بلد الرؤية في جزء من الليل، لحلول النهار فيها قبل حلول الغروب في بلد الرؤية.
ولكن يمكن أن يقال: إن الوجه في اشتراط الاشتراك في جزء من الليل في وحدة الآفاق لم يكن سوى أنه لولا ذلك يلزم البناء على دخول الشهر الجