و من المتعذّر-بعد وقوف هاتين القوّتين موقف المراقبة و المناجزة- أن تتقصّى أوائل القتال و تتبع ترتيب الحوادث بعد واحدة على حسب وقوعها..
فإنّ الأقوال في سرد حوادث كربلاء لا تتّفق على ترتيب واحد، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحسين أو رواية أنصار يزيد.
إلاّ أنّ الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان، و هو منع الحسين أن ينصرف إلى سبيله و أن يرد الماء حتّى يكرهه العطش إلى التسليم، و كان الموقف كما وصفه أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون:
منع الفتى هينا فجرّ عظائما # و حمى نمير الماء فانبعث الدم[1]
و لم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة؛ لأنّ حرّاس المورد من جماعة عمر بن سعد لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة الحسين و صحبه.. فلمّا اندفع بعض أصحاب الحسين إلى الماء بالقرب و الأداوى[2]، مانعهم القوم هنيهة ثمّ أخلوا لهم سبيل النهر خوفا و حيرة، فشربوا و ملأوا قربهم و أداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين[3].
و الظاهر أنّ الشرّ كلّه كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك الساحة متربّصا كلّ التربّص بمن يتوانى في حصار الحسين و مضايقته،
[1]اللزوميات 2: 407.
[2]الإداوة: إناء صغير من جلد يتّخذ للماء. (لسان العرب 1: 100) .
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 449، تاريخ الطبري 4: 613.
فيعزله و يعرّضه لسوء الجزاء، ثمّ يطمع من وراء ذلك أن يتولّى قيادة الجيش و إمارة الري بعد عزل عمر بن سعد بن أبي وقّاص.
فبطل التردّد شيئا فشيئا، و تعذّر على الحسين و أصحابه-بعد الهجمة الأولى-أن يصلوا إلى الماء، و لبثوا أياما و ليس في معسكرهم ذو حياة من رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان إلاّ و هو يتلظّى على قطرة ماء فلا ينالها، و منهم الطفل العليل و الشيخ المكدود و الحيوان الأعجم، و صياح هؤلاء الظماء من حرقة الظمأ يتوالى على مسمع الحسين ليل نهار و هو لا يملك لهم غير الوصاية بالصبر و حسن المؤاساة.
و في ذلك المأزق الفاجع نضحت طبائع اللؤم في معسكر ابن زياد بشرّ ما تنضح به طبيعة لئيمة في البنية الآدميّة.. فاقترفوا من خسّة الأذى ما تنزّه عنه الوحوش الضاريات، و جعلوا يتلهّون و يتفكّهون بما تقشعر منه الجلود و تندى له الوجوه، و نكاد نمسك عن تسطيره أسفا و امتعاضا لو لا أنّ القليل منه جزء لا ينفصل من هذه الفاجعة، و بيان لما يلي من وقعها في النفوس و تسلسل تراتها إلى أمد بعيد.
مآثم مخزية
فمن هذه المآثم المخزية أنّ الحسين برح به العطش فلم يباله.. و لكنّه رأى ولده عبد اللّه يتلوّى من ألمه و عطشه، و قد بحّ صوته من البكاء، فحمله على يده يهمّ أن يسقيه و يقول للقوم: «اتّقوا اللّه في الطفل إن لم تتّقوا
اللّه فينا» ، فأوتر رجل من نبّالة الكوفة قوسه[1]، و رمى الطفل بسهم و هو يصيح ليسمعه العسكران: «خذ اسقه هذا» .. فنفذ السهم إلى أحشائه[2]!.
و كانوا يصيحون بالحسين متهاتفين: «ألا ترى إلى الفرات كأنّه بطون الحيّات؟!.. و اللّه لا تذوقه حتّى تموت و من معك عطشا»[3].
و لما اشتدّ عطش الحسين دنا من الفرات ليشرب، فرماه حصين بن نمير بسهم وقع في فمه.. فانتزعه الحسين و جعل يتلقّى الدم بيديه، فامتلأت راحتاه بالدم، فرمى به إلى السماء و قد شخص ببصره إليها، و هو يقول:
«إن تكن حبست عنّا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير منه، و انتقم لنا من القوم الظالمين»[4].
و قد كان منع الماء-قبل الترامي بالسهام-نذيرا كافيا بالحرب، يبيح
[1]و هو حرملة الكاهلي.
[2]الإرشاد 2: 108، الكامل في التاريخ 3: 294، البداية و النهاية 8: 197.
[3]إعلام الورى 1: 452، الكامل في التاريخ 3: 283.
[4]الذي يظهر من بعض التواريخ أنّ الحسين7قال هذه العبارة عند مصرع عبد اللّه الرضيع.
