بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 253

و انقلبوا إلى جثّة الحسين يتخطّفون ما عليها من كساء تخلّلته الطعون حتّى أوشكوا أن يتركوها على الأرض عارية، لولا سراويل لبسها;ممزّقة و تعمّد تمزيقها ليتركوها على جسده و لا يسلبوها.

ثمّ ندبوا عشرة من الفرسان‌[1]يوطئون جثّته الخيل كما أمرهم ابن زياد، فوطئوها مقبلين و مدبرين حتّى رضّوا صدره و ظهره‌[2].

و قد يساق الغنم هنا معذرة للإثم بالغا ما بلغ هذا من العظم و بالغا ما بلغ ذلك من التفاهة، لكنّهم في الحقيقة قد ولعوا بالشرّ للشرّ من غير ما طمع في مغنم كبير أو صغير.

فحرّموا الري على الطفل الظامئ العليل و أرسلوا إلى أحشائه السهام بديلا من الماء، و قتلوا من لا غرض في قتله، و روّعوا من لا مكرمة في ترويعه.. فربّما خرج الطفل من الأخبية ناظرا وجلا لا يفقه ما يجري حوله، فينقضّ عليه الفارس الرامح فوق فرسه و يطعنه الطعنة القاضية بمرأى من الأمّ و الأخت و العمّة و القريبة.

و لم تكن في الذي حدث من هذا القبيل مبالغة يزعمونها كما زعم أجراء الذمم بعد ذلك عن حوادث كربلاء و جرائر كربلاء.

[1]هم: إسحاق بن حوية، و أخنس بن مرثد، و أسيد بن مالك، و حكيم بن الطفيل السنبسي، و عمرو بن صبيح الصيّداي، و رجاء بن منقذ العبدي، و سالم بن خيثمة الجعفي، و واحظ بن ناعم، و صالح بن وهب الجعفي، و هانئ بن ثبيت الحضرمي.

انظر بحار الأنوار 45: 59.

[2]إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 189.


صفحه 254

فقد قتل فعلا في كربلاء كلّ كبير و صغير من سلالة علي رضى اللّه عنه، و لم ينج من ذكورهم غير الصبي علي زين العابدين.

و في ذلك يقول سراقة الباهلي:

عين جودي بعبرة و عويل # و اندبي ما ندبت آل الرسول

سبعة منهم لصلب علي # قد أبيدوا و سبعة لعقيل‌[1]

و ما نجا علي زين العابدين إلاّ بأعجوبة من أعاجيب المقادير؛ لأنّه كان مريضا على حجور النساء يتوقّعون له الموت هامة اليوم أو غد، فلمّا همّ شمر بن ذي الجوشن بقتله نهاه عمر بن سعد عنه‌[2]إمّا حياء من قرابة الرحم أمام النساء-و قد كان له نسب يجتمع به في عبد مناف-و إمّا توقّعا لموته من السقم المضني الذي كان يعانيه.. فنجا بهذه الأعجوبة في لحظة عابرة، و حفظ به نسل الحسين من بعده، و لو لا ذلك لباد.

ثمّ قطعوا الرؤوس و رفعوها أمامهم على الحراب، و تركوا الجثث ملقاة على الأرض لا يدفنونها و لا يصلّون عليها كما صلّوا على جثث قتلاهم، و مرّوا بالنساء حواسر من طريقها، فولولن باكيات، و صاحت زينب (رضي اللّه عنها) :

- «يا محمّداه!.. هذا الحسين بالعراء، و بناتك سبايا، و ذرّيتك مقتّلة تسفي عليها الصبا»[3].

[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 162.

[2]الإرشاد 2: 112-113، الكامل في التاريخ 3: 295، تذكرة الخواص 258.

[3]إعلام الورى 1: 470، الكامل في التاريخ 3: 295.

غ


صفحه 255

فوجم القوم مبهوتين و غلبت دموعهم قلوبهم.. فبكى العدو كما بكى الصديق!.

لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النبي محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من هذه الدنيا إلى حظيرة الخلود، محمّد الذي برّ بدينهم و دنياهم، فلم ينقل من الدنيا حتّى نقلهم من الظلمة إلى النور، و من حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها أمم العالمين. ثمّ هذه خمسون سنة لم تنقض بعد، و إذا هم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة سباياه بنات محمّد حواسر على المطايا، و أعلامه رؤوس أبنائه على الحراب، و هم داخلون به دخول الظافرين!

و بقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء «تسفي عليها الصبا»[1].

فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء..

فلمّا أمنوا العيون بعد يوم أو يومين سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله شرفا و لا وحشة في الآباد بعد الآباد.

و كان يوم المقتل في العاشر من المحرّم.. فكان القمر في تلك الليلة على و شك التمام.. فحفروا القبور على ضوئه، و صلّوا على الجثث و دفنوها، ثمّ غادروها هناك في ذمّة التأريخ‌[2].

[1]سفت الريح التراب: ذرته، و قيل: حملته. و الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور.

راجع لسان العرب 6: 290 و 7: 284.

[2]الإرشاد 2: 114، البداية و النهاية 8: 189.


صفحه 256

فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متّفقين و مختلفين، و من حقّه أن يطيف به كلّ إنسان؛ لأنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي بين سائر الأحياء.

فما أظلّت قبّة السماء مكانا لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة و ذكرى الشهداء.


صفحه 257

جريرة كربلاء


صفحه 258

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 259

جريرة كربلاء

موطن الرأس‌

اتّفقت الأقوال في مدفن جسد الحسين7‌[1]، و تعدّدت أيّما تعدّد في موطن الرأس الشريف:

فمنها: أنّ الرأس قد أعيد بعد فترة إلى كربلاء، فدفن مع الجسد فيها[2].

و منها: أنّه أرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص‌[3]والي يزيد على المدينة، فدفنه بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة الزهراء[4].

و منها: أنّه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته، فدفن بدمشق

[1]نزهة المشتاق 2: 668، إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 203.

[2]رسائل المرتضى 3: 130، تذكرة الخواص 265.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (57) .

[4]ذكر هذا القول في: الردّ على المتعصّب العنيد 49-51، المنتظم 5: 344، تاريخ أبي الفداء 1: 266، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 20، مرآة الجنان 1: 109، البداية و النهاية 8: 204، نور الأبصار 269.


صفحه 260

عند باب الفراديس‌[1].

و منها: أنّه كان قد طيف به في البلاد حتّى وصل إلى عسقلان‌[2]، فدفنه أميرها هناك، و بقي بها حتّى استولى عليها الإفرنج في الحروب الصليبيّة.. فبذل لهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمصر[3]ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دفن بمشهده المشهور[4].

قال الشعراني‌[5]في طبقات الأولياء: «إنّ الوزير صالح طلائع بن رزّيك خرج هو و عسكره حفاة إلى الصالحيّة، فتلقّى الرأس الشريف، و وضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، و فرش تحته المسك و العنبر و الطيب، و دفن في المشهد الحسيني قريبا من خان

[1]ذكر هذا القول في: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 214، المنتظم 5:

344، البداية و النهاية 8: 204، سمط النجوم العوالي 3: 197-198.

و باب الفراديس: باب من أبواب دمشق، و الفراديس عند أهل الشام هي الكروم و البساتين. (معجم البلدان 3: 420) .

[2]عسقلان: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزّة و بيت جبرين، و يقال لها: عروس الشام، و قد نزلها جماعة من الصحابة و التابعين، و حدّث بها خلق كثير، و لم تزل عامرة حتّى استولى عليها الإفرنج سنة 548 هـ، و بقيت في أيديهم خمسا و ثلاثين سنة إلى أن استنقذها صلاح الدين يوسف بن أيّوب منهم سنة 583 هـ، ثمّ قوي الإفرنج و فتحوا عكّا و ساروا نحو عسقلان، فخشي أن يتمّ عليها ما تمّ على عكّا، فخرّبها سنة 587 هـ. (معجم البلدان 3: 327) .

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (58) .

[4]نور الأبصار 269، و لاحظ رحلة ابن جبير 19 و 242.

[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (59) .