و بالطبع هناك-كما قيل-عوامل أخرى لتقديس النهضة مثل: كونها في ظل عدم توازن القوى بين طرفي الصراع، و فقد التجهيزات الماديّة الظاهريّة للقائمين عليها.
هذا كلّه في مسألة عوامل تقديس الثورات بصورة عامّة، و أمّا بخصوص قدسيّة الحركة الحسينيّة فإنّها ترجع إلى ثلاث علل:
أوّلها: قدسيّة و سمو و رفعة الهدف الذي من أجله قام الحسين7، حيث الهدف المنشود هو الوصول إلى الحقيقة و ليس كسب المنفعة.
و بديهي القول هنا: إنّ من يقوم طلبا للحصول على المعاش أو للوصول إلى الثروة أو السلطة أو اكتساب الجلال و العظمة، فإنّ قيامه هذا لا يعدّ قياما مقدّسا، فمثل هذا القيام و هذه الحركات تكون محكومة بقوانين التجارة و المعاملات، و قد تأتي بالنفع على أصحابها مرّة و قد تأتي بالضرر، و ليس مهمّا إن كانت مربحة أو خاسرة، ذلك أنّ مثل هذه الحركات حركات تدور حول محاور الأشخاص و المنافع الشخصيّة، و لهذا فهي حركات لا قيمة لها من الناحية الكلّية و الشمولية.
فحين يكون النضال غير شخصي بل هو إعلان حرب ضدّ الفساد و الظلم و الجهل و الضلال و الاستبداد فإنّه سيكون صورة من صور تبلور روح تقديس الحقيقة لدى البشريّة و صفحة من صفحات نظالها ضدّ الأنانيّة و الذاتيّة.
و بعبارة أخرى: فإنّ أحد وجوه قداسة النهضة يرتبط بنوع المعاناة و نوع الآمال التي يحملها صاحب تلك النهضة و رائدها.
إنّ نهضة الحسين7كانت مصداقا حقيقيا لوجود مثل هذا العنصر و مثل هذه المواصفات، فقد كان بإمكانه أن يضمن منافعه و مصالحه بالكامل، لكنّه-مع ذلك-فضّل أن يعرّض حياته و ماله و كلّ وجوده للخطر حفاظا على العالم الإسلامي و إنقاذا للمسلمين من براثن الظلم و الاستبداد.
ثانيها: الظروف الخاصّة المحيطة بالنهضة الحسينيّة و عدم التكافؤ بين القوى في الميزان، فنجد في النهضة أعلى مراتب الشهامة و الشجاعة ضدّ الأجهزة القمعيّة التي تملكها الدولة.
و لا يمكن القول هنا: بأنّ أهل الكوفة كانوا يمثّلون قوّة كافية في الميزان كان الحسين يعتمد عليها كثيرا في حسابات المعركة.
في حين أنّ عظمة الحسين و نهضته تتجلّى في الواقع في قيامه و هو وحيد.
و ما نراه اليوم من أثر باق له ما هو إلاّ بقيّة من آثار تلك الروح العالية التوّاقة للسمو و الرفعة التي هزّت أركان العالم آنذاك و لا تزال آثارها باقية حتّى اليوم.
ثالثها: درجة الوعي الاجتماعي و الرؤية الثاقبة و الخبرة و النظرة الحادّة التي يتمتّع بها القائمون على النهضة، فلقد كانت نهضة الحسين حدثا خارقا للعادة تلازم مع نظرة عميقة و واعية و إدراك قوي و ثاقب و بصيرة مستنيرة بنور بعيد المدى.
هذا كلّه فيما يتعلّق بالنقطة الأولى.
أمّا النقطة الثانية-و هي: الأسباب الداعية لثورة الحسين7- فيتركّز البحث فيها في ذكر أسباب ثلاثة كلّية دعت للخروج، و هي:
أوّلا: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
ثانيا: فرض البيعة الإلزاميّة على الحسين7و امتناع الإمام عن تلبية مثل هذا الطلب.