أمّا في هذا الموضع فقد قال: «اللهمّ، إنّي أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك» ، و قال:
«اللهمّ، أحصهم عددا و اقتلهم مددا و لا تذر على الأرض منهم أحدا» .
راجع: الأخبار الطوال 258، الإرشاد 2: 109، إعلام الورى 1: 467، الكامل في التاريخ 3: 294.
كما أنّ الشخص الذي رمى الحسين7بسهم في فمه الشريف ورد باسم: حصين بن تميم في: المنتظم 5: 340، البداية و النهاية 8: 187.
الحسين أن يصيب منهم من يتعرّض للإصابة.. و لكنّه رأى شمر بن ذي الجوشن-أبغض مبغضيه المؤلّبين عليه-يدنو من بيوته و يجول حولها ليعرف منفذ الهجوم عليها، فأبى على صاحبه مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم و قد أمكنه أن يصميه[1]و هو من أسدّ الرماة؛ لأنّه كره أن يبدأهم بعداء[2].
و كأنّه لمح منهم ضعف النيّة و سوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم، و علم أنّهم لا يخلصون في حبّه، و لا يؤمنون بحقّه، و أنّهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة، و لا يخدمونه للحقّ و الذمّة.. فطمع أن يقرع ضمائرهم و ينبّه غفلة قلوبهم، و رمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أن يرمي بسهم واحد من سهام القتال.
فخرج لهم يوما بزي جدّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم متقلّدا سيفه لابسا عمامته و رداءه، و أراهم أنّه سيخطبهم، فكان أوّل ما صنعوه دليلا على صدق فراسته فيهم؛ لأنّ رؤساءهم و مؤلّبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم، فينفذ إلى قلوبهم و يلمس مواقع الإقناع من ألبابهم. فضجّوا بالصياح و الجلبة و أكثروا من العجيج و الحركة؛ ليحجبوا كلامه عن أسماعهم و يتّقوا أثر موعظته فيهم، و هو بتلك الهيئة التي تغضى عنها الأبصار و تعنو لها الجباه.
و لكنّه صابرهم حتّى ملّوا، و ملّ إخوانهم ضجيجهم هذا الذي
[1]أصميت الصيد: إذا رميته فقتلته و أنت تراه. (لسان العرب 7: 415) .
[2]الإرشاد 2: 96، إعلام الورى 1: 458، المنتظم 5: 339.
يكشفون به عن عجزهم و خوفهم، و لا يوجب الثقة بدعواهم عند إخوانهم.. فهدأوا بعد لحظات و سمعوه بعد الحمد و الصلاة: «انسبوني من أنا.. هل يحلّ لكم قتلي و انتهاك حرمتي؟ألست ابن بنت نبيّكم؟أو لم يبلغكم ما قاله رسول اللّه لي و لأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ و يحكم!.. أتطلبونني بقتيل لكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟!» .
ثمّ نادى بأسماء أنصاره الذين استدعوه إلى الكوفة ثمّ خرجوا لحربه في جيش ابن زياد. فقال: «يا شبث بن ربعي[1]!يا حجّار بن أبجر!يا قيس بن الأشعث!يا يزيد بن الحارث!يا عمر بن الحجّاج!.. ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار و اخضرّت الجنبات، و إنّما تقدم على جند لك مجنّد؟»[2].
فزلزلت الأرض تحت أقدامهم بهذه الكلمات و بلغ بها المقنع ممّن فيه مطمع لإقناع، و تحوّلت إلى صفّة فئة منهم تعلم أنّها تتحوّل إلى صف لن تجد فيه غير الموت العاجل، و استطابت هذا الموت و لم تستطب البقاء مع ابن زياد لاغتنام الغنيمة و انتظار الجزاء من المناصب و الأموال.
و لم تكن كلمة الحسين كلّ ما شهره عسكره من سلاح الدعوة قبل الاحتكام إلى السيف..
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (54) .
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 461-462، إعلام الورى 1: 458-459، المنتظم 5:
339، البداية و النهاية 8: 179، سمط النجوم العوالي 3: 177.
فقد كانت للبطل المجيد زهير بن القين كلمات في أهل الكوفة أمضى من السيوف و الرماح حيث تصيب، فركب فرسه و تعرّض لهم قائلا: «يا أهل الكوفة!نذار لكم من عذاب اللّه نذار. إنّ حقّا على المسلم نصيحة المسلم، و نحن حتّى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا و بينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة و كنّا نحن أمّة و أنتم أمّة..
إنّ اللّه قد ابتلانا و إيّاكم بذرّية نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لينظر ما نحن و أنتم عاملون، و إنّا ندعوكم إلى نصر حسين و خذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد اللّه بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء، يسملان أعينكم و يقطعان أيديكم و أرجلكم و يمثّلان بكم و يرفعانكم على جذوع النخل و يقتلان أماثلكم و قرّاءكم أمثال حجر بن عدي و أصحابه و هانئ بن عروة و أشباهه»[1].
