و كان أبو الشعثاء يزيد بن زياد الكندي ممّن عدل إلى جيش الحسين و هو من أشهر رماة زمانه. فلمّا تكاثر عليهم رمي النبال و السهام جثا بين يدي الحسين و أرسل مائة سهم لم يكد يخيب منها خمسة أسهم.. و قاتل حتّى مات[1].
و كان الذين عدلوا إلى عسكر الحسين أشدّ أنصاره عزمة في القتال و هجمة على الموت، و منهم الحرّ بن يزيد الذي تقدّم ذكره.
فجاهد ما استطاع؛ ليقنع أصحابه الأوّلين بالكفّ عن حرب الحسين أو بالعدول إلى صفّه.. و قام على فرسه يخطب أهل الكوفة و يزجرهم، فسكتوا هنيهة ثمّ رشقوه بالنبل فعقروا فرسه و جرحوه.. فما زال يطلب الموت و يتحرّى من صفوفهم أكثفها جمعا و أقتلها نبلا حتّى سقط مثخنا بالجراح و هو ينادي الحسين: «السلام عليكم يا أبا عبد اللّه»[2].
و لم يكن من أصحاب الحسين إلاّ من يطلب الموت و يتحرّى مواقعه و أهدافه..
فكان نافع بن هلال البجلي[3]يكتب اسمه على أفواق نبله و يرسلها فيقتل بها و يجرح، و قلّما يخطئ مرماه. فأحاطوا به و ضربوه على ذراعيه
ق-العوالي 3: 179.
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 482-483، المنتظم 5: 345، الكامل في التاريخ 3: 293.
[2]الإرشاد 2: 100 و 104، البداية و النهاية 8: 180-181 و 182، سمط النجوم العوالي 3: 178.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (56) .
حتّى كسرتا، ثمّ أسروه و الدم يسيل من وجهه و يديه، فحسبوه يلين للوعيد و يجزع من التمثيل به، فأسمعهم ما يكرهون و راح يستزيد غيظهم، و يقول لهم:
- «لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوى من جرحت، و لو بقيت لي عضد و ساعد لزدت!»[1].
مصرع الحسين
و استهدف الحسين رضى اللّه عنه لأقواس القوم و سيوفهم، فجعل أنصاره يحمونه بأنفسهم و لا يقاتلون إلاّ بين يديه. و كلّما سقط منهم صريع أسرع إلى مكانه من يخلفه ليلقى حتفه على أثره.
فضاقت الفئة الكثيرة بالفئة القليلة، و سوّل لهم الضيق بما يعانون من ثباتها أن يقوّضوا الأخبية التي آوى إليها النساء و الأطفال؛ ليحيطوا بالعسكر القليل من جميع جهاته. ثمّ أخذوا في إحراقها، و أصحاب الحسين يصدّونهم و يدافعونهم، فرأى رضى اللّه عنه أنّ اشتغال أصحابه بمنعهم يصرفهم عن الاشتغال بقتالهم، فقال لهم:
- «دعوهم يحرقونها.. فإنّهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها»[2].
و ظلّ على حضور ذهنه و ثبات جأشه في تلك المحنة المتراكبة التي
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 479، الكامل في التاريخ 3: 292، البداية و النهاية 8: 184.
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 476، تاريخ الطبري 4: 635، الكامل في التاريخ 3: 291.
تعصف بالصبر و تطيش بالألباب.. و هو جهد عظيم لا تحتويه طاقة اللحم و الدم، و لا ينهض به إلاّ أولو العزم من أندر من يلد آدم و حوّاء.
فإنّه رضى اللّه عنه كان يقاسي جهد العطش و الجوع و السهر و نزف الجراح و متابعة القتال، و يلقي باله إلى حركات القوم و مكائدهم، و يدير لرهطه ما يحبطون به تلك الحركات و يتّقون به تلك المكائد، ثمّ هو يحمل بلاءه و بلاءهم، و يتكاثر عليه وقر الأسى لحظة بعد لحظة كلّما فجع بشهيد من شهدائهم، و لا يزال كلّما أصيب عزيز من أولئك الأعزّاء حمله إلى جانب إخوانه و فيهم رمق ينازعهم و ينازعونه، و ينسون في حشرجة الصدور ما هم فيه، فيطلبون الماء و يحزّ طلبهم في قلبه كلّما أعياه الجواب، و يرجع إلى ذخيرة بأسه فيستمدّ من هذه الآلام الكاوية عزما يناهض به الموت و يعرض به عن الحياة.. و يقول في أثر كلّ صريع: «لا خير في العيش من بعدك»[1]، و يهدّف صدره لكلّ ما يلقاه.
و إنّه لفي هذا كلّه، و بعضه يهدّ الكواهل و يقصم الأصلاب.. إذا بالرماح و السيوف تنوشه من كلّ جانب، و إذا بالقتل يتعدّى الرجال المقاتلين إلى الأطفال و الصبيان من عترته و آل بيته، و سقط كلّ من معه واحدا بعد واحد، فلم يبق حوله غير ثلاثة يناضلون دونه و يتلقّون الضرب عنه، و هو يسبقهم و يأذن لمن شاء منهم أن ينجو بنفسه و قد دنت الخاتمة و وضح المصير.