ثالثا: دعوة أهل الكوفة للحسين7للقدوم عليهم.
و هذا السبب هو أضعف الأسباب في الميزان؛ حيث إنّ تبدّل وضع الكوفيين كان كفيلا بأن يدفع الحسين للتخلي عن سائر أهدافه الأخرى و يتّجه نحو المصالحة مع النظام و الموافقة على البيعة بينما تطوّرات القضيّة لاحقا أثبتت العكس؛ إذ إنّ أكثر خطب الحسين حماسا و لهيبا و اشتعالا هي خطبه التي جاءت بعد تراجع أهل الكوفة عن موقفهم الأوّل.
كما أنّ الحسين7كان قد بدأ حركته في أواخر شهر رجب و أوائل حكومة يزيد عند ما خرج من المدينة قاصدا مكّة حيث الحرم الآمن الذي يوفّر الأمن و الطمأنينة و كذلك لمركز مكّة الاجتماعي و السياسي المهمّ حيث صادف كلّ ذلك مع اقتراب مواسم العمرة و الحجّ و تقاطر الناس من الأطراف و الأكناف إلى مكّة، فيصبح بالإمكان إرشاد الناس و وعظهم بنحو أفضل من سائر فصول العام، و بعد مرور حوالي شهرين على مغادرته المدينة وصلت رسائل أهل الكوفة إليه و هو في مكّة، أي: بعد اتّخاذه من قبل قراره بالامتناع عن مبايعة يزيد، فدعوة أهل الكوفة قد هيّأت للحسين ظروفا مناسبة للاستمرار في النهضة، لا أنّها كانت من الأسباب
و العوامل الرئيسية للنهضة.
أمّا النقطة الثالثة-و هي: أهداف الثورة-فيمكن تلخيص ذلك بما يلي:
1-تغيير الأوضاع السياسيّة و استبدال الجهاز الحاكم و أسلوب الإدارة و السياسة و التعامل مع الأمّة وفق الموازين و المقاييس التي ثبّتها الإسلام.
2-إيقاظ الحسّ و الوعي السياسي للأمّة و جعلها جهاز مراقبة للسلطة متى ما انحرفت عن المبادئ أو تخلّت عن تطبيق الأحكام و القوانين الإسلاميّة.
3-تثبيت مبدأ شرعيّة المقاومة المسلّحة للحاكم الظالم.
4-إعادة تربية و بناء الأمّة من جديد بناء سليما.
5-تصحيح الانحراف و تطبيق أحكام الشريعة و قوانينها.
6-كسر حاجز الخوف و الإرهاب المفروض على الأمّة و تحريك روح الثورة و الفداء فيها.
نبذة من حكمه
قال الحسين7لرجل اغتاب عنده رجلا: «يا هذا، كف عن الغيبة، فإنّها أدام كلاب النار» .
و قال عنده رجل: إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع، فقال7: «ليس كذلك، و لكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرّ
و الفاجر» .
و قال7: «ما أخذ اللّه طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته، و لا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه كلفته» .
و قال7: «إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة» .
و قال لابنه زين العابدين7: «أي بني، إيّاك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلاّ اللّه جلّ و عزّ» .
و قال7: «من دلائل علامات القبول الجلوس إلى أهل العقول، و من علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الفكر، و من دلائل العالم انتقاده لحديثه و علمه بحقائق فنون النظر» .
و قال7: «من حاول أمرا بمعصية اللّه كان أفوت لما يرجو و أسرع لما يحذر»[1].
قبس من فضائله
لقد تحلّى الحسين7بفضائل قلّما تجتمع لأحد من شرف النسب و الشجاعة و الكرم و العفو و التواضع و الفصاحة و الصبر و الثبات على المبدأ و الورع و العلم و الحلم و غيرها من الفضائل و المناقب.
و نقتصر هنا على بعض فضائله المروية عن لسان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
[1]نقلت جميع هذه الحكم من تحف العقول 245-246 و 247-248.