فوجم منهم من وجم، و توقّح منهم من توقّح، على ديدن المريب المكابر إذا خلع العذار و لم يأنف من العار، و توعّدوه و توعّدوا الحسين معه أن يقتلوهم أو يسلّموهم صاغرين إلى عبيد اللّه بن زياد.
تخاذل و ضعف
و لا يظهر من عدد الفريقين ساعة القتال أنّ المتحوّلين إلى معسكر الحسين كانوا كثيرين أو متلاحقين. و لكن بداءة التحوّل كانت ممّا يخيف و يزعج؛ لأنّها اشتملت على قائد كبير من قوّاد ابن زياد و هو الحرّ بن يزيد
[1]الكامل في التاريخ 3: 288، البداية و النهاية 8: 180، سمط النجوم العوالي 3: 177.
الذي أرسلوه في أوّل الأمر ليحلئ[1]الحسين عن دخول الكوفة، و قد كان يحسب أنّ عمله ينتهي إلى هذه المراقبة و لا يعدوها إلى القتال و سفك الدم..
فلمّا تبيّن نيّة القتال أقبل يدنو نحو عسكر الحسين قليلا قليلا، و تأخذه رعدة و ينتابه ألم شديد.. حتّى راب أمره صاحبه المهاجر بن أوس فقال:
- «و اللّه إنّ أمرك لمريب.. ما رأيت منك قط مثل ما أراه الآن، و لو قيل: من أشجع أهل الكوفة، ما عدوتك» .
فباح له الرجل بما في نفسه، و قال له:
- «إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة و النار، و لا اختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت أو حرّقت» .
ثمّ ضرب فرسه، و لحق بالحسين و هو يعتذر قائلا:
- «لو علمت أنّهم ينتهون إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، و إنّي قد جئتك تائبا ممّا كان منّي إلى ربّي مؤاسيا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك[2]!» .
و لن يخلو معسكر ابن زياد من مئات كالحرّ بن يزيد يؤمنون إيمانه و يودّون لو يلحقون به إلى معسكر الحسين، و يزعجهم أن يتحوّل أمامهم إلى المعسكر و هم ناظرون إليه؛ لأنّه يبكتهم[3]و يكشف مغالطتهم بينهم و بين
[1]الحلأ: المنع. (صحاح اللغة 1: 45) .
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 464، الإرشاد 2: 99، الكامل في التاريخ 3: 288.
مع العلم بأنّ صاحب الحرّ الرياحي المذكور ورد اسمه في بعض المصادر المزبورة كما في المتن، و ورد في بعضها الآخر باسم: قرّة بن قيس، فلاحظ.
[3]التبكيت: التقريع و التوبيخ. (تاج العروس 4: 447) .
أنفسهم و يحضّهم على الاقتداء به و التدبّر في أسباب ندمه، لا لأنّه ينتقص عددهم أو ينذر بالهزيمة في ميدان القتال.. فكلّهم-و لا ريب-يشعر بشعوره و يعتقد في فضل الحسين على يزيد مثل اعتقاده، و بعيد على العقل أن يصدّق في هؤلاء الشراذم أنّهم قد أطاعوا يزيد لأنّه صاحب بيعة حاصلة و أنّهم قد «تأدّبوا بأدب الدولة» أدبا يغلب شعور الجماعة و إيمان المرء بحقّ الشريعة و حرمة البيت النبويّ، و يهون عليه قتل سبط النبي في هذا السبيل، و كيف!و إنّ منهم لمن بايع الحسين على البعد و دعاه إليه ليقود «الجند المجنّد» إلى قتال يزيد؟.. فكلامهم في البيعة الحاصلة لغط يلوكونه بألسنتهم و لا يستر ما في طويتهم، و ليس أثقل على أمثال هؤلاء من عبء المغالطة كلّما تلجلج في مكانه و حركته القدوة التي يريدونها و لا يقوون عليها، كتلك القدوة الماثلة بصاحبهم الحرّ بن يزيد.
لا جرم كان أعظم الجيشين قلقا و أشدّهما حيرة و أعجلهما إلى طلب الخلاص من هذا المأزق الثقيل هو أكبر الفئتين و أقوى العسكرين.
شجاعة جند الحسين
كان هناك عسكران أحدهما صغير يلحّ عليه العطش و الضيق، و لكنّه كان مطمئنا إلى حقّه يلقى الموت في سبيله، و يزيده العطش و الضيق طمأنينة إلى هذا المصير.
و العسكر الآخر أكبر العسكرين، و لكنّه كان «يخون» نفسه في ضمير كلّ فرد من أفراده، و تملكه الحيرة بين ندم و خوف و تبكيت و مغالطة