «الجند المجنّد» إلى قتال يزيد؟.. فكلامهم في البيعة الحاصلة لغط يلوكونه بألسنتهم و لا يستر ما في طويتهم، و ليس أثقل على أمثال هؤلاء من عبء المغالطة كلّما تلجلج في مكانه و حركته القدوة التي يريدونها و لا يقوون عليها، كتلك القدوة الماثلة بصاحبهم الحرّ بن يزيد.
لا جرم كان أعظم الجيشين قلقا و أشدّهما حيرة و أعجلهما إلى طلب الخلاص من هذا المأزق الثقيل هو أكبر الفئتين و أقوى العسكرين.
شجاعة جند الحسين
كان هناك عسكران أحدهما صغير يلحّ عليه العطش و الضيق، و لكنّه كان مطمئنا إلى حقّه يلقى الموت في سبيله، و يزيده العطش و الضيق طمأنينة إلى هذا المصير.
و العسكر الآخر أكبر العسكرين، و لكنّه كان «يخون» نفسه في ضمير كلّ فرد من أفراده، و تملكه الحيرة بين ندم و خوف و تبكيت و مغالطة
و اضطراب، يحزّ في الأعصاب و يقذف بالمرء إلى الخلاص كيفما كان الخلاص.
و طال القلق على دخيلة عمر بن سعد فأطلقه سهما في الفضاء كأنّه كان متشبّثا بصدره فاستراح منه بانطلاقه.
فزحف إلى مقربة من معسكر الحسين، و تناول سهما فرماه عن قوسه إلى المعسكر و هو يصيح:
- «اشهدوا لي عند الأمير أنّني أوّل من رمى الحسين» .
ثمّ تتابعت السهام، فبطلت حجّة السلم و ذهب كلّ تأويل في نيّة القوم، و قام الحسين-و هو ينظر إلى السهام و ينظر إلى أصحابه-فقال:
- «قوموا يا كرام، فهذه رسل القوم إليكم»[1].
و بذلك بدأ القتال.
و قد تأهب الحسين لهذه المنازلة المنتظرة، و إن كان على انتظاره إيّاها قد تريّث حتّى يبدأوه بالعدوان من جانبهم، و حتّى يجب عليه الدفاع وجوبا لا خلاف فيه.
فاختار له رابية يحتمي بها من ورائه، و وسع وهدتها[2]حتّى أصبحت خندقا لا يسهل عبوره.. فأوقد فيه النار ليمنع عليهم الالتفاف به من خلفه[3]، و هم في كثرتهم التي ترجح عدّة صحبه ستّين ضعفا قادرون على
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 465-466، الإرشاد 2: 101، الكامل في التاريخ 3: 289، البداية و النهاية 8: 181.
[2]الوهدة: المكان المطمئن. (معجم مقاييس اللغة 6: 147) .
[3]قارن: تاريخ أبي مخنف 1: 465-466، الأخبار الطوال 256، إعلام الورى 1: -