روي عن أبي سعيد الخدري و غيره أنّهم قالوا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
«الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»[1].
و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «الحسن و الحسين سبطان من الأسباط»[2].
و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «أمّا حسن فإنّ له هيبتي و سؤددي، و أمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي»[3].
و كذلك قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط»[4].
استشهاده و مدفنه
قتل الحسين7شهيدا في كربلاء من أرض العراق عاشر المحرّم سنة 61 هـ بعد الظهر مظلوما صابرا محتسبا.
و في المنتظم: (قال هشام بن محمّد الكلبي: قتل الحسين سنة اثنتين و ستّين. و هو غلط)[5].
[1]سنن الترمذي 5: 656، ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 182 و 183 و 184.
[2]الأدب المفرد 116.
[3]ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 185.
[4]الأدب المفرد 116، سنن الترمذي 5: 658-659، ذخائر العقبى 133.
[5]المنتظم 5: 346.
و قال الشيخ المفيد و غيره: إنّ الحسين7توفّي يوم السبت[1].
و الذي صحّحه أبو الفرج الأصفهاني و غيره[2]أنّه استشهد يوم الجمعة، حيث ذكر الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين: أنّ أوّل المحرّم الأربعاء، استخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، تنضاف إليه الرواية. أمّا ما تعارفه العوام من أنّه قتل يوم الاثنين فلا أصل له و لا وردت به رواية[3].
و كان عمره يوم قتل 56 سنة و خمسة أشهر و سبعة أيام أو خمسة أيام، أو تسعة أشهر و عشرة أيام، أو ثمانية أشهر و سبعة أيام أو خمسة أيام، أو 57 سنة بنوع من التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة، أو 58 سنة، أو 55 سنة و ستّة أشهر، على اختلاف الروايات و الأقوال المتقدّمة في مولده و غيرها.
و قدّر ابن الجوزي عمره بستّ و خمسين سنة و خمسة أشهر و خمسة أيام[4]، و قدّره اليافعي بخمس و ستّين سنة[5].
و من الغريب ذهاب المفيد إلى أنّ عمره الشريف 58 سنة[6]مع ذكره
[1]الإرشاد 2: 133، إعلام الورى 1: 420.
[2]كصاحب الاستيعاب 1: 443.
[3]مقاتل الطالبيين 51.
[4]صفوة الصفوة 1: 763.
[5]مرآة الجنان 1: 106.
[6]الإرشاد 2: 133.
أنّ مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع و شهادته كما مرّ، فإنّ عمره- على هذا-يكون 56 سنة و خمسة أشهر و خمسة أيام.
و قد دفن جسد الحسين7إجماعا و رأسه على الأشهر في كربلاء.
مراثيه
لقد تبارى الشعراء في رثاء الحسين7و قالوا فأكثروا و أجادوا، و لا غرو في ذلك فمكانة الحسين بين المسلمين مكانة ساميّة و مصيبته مصيبة عظمى و فاجعته فاجعة كبرى.
و يذكر أنّ أوّل من رثاه من الشعراء هو سليمان بن قتّة العدوي التيمي مولى بني تيم بن مرّة، و كان منقطعا إلى بني هاشم، و مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، و اتّكأ على فرس له عربيّة، و أنشأ يقول:
مررت على أبيات آل محمّد # فلم أرها أمثالها يوم حلّت
ألم تر أنّ الشمس أضحت مريضة # لقتل حسين و البلاغ اقشعرت
و كانوا رجاء ثمّ أضحوا رزية # لقد عظمت تلك الرزايا و جلّت
و تسألنا قيس فنعطي فقيرها # و تقتلنا قيس إذا النعل زلّت
و عند غني قطرة من دمائنا # سنطلبها يوما بها حيث حلّت
فلا يبعد اللّه الديار و أهلها # و إن أصبحت منهم برغمي تخلّت
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم # أذلّ رقاب المسلمين فذلّت