فقد قتل فعلا في كربلاء كلّ كبير و صغير من سلالة علي رضى اللّه عنه، و لم ينج من ذكورهم غير الصبي علي زين العابدين.
و في ذلك يقول سراقة الباهلي:
عين جودي بعبرة و عويل # و اندبي ما ندبت آل الرسول
سبعة منهم لصلب علي # قد أبيدوا و سبعة لعقيل[1]
و ما نجا علي زين العابدين إلاّ بأعجوبة من أعاجيب المقادير؛ لأنّه كان مريضا على حجور النساء يتوقّعون له الموت هامة اليوم أو غد، فلمّا همّ شمر بن ذي الجوشن بقتله نهاه عمر بن سعد عنه[2]إمّا حياء من قرابة الرحم أمام النساء-و قد كان له نسب يجتمع به في عبد مناف-و إمّا توقّعا لموته من السقم المضني الذي كان يعانيه.. فنجا بهذه الأعجوبة في لحظة عابرة، و حفظ به نسل الحسين من بعده، و لو لا ذلك لباد.
ثمّ قطعوا الرؤوس و رفعوها أمامهم على الحراب، و تركوا الجثث ملقاة على الأرض لا يدفنونها و لا يصلّون عليها كما صلّوا على جثث قتلاهم، و مرّوا بالنساء حواسر من طريقها، فولولن باكيات، و صاحت زينب (رضي اللّه عنها) :
- «يا محمّداه!.. هذا الحسين بالعراء، و بناتك سبايا، و ذرّيتك مقتّلة تسفي عليها الصبا»[3].
[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 162.
[2]الإرشاد 2: 112-113، الكامل في التاريخ 3: 295، تذكرة الخواص 258.
[3]إعلام الورى 1: 470، الكامل في التاريخ 3: 295.
غ
فوجم القوم مبهوتين و غلبت دموعهم قلوبهم.. فبكى العدو كما بكى الصديق!.
لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النبي محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من هذه الدنيا إلى حظيرة الخلود، محمّد الذي برّ بدينهم و دنياهم، فلم ينقل من الدنيا حتّى نقلهم من الظلمة إلى النور، و من حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها أمم العالمين. ثمّ هذه خمسون سنة لم تنقض بعد، و إذا هم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة سباياه بنات محمّد حواسر على المطايا، و أعلامه رؤوس أبنائه على الحراب، و هم داخلون به دخول الظافرين!
و بقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء «تسفي عليها الصبا»[1].
فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء..
فلمّا أمنوا العيون بعد يوم أو يومين سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله شرفا و لا وحشة في الآباد بعد الآباد.
و كان يوم المقتل في العاشر من المحرّم.. فكان القمر في تلك الليلة على و شك التمام.. فحفروا القبور على ضوئه، و صلّوا على الجثث و دفنوها، ثمّ غادروها هناك في ذمّة التأريخ[2].
[1]سفت الريح التراب: ذرته، و قيل: حملته. و الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور.
راجع لسان العرب 6: 290 و 7: 284.
[2]الإرشاد 2: 114، البداية و النهاية 8: 189.
فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متّفقين و مختلفين، و من حقّه أن يطيف به كلّ إنسان؛ لأنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء.
فما أظلّت قبّة السماء مكانا لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة و ذكرى الشهداء.
جريرة كربلاء
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
جريرة كربلاء
موطن الرأس
اتّفقت الأقوال في مدفن جسد الحسين7[1]، و تعدّدت أيّما تعدّد في موطن الرأس الشريف:
فمنها: أنّ الرأس قد أعيد بعد فترة إلى كربلاء، فدفن مع الجسد فيها[2].
و منها: أنّه أرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص[3]والي يزيد على المدينة، فدفنه بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة الزهراء[4].
و منها: أنّه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته، فدفن بدمشق
[1]نزهة المشتاق 2: 668، إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 203.
[2]رسائل المرتضى 3: 130، تذكرة الخواص 265.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (57) .
[4]ذكر هذا القول في: الردّ على المتعصّب العنيد 49-51، المنتظم 5: 344، تاريخ أبي الفداء 1: 266، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 20، مرآة الجنان 1: 109، البداية و النهاية 8: 204، نور الأبصار 269.
عند باب الفراديس[1].
و منها: أنّه كان قد طيف به في البلاد حتّى وصل إلى عسقلان[2]، فدفنه أميرها هناك، و بقي بها حتّى استولى عليها الإفرنج في الحروب الصليبيّة.. فبذل لهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمصر[3]ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دفن بمشهده المشهور[4].
قال الشعراني[5]في طبقات الأولياء: «إنّ الوزير صالح طلائع بن رزّيك خرج هو و عسكره حفاة إلى الصالحيّة، فتلقّى الرأس الشريف، و وضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، و فرش تحته المسك و العنبر و الطيب، و دفن في المشهد الحسيني قريبا من خان
[1]ذكر هذا القول في: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 214، المنتظم 5:
344، البداية و النهاية 8: 204، سمط النجوم العوالي 3: 197-198.
و باب الفراديس: باب من أبواب دمشق، و الفراديس عند أهل الشام هي الكروم و البساتين. (معجم البلدان 3: 420) .
[2]عسقلان: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزّة و بيت جبرين، و يقال لها: عروس الشام، و قد نزلها جماعة من الصحابة و التابعين، و حدّث بها خلق كثير، و لم تزل عامرة حتّى استولى عليها الإفرنج سنة 548 هـ، و بقيت في أيديهم خمسا و ثلاثين سنة إلى أن استنقذها صلاح الدين يوسف بن أيّوب منهم سنة 583 هـ، ثمّ قوي الإفرنج و فتحوا عكّا و ساروا نحو عسقلان، فخشي أن يتمّ عليها ما تمّ على عكّا، فخرّبها سنة 587 هـ. (معجم البلدان 3: 327) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (58) .
[4]نور الأبصار 269، و لاحظ رحلة ابن جبير 19 و 242.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (59) .
الخليلي في القبر المعروف»[1].
و قال السائح الهروي[2]في الإشارات إلى أماكن الزيارات: «و بها- أي: عسقلان-مشهد الحسين رضى اللّه عنه، كان رأسه بها، فلمّا أخذتها الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة سنة تسع و أربعين و خمس مائة» .
و في رحلة ابن بطّوطة[3]: أنّه سافر إلى عسقلان «و به المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي7قبل أن ينقل إلى القاهرة»[4].
و ذكر سبط ابن الجوزي[5]-فيما ذكر من الأقوال المتعدّدة-: بأنّ الرأس بمسجد الرقّة[6]على الفرات، و أنّه لمّا جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: «لأبعثنّه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان» ، و كانوا بالرقّة، فدفنوه في بعض دورهم، ثمّ دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، و هو إلى جانب سوره هناك[7].
فالأماكن التي ذكرت بهذا الصدد ستّة في ستّ مدن هي: المدينة،
[1]حكي عنه في نور الأبصار 269.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (60) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (61) .
[4]رحلة ابن بطّوطة 60.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (62) .
[6]الرقّة: مدينة مشهورة على الفرات بينها و بين حرّان ثلاثة أيام معدودة في بلاد الجزيرة.
(معجم البلدان 2: 413-414) .
[7]تذكرة الخواص 266.