جريرة كربلاء
موطن الرأس
اتّفقت الأقوال في مدفن جسد الحسين7[1]، و تعدّدت أيّما تعدّد في موطن الرأس الشريف:
فمنها: أنّ الرأس قد أعيد بعد فترة إلى كربلاء، فدفن مع الجسد فيها[2].
و منها: أنّه أرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص[3]والي يزيد على المدينة، فدفنه بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة الزهراء[4].
و منها: أنّه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته، فدفن بدمشق
[1]نزهة المشتاق 2: 668، إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 203.
[2]رسائل المرتضى 3: 130، تذكرة الخواص 265.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (57) .
[4]ذكر هذا القول في: الردّ على المتعصّب العنيد 49-51، المنتظم 5: 344، تاريخ أبي الفداء 1: 266، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 20، مرآة الجنان 1: 109، البداية و النهاية 8: 204، نور الأبصار 269.
عند باب الفراديس[1].
و منها: أنّه كان قد طيف به في البلاد حتّى وصل إلى عسقلان[2]، فدفنه أميرها هناك، و بقي بها حتّى استولى عليها الإفرنج في الحروب الصليبيّة.. فبذل لهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمصر[3]ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دفن بمشهده المشهور[4].
قال الشعراني[5]في طبقات الأولياء: «إنّ الوزير صالح طلائع بن رزّيك خرج هو و عسكره حفاة إلى الصالحيّة، فتلقّى الرأس الشريف، و وضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، و فرش تحته المسك و العنبر و الطيب، و دفن في المشهد الحسيني قريبا من خان
[1]ذكر هذا القول في: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 214، المنتظم 5:
344، البداية و النهاية 8: 204، سمط النجوم العوالي 3: 197-198.
و باب الفراديس: باب من أبواب دمشق، و الفراديس عند أهل الشام هي الكروم و البساتين. (معجم البلدان 3: 420) .
[2]عسقلان: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزّة و بيت جبرين، و يقال لها: عروس الشام، و قد نزلها جماعة من الصحابة و التابعين، و حدّث بها خلق كثير، و لم تزل عامرة حتّى استولى عليها الإفرنج سنة 548 هـ، و بقيت في أيديهم خمسا و ثلاثين سنة إلى أن استنقذها صلاح الدين يوسف بن أيّوب منهم سنة 583 هـ، ثمّ قوي الإفرنج و فتحوا عكّا و ساروا نحو عسقلان، فخشي أن يتمّ عليها ما تمّ على عكّا، فخرّبها سنة 587 هـ. (معجم البلدان 3: 327) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (58) .
[4]نور الأبصار 269، و لاحظ رحلة ابن جبير 19 و 242.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (59) .
الخليلي في القبر المعروف»[1].
و قال السائح الهروي[2]في الإشارات إلى أماكن الزيارات: «و بها- أي: عسقلان-مشهد الحسين رضى اللّه عنه، كان رأسه بها، فلمّا أخذتها الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة سنة تسع و أربعين و خمس مائة» .
و في رحلة ابن بطّوطة[3]: أنّه سافر إلى عسقلان «و به المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي7قبل أن ينقل إلى القاهرة»[4].
و ذكر سبط ابن الجوزي[5]-فيما ذكر من الأقوال المتعدّدة-: بأنّ الرأس بمسجد الرقّة[6]على الفرات، و أنّه لمّا جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: «لأبعثنّه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان» ، و كانوا بالرقّة، فدفنوه في بعض دورهم، ثمّ دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، و هو إلى جانب سوره هناك[7].
فالأماكن التي ذكرت بهذا الصدد ستّة في ستّ مدن هي: المدينة،
[1]حكي عنه في نور الأبصار 269.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (60) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (61) .
[4]رحلة ابن بطّوطة 60.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (62) .
[6]الرقّة: مدينة مشهورة على الفرات بينها و بين حرّان ثلاثة أيام معدودة في بلاد الجزيرة.
(معجم البلدان 2: 413-414) .
[7]تذكرة الخواص 266.
و كربلاء، و الرقّة، و دمشق، و عسقلان، و القاهرة، و هي تدخل في بلاد:
الحجاز و العراق و الشام و بيت المقدس و الديار المصريّة.
فإن لم تكن هي الأماكن التي دفن فيها رأس الحسين، فهي الأماكن التي تحيا بها ذكراه لا مراء.
و للتأريخ اختلافات كثيرة، نسمّيها بالاختلافات اللفظيّة أو العرضيّة؛ لأنّ نتيجتها الجوهريّة سواء بين جميع الأقوال، و منها الاختلاف على مدفن رأس الحسين7.
فأيّا كان الموضع الذي دفن في ذلك الرأس الشريف، فهو في كلّ موضع أهل للتعظيم و التشريف.
و إنّما أصبح الحسين-بكرامة الشهادة و كرامة البطولة و كرامة الأسرة النبويّة-معنى يحضره الرجل في صدره و هو قريب أو بعيد من قبره، و إنّ هذا المعنى لفي القاهرة و في عسقلان و في دمشق و في الرقّة و في كربلاء و في المدينة و في غير تلك الأماكن سواء.
وقاحة ابن زياد
و يقلّ الاختلاف أو يسهّل التجاوز عنه كذلك فيما حدث بين فاجعة كربلاء و لقاء يزيد.
فالمتواتر الموافق لسير الأمور أنّهم حملوا الرؤوس و النساء إلى الكوفة، فأمر ابن زياد أن يطاف بها في أحياء الكوفة ثمّ ترسل إلى يزيد[1].
[1]الكامل في التاريخ 3: 297-298، سمط النجوم العوالي 3: 181.
و كانت فعلة يدارونها بالتوقّح فيها على سنّة المأخوذ الذي لا يملك مداراة ما فعل.
فبات خولي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته، و هو يمنّي نفسه بغنى الدهر، كما قال. فأقسمت امرأة له حضر ميّة[1]: «لا يجمع رأسها و رأسه بيت و فيه رأس ابن رسول اللّه»[2].
ثمّ غدا إلى قصر ابن زياد و كان عنده زيد بن أرقم[3]من أصحاب رسول اللّه.. فرآه ينكث[4]ثنايا الرأس حين وضع أمامه في أجانة، فصاح به مغضبا:
- «ارفع قضيبك عن هاتين الثنيّتين.. فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشفتين يقبّلهما» ..
و بكى..
فهزئ به ابن زياد، و قال له:
- «لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك!» .
فخرج زيد و هو ينادي في الناس غير حافل بشيء:
- «أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم.. قتلتم ابن فاطمة و آثرتم ابن مرجانة، فهو يقتل شراركم و يستعبد خياركم»[5].
[1]اسمها النوار، كما في منتهى الآمال 1: 717.
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 493-494، الكامل في التاريخ 3: 296.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (63) .
[4]النكث: الضرب بقضيب مع التأثير في المضروب. (صحاح اللغة 1: 269) .
[5]الأخبار الطوال 259-260، الإرشاد 2: 114-115، شرح نهج البلاغة لابن-
و أدخلت السيّدة زينب بنت علي (رضي اللّه عنها) ، و عليها أرذل ثيابها، و معها عيال الحسين و إماؤها.. فجلست ناحية لا تتكلّم و لا تنظر إلى ما أمامها. فسأل ابن زياد:
- «من هذه التي انحازت ناحية و معها نساؤها؟» .
فلم تجبه.. فأعاد سؤاله ثلاثا و هي لا تجيبه، ثمّ أجابت عنها إحدى الإماء:
- «هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» .
فاجترأ ابن زياد قائلا:
- «الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أبطل أحدوثتكم» .
و قد كانت زينب (رضي اللّه عنها) حقّا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال.. كانت كأشجع و أرفع ما تكون حفيدة محمّد و بنت علي و أخت الحسين. و كتب لها أن تحفظ بشجاعتها و تضحيتها بقيّة العقب الحسيني من الذكور.. و لو لاها لانقرض من يوم كربلاء.
فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة:
- «الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيّه و طهّرنا من الرجس تطهيرا.. إنّما يفضح الفاسق و يكذب الفاجر، و هو غيرنا، و الحمد للّه» .
ق-أبي الحديد 10: 179، إعلام الورى 1: 471، الردّ على المتعصّب العنيد 43، المنتظم 5: 341، تذكرة الخواص 257، تاريخ أبي الفداء 1: 266.
و في البداية و النهاية (8: 197) ذكر: أنّ المتحدّث هو أبو برزة الأسلمي.
فقال ابن زياد:
«قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك و العصاة» .
فغلبها الحزن و الغيظ من هذا التشفّي الذي لا ناصر لها منه، و قالت:
- «لقد قتلت كهلي و أبدت أهلي و قطعت فرعي و اجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت» .
فتهاتف ابن زياد ساخرا، و قال:
- «هذه سجّاعة.. لعمري لقد كان أبوها سجّاعا شاعرا!» .
فقالت زينب:
- «إنّ لي عن السجاعة لشغلا.. ما للمرأة و السجاعة؟»[1].
علي زين العابدين
ثمّ نظر ابن زياد إلى غلام عليل هزيل مع السيّدة زينب، فسأله:
- «من أنت؟» ..
قال: «علي بن الحسين» .
قال: «أو لم يقتل اللّه علي بن الحسين؟» ..
قال: «كان لي أخ يسمّى عليّا قتله الناس» .
فأعاد ابن زياد قوله: «اللّه قتله» .
[1]الإرشاد 2: 115-116، إعلام الورى 1: 471-472، الكامل في التاريخ 3: 296- 297، البداية و النهاية 8: 193، سمط النجوم العوالي 3: 181.
فقال علي: «اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا[1]،وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ[2]» .
فأخذت ابن زياد عزّة الإثم، و انتهره قائلا:
- «و بك جرأة لجوابي!» .
و صاح الخبيث الأثيم بجنده:
- «اذهبوا به، فاضربوا عنقه» .
فجاشت بعمّة الغلام قوّة لا يردّها سلطان و لا يرهبها سلاح؛ لأنّها قوّة من هان لديه الموت و هانت عليه الحياة، فاعتنقت الغلام اعتناق من اعتزم ألاّ يفارقه إلاّ و هو جثّة هامدة، و أقسمت: «لئن قتلته لتقتلني معه» .
فارتدّ ابن زياد مشدوها، و هو يقول متعجّبا:
- «يا للرحم!إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه» .
ثمّ قال: «دعوه لما به»[3].. كأنه حسب أنّ العلّة قاضية عليه.
و علي هذا هو زين العابدين جدّ كلّ منتسب إلى الحسين7، و كان- كما قال ابن سعد[4]في الطبقات-: «ثقة كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا»[5]،
[1]سورة الزمر 39: 42.
[2]سورة آل عمران 3: 145.
[3]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 212، إعلام الورى 1: 472-473، الكامل في التاريخ 3: 297.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (64) .
[5]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 222. و وردت فيه زيادة كلمة: (مأمونا) بعد كلمة:
(ثقة) .