[1]مقاتل الطالبيين 76، الإرشاد 2: 106، إعلام الورى 1: 464، البداية و النهاية 8:
158.
و كان غلام من آل الحسين-هو عبد اللّه بن الحسن أخيه-ينظر من الأخبية، فرأى رجلا يضرب عمّه، بالسيف ليصيبه حين أخطأ زميله، فهرول الغلام إلى عمّه و صاح في براءة بالرجل:
- «يا ابن الخبيثة.. أتقتل عمّي؟!» .
فتعمّده الرجل بالسيف يريد قتله، فتلقّى الغلام ضربته بيده، فانقطعت و تعلقت بجلدها، فاعتنقه عمّه، و جعل يواسيه و هو مشغول بدفاع من يليه[1].
ثمّ سقط الثلاثة الذين بقوا معه، فانفرد وحده بقتال تلك الزحوف المطبقة عليه، و كان يحمل على الذين عن يمينه فيتفرّقون، و يشدّ على الخيل راجلا و يشقّ الصفوف وحيدا، و يهابه القريبون فيبتعدون، و يهمّ المتقدّمون بالإجهاز عليه ثمّ ينكصون.. لأنّهم تحرّجوا من قتله، و أحبّ كلّ منهم أن يكفيه غيره مغبّة وزره، فغضب شمر بن ذي الجوشن، و أمر الرماة أن يرشقوه بالنبل من بعيد، و صاح بمن حوله:
- «ويحكم!.. ماذا تنتظرون بالرجل؟.. اقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم!» .
فاندفعوا إليه تحت عيني شمر مخافة من وشايته و عقابه.. و ضربه زرعة بن شريك التميمي على يده اليسرى فقطعها، و ضربه غيره على عاتقه فخرّ على وجهه، ثمّ جعل يقوم و يكبو و هم يطعنونه بالرماح و يضربونه بالسيف حتّى سكن حراكه[2].
[1]مقاتل الطالبيين 77، إعلام الورى 1: 467، البداية و النهاية 8: 186.
[2]راجع: الأخبار الطوال 258، الفتوح لابن أعثم 5: 217-219، الإرشاد 2: 111--
و وجدت بعد موته رضى اللّه عنه ثلاث و ثلاثون طعنة و أربع و ثلاثون ضربة غير إصابة النبل و السهام، و أحصاها بعضهم في ثيابه فإذا هي مائة و عشرين[1].
و نزل خولي بن يزيد الأصبحي ليحتزّ رأسه، فملكته رعدة في يديه و جسده، فنحّاه شمر و هو يقول له:
- «فتّ اللّه في عضدك!» .
و احتزّ الرأس[2]و أبى إلاّ أن يسلّمه في رعدته سخرية به و تماديا في الشرّ و تحدّيا به لمن عسى أن ينعاه عليه!
و قضى اللّه على هذا الخبيث الوضر[3]أن يصف نفسه بفعله لا يطرقه الشكّ و الاتّهام، فكان ضغنه هذا كلّه ضغنا لا معنى له و لا باعث إليه إلاّ أنّه من أولئك الذين يخزيهم اللؤم فيسلّيهم بعض السلوى أن يؤلموا به الكرام، و يجعلوه تحدّيا مكشوفا كأنّه معرّض للزهو و الفخار، و هم يعلمون أنّه لا يفخر به و لا يزهى!و لكنّهم يبلغون به مأربهم إذا آلموا به من يحسّ فيهم الضعة و العار.
ق-112، البدء و التاريخ 6: 11، المنتظم 5: 340-341، الكامل في التاريخ 3: 295، تذكرة الخواص 253، تاريخ أبي الفداء 1: 265-266، مرآة الجنان 1: 107، سمط النجوم العوالي 3: 180.
[1]انظر المصادر المتقدّمة.
[2]راجع أيضا المصادر المتقدّمة.
[3]الوضر: وسخ الدسم و اللبن، أو غسالة السقاء و القصعة و نحوهما... و ما تشمّه من ريح تجدها من طعام فاسد. (القاموس المحيط 2: 160) .
و بقيت ذروة من الحميّة يرتفع إليها مرتفع، و بقيت وهدة من الخسّة ينحدر إليها منحدرون كثيرون.
فلم يكن في عسكر الحسين كلّه إلاّ رمق واحد من الحياة باق في رجل طعين مثخن بالجراح، تركوه و لم يجهزوا عليه لظنّهم أنّه قد مات.
ذلك الرجل الكريم هو سويد بن أبي المطاع[1]أصدق الأنصار و أنبل الأبطال.
فأبى اللّه لهذا الرمق الضعيف أن يفارق الدنيا بغير مكرمة يتمّ بها مكرمات يومه، و تشتمل عليها النفوس الكثيرات، فإذا هي حسبها من شرف مجد و ثناء.
تنادى القوم بمصرع الحسين، فبلغت صيحتهم مسمعه الذي أثقله النزع و أوشك أن يجهل ما يسمع، فلم يخطر له أن يسكن لينجو و قد ذهب الأمل و حمّ الختام، و لم يخطر له أنّه ضعيف منزوف يعجّل به القوم قبل أن ينال من القوم أهون منال، و لم يحسب حساب شيء في تلك اللحظة العصيبة إلاّ أن يجاهد في القوم بما استطاع بالغا ما بلغ من ضعف هذا المستطاع.
فالتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه، و نظر إلى شيء يجاهد به فلم تقع يده إلاّ على مدية صغيرة لا غناء بها مع السيوف و الرماح، و لكنّه قنع بها و غالب الوهن و الموت، ثمّ وثب على قدميه من بين الموتى و ثبة المستيئس
[1]اسمه: سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، كما في منتهى الآمال 1: 671.
و قيل: اسمه سويد بن المطاع، كما في الكامل في التاريخ 3: 295.
الذي لا يفرّ من شيء و لا يبالي من يصيب و ما يصاب، فتولاّهم الذعر و شلّت أيديهم التي كانت خليقة أن تمتدّ إليه، و انطلق هو يثخن فيهم قتلا و جرحا حتّى أفاقوا له من ذعرهم و من شغلهم بضجّتهم و غيمتهم، فلم يقووا عليه حتّى تعاون على قتله رجلان[1]..
فكان هذا حقّا هو الكرم و المجد في عسكر الحسين إلى الرمق الأخير.
خسّة و وحشيّة
و كان حقّا لا مجازا ما توخّيناه حين قلنا: إنّهما طرفان متناقضان، و إنّها حرب بين أشرف ما في الإنسان و أوضع ما في الإنسان.
فبينما كان الرجل في عسكر الحسين ينهض من بين الموتى و لا يضنّ بالرمق الأخير في سبيل إيمانه، إذا بالآخرين يقترفون أسوأ المآثم في رأيهم -قبل رأي غيرهم-من أجل غنيمة هيّنة لا تسمن و لا تغني من جوع.
فلو كان كلّ ما في عسكر الحسين ذهبا و درّا لما أغنى عنهم شيئا و هم قرابة أربعة آلاف.. و لكنّهم ما استيقنوا بالعاقبة-قبل أن يسلم الحسين نفسه الأخير-حتّى كان همّهم إلى الأسلاب التي يطلبونها حيث وجودها، فأهرعوا إلى النساء من بيت رسول اللّه ينازعونهنّ الحلى و الثياب التي على أجسادهنّ[2]، لا يزعهم عن حرمات رسول اللّه وازع من دين أو مروءة.
[1]هما: عروة بن بكار التغلبي، و زيد بن ورقاء.
راجع منتهى الآمال 1: 671.
[2]الإرشاد 2: 112، البداية و النهاية 8: 188.
و انقلبوا إلى جثّة الحسين يتخطّفون ما عليها من كساء تخلّلته الطعون حتّى أوشكوا أن يتركوها على الأرض عارية، لولا سراويل لبسها;ممزّقة و تعمّد تمزيقها ليتركوها على جسده و لا يسلبوها.
ثمّ ندبوا عشرة من الفرسان[1]يوطئون جثّته الخيل كما أمرهم ابن زياد، فوطئوها مقبلين و مدبرين حتّى رضّوا صدره و ظهره[2].
و قد يساق الغنم هنا معذرة للإثم بالغا ما بلغ هذا من العظم و بالغا ما بلغ ذلك من التفاهة، لكنّهم في الحقيقة قد ولعوا بالشرّ للشرّ من غير ما طمع في مغنم كبير أو صغير.
فحرّموا الري على الطفل الظامئ العليل و أرسلوا إلى أحشائه السهام بديلا من الماء، و قتلوا من لا غرض في قتله، و روّعوا من لا مكرمة في ترويعه.. فربّما خرج الطفل من الأخبية ناظرا وجلا لا يفقه ما يجري حوله، فينقضّ عليه الفارس الرامح فوق فرسه و يطعنه الطعنة القاضية بمرأى من الأمّ و الأخت و العمّة و القريبة.
و لم تكن في الذي حدث من هذا القبيل مبالغة يزعمونها كما زعم أجراء الذمم بعد ذلك عن حوادث كربلاء و جرائر كربلاء.
[1]هم: إسحاق بن حوية، و أخنس بن مرثد، و أسيد بن مالك، و حكيم بن الطفيل السنبسي، و عمرو بن صبيح الصيّداي، و رجاء بن منقذ العبدي، و سالم بن خيثمة الجعفي، و واحظ بن ناعم، و صالح بن وهب الجعفي، و هانئ بن ثبيت الحضرمي.
انظر بحار الأنوار 45: 59.
[2]إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 189.