بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 259

جريرة كربلاء

موطن الرأس‌

اتّفقت الأقوال في مدفن جسد الحسين7‌[1]، و تعدّدت أيّما تعدّد في موطن الرأس الشريف:

فمنها: أنّ الرأس قد أعيد بعد فترة إلى كربلاء، فدفن مع الجسد فيها[2].

و منها: أنّه أرسل إلى عمرو بن سعيد بن العاص‌[3]والي يزيد على المدينة، فدفنه بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة الزهراء[4].

و منها: أنّه وجد بخزانة ليزيد بن معاوية بعد موته، فدفن بدمشق

[1]نزهة المشتاق 2: 668، إعلام الورى 1: 470، البداية و النهاية 8: 203.

[2]رسائل المرتضى 3: 130، تذكرة الخواص 265.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (57) .

[4]ذكر هذا القول في: الردّ على المتعصّب العنيد 49-51، المنتظم 5: 344، تاريخ أبي الفداء 1: 266، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 20، مرآة الجنان 1: 109، البداية و النهاية 8: 204، نور الأبصار 269.


صفحه 260

عند باب الفراديس‌[1].

و منها: أنّه كان قد طيف به في البلاد حتّى وصل إلى عسقلان‌[2]، فدفنه أميرها هناك، و بقي بها حتّى استولى عليها الإفرنج في الحروب الصليبيّة.. فبذل لهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمصر[3]ثلاثين ألف درهم على أن ينقله إلى القاهرة حيث دفن بمشهده المشهور[4].

قال الشعراني‌[5]في طبقات الأولياء: «إنّ الوزير صالح طلائع بن رزّيك خرج هو و عسكره حفاة إلى الصالحيّة، فتلقّى الرأس الشريف، و وضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، و فرش تحته المسك و العنبر و الطيب، و دفن في المشهد الحسيني قريبا من خان

[1]ذكر هذا القول في: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 214، المنتظم 5:

344، البداية و النهاية 8: 204، سمط النجوم العوالي 3: 197-198.

و باب الفراديس: باب من أبواب دمشق، و الفراديس عند أهل الشام هي الكروم و البساتين. (معجم البلدان 3: 420) .

[2]عسقلان: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزّة و بيت جبرين، و يقال لها: عروس الشام، و قد نزلها جماعة من الصحابة و التابعين، و حدّث بها خلق كثير، و لم تزل عامرة حتّى استولى عليها الإفرنج سنة 548 هـ، و بقيت في أيديهم خمسا و ثلاثين سنة إلى أن استنقذها صلاح الدين يوسف بن أيّوب منهم سنة 583 هـ، ثمّ قوي الإفرنج و فتحوا عكّا و ساروا نحو عسقلان، فخشي أن يتمّ عليها ما تمّ على عكّا، فخرّبها سنة 587 هـ. (معجم البلدان 3: 327) .

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (58) .

[4]نور الأبصار 269، و لاحظ رحلة ابن جبير 19 و 242.

[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (59) .


صفحه 261

الخليلي في القبر المعروف»[1].

و قال السائح الهروي‌[2]في الإشارات إلى أماكن الزيارات: «و بها- أي: عسقلان-مشهد الحسين رضى اللّه عنه، كان رأسه بها، فلمّا أخذتها الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة سنة تسع و أربعين و خمس مائة» .

و في رحلة ابن بطّوطة[3]: أنّه سافر إلى عسقلان «و به المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي7قبل أن ينقل إلى القاهرة»[4].

و ذكر سبط ابن الجوزي‌[5]-فيما ذكر من الأقوال المتعدّدة-: بأنّ الرأس بمسجد الرقّة[6]على الفرات، و أنّه لمّا جي‌ء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: «لأبعثنّه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان» ، و كانوا بالرقّة، فدفنوه في بعض دورهم، ثمّ دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، و هو إلى جانب سوره هناك‌[7].

فالأماكن التي ذكرت بهذا الصدد ستّة في ستّ مدن هي: المدينة،

[1]حكي عنه في نور الأبصار 269.

[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (60) .

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (61) .

[4]رحلة ابن بطّوطة 60.

[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (62) .

[6]الرقّة: مدينة مشهورة على الفرات بينها و بين حرّان ثلاثة أيام معدودة في بلاد الجزيرة.

(معجم البلدان 2: 413-414) .

[7]تذكرة الخواص 266.


صفحه 262

و كربلاء، و الرقّة، و دمشق، و عسقلان، و القاهرة، و هي تدخل في بلاد:

الحجاز و العراق و الشام و بيت المقدس و الديار المصريّة.

فإن لم تكن هي الأماكن التي دفن فيها رأس الحسين، فهي الأماكن التي تحيا بها ذكراه لا مراء.

و للتأريخ اختلافات كثيرة، نسمّيها بالاختلافات اللفظيّة أو العرضيّة؛ لأنّ نتيجتها الجوهريّة سواء بين جميع الأقوال، و منها الاختلاف على مدفن رأس الحسين7.

فأيّا كان الموضع الذي دفن في ذلك الرأس الشريف، فهو في كلّ موضع أهل للتعظيم و التشريف.

و إنّما أصبح الحسين-بكرامة الشهادة و كرامة البطولة و كرامة الأسرة النبويّة-معنى يحضره الرجل في صدره و هو قريب أو بعيد من قبره، و إنّ هذا المعنى لفي القاهرة و في عسقلان و في دمشق و في الرقّة و في كربلاء و في المدينة و في غير تلك الأماكن سواء.

وقاحة ابن زياد

و يقلّ الاختلاف أو يسهّل التجاوز عنه كذلك فيما حدث بين فاجعة كربلاء و لقاء يزيد.

فالمتواتر الموافق لسير الأمور أنّهم حملوا الرؤوس و النساء إلى الكوفة، فأمر ابن زياد أن يطاف بها في أحياء الكوفة ثمّ ترسل إلى يزيد[1].

[1]الكامل في التاريخ 3: 297-298، سمط النجوم العوالي 3: 181.


صفحه 263

و كانت فعلة يدارونها بالتوقّح فيها على سنّة المأخوذ الذي لا يملك مداراة ما فعل.

فبات خولي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته، و هو يمنّي نفسه بغنى الدهر، كما قال. فأقسمت امرأة له حضر ميّة[1]: «لا يجمع رأسها و رأسه بيت و فيه رأس ابن رسول اللّه»[2].

ثمّ غدا إلى قصر ابن زياد و كان عنده زيد بن أرقم‌[3]من أصحاب رسول اللّه.. فرآه ينكث‌[4]ثنايا الرأس حين وضع أمامه في أجانة، فصاح به مغضبا:

- «ارفع قضيبك عن هاتين الثنيّتين.. فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشفتين يقبّلهما» ..

و بكى..

فهزئ به ابن زياد، و قال له:

- «لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك!» .

فخرج زيد و هو ينادي في الناس غير حافل بشي‌ء:

- «أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم.. قتلتم ابن فاطمة و آثرتم ابن مرجانة، فهو يقتل شراركم و يستعبد خياركم»[5].

[1]اسمها النوار، كما في منتهى الآمال 1: 717.

[2]تاريخ أبي مخنف 1: 493-494، الكامل في التاريخ 3: 296.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (63) .

[4]النكث: الضرب بقضيب مع التأثير في المضروب. (صحاح اللغة 1: 269) .

[5]الأخبار الطوال 259-260، الإرشاد 2: 114-115، شرح نهج البلاغة لابن-


صفحه 264

و أدخلت السيّدة زينب بنت علي (رضي اللّه عنها) ، و عليها أرذل ثيابها، و معها عيال الحسين و إماؤها.. فجلست ناحية لا تتكلّم و لا تنظر إلى ما أمامها. فسأل ابن زياد:

- «من هذه التي انحازت ناحية و معها نساؤها؟» .

فلم تجبه.. فأعاد سؤاله ثلاثا و هي لا تجيبه، ثمّ أجابت عنها إحدى الإماء:

- «هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» .

فاجترأ ابن زياد قائلا:

- «الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أبطل أحدوثتكم» .

و قد كانت زينب (رضي اللّه عنها) حقّا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال.. كانت كأشجع و أرفع ما تكون حفيدة محمّد و بنت علي و أخت الحسين. و كتب لها أن تحفظ بشجاعتها و تضحيتها بقيّة العقب الحسيني من الذكور.. و لو لاها لانقرض من يوم كربلاء.

فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة:

- «الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيّه و طهّرنا من الرجس تطهيرا.. إنّما يفضح الفاسق و يكذب الفاجر، و هو غيرنا، و الحمد للّه» .

ق-أبي الحديد 10: 179، إعلام الورى 1: 471، الردّ على المتعصّب العنيد 43، المنتظم 5: 341، تذكرة الخواص 257، تاريخ أبي الفداء 1: 266.

و في البداية و النهاية (8: 197) ذكر: أنّ المتحدّث هو أبو برزة الأسلمي.


صفحه 265

فقال ابن زياد:

«قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك و العصاة» .

فغلبها الحزن و الغيظ من هذا التشفّي الذي لا ناصر لها منه، و قالت:

- «لقد قتلت كهلي و أبدت أهلي و قطعت فرعي و اجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت» .

فتهاتف ابن زياد ساخرا، و قال:

- «هذه سجّاعة.. لعمري لقد كان أبوها سجّاعا شاعرا!» .

فقالت زينب:

- «إنّ لي عن السجاعة لشغلا.. ما للمرأة و السجاعة؟»[1].

علي زين العابدين‌

ثمّ نظر ابن زياد إلى غلام عليل هزيل مع السيّدة زينب، فسأله:

- «من أنت؟» ..

قال: «علي بن الحسين» .

قال: «أو لم يقتل اللّه علي بن الحسين؟» ..

قال: «كان لي أخ يسمّى عليّا قتله الناس» .

فأعاد ابن زياد قوله: «اللّه قتله» .

[1]الإرشاد 2: 115-116، إعلام الورى 1: 471-472، الكامل في التاريخ 3: 296- 297، البداية و النهاية 8: 193، سمط النجوم العوالي 3: 181.


صفحه 266

فقال علي: «اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا[1]،وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ[2]» .

فأخذت ابن زياد عزّة الإثم، و انتهره قائلا:

- «و بك جرأة لجوابي!» .

و صاح الخبيث الأثيم بجنده:

- «اذهبوا به، فاضربوا عنقه» .

فجاشت بعمّة الغلام قوّة لا يردّها سلطان و لا يرهبها سلاح؛ لأنّها قوّة من هان لديه الموت و هانت عليه الحياة، فاعتنقت الغلام اعتناق من اعتزم ألاّ يفارقه إلاّ و هو جثّة هامدة، و أقسمت: «لئن قتلته لتقتلني معه» .

فارتدّ ابن زياد مشدوها، و هو يقول متعجّبا:

- «يا للرحم!إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه» .

ثمّ قال: «دعوه لما به»[3].. كأنه حسب أنّ العلّة قاضية عليه.

و علي هذا هو زين العابدين جدّ كلّ منتسب إلى الحسين7، و كان- كما قال ابن سعد[4]في الطبقات-: «ثقة كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا»[5]،

[1]سورة الزمر 39: 42.

[2]سورة آل عمران 3: 145.

[3]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 212، إعلام الورى 1: 472-473، الكامل في التاريخ 3: 297.

[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (64) .

[5]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 222. و وردت فيه زيادة كلمة: (مأمونا) بعد كلمة:

(ثقة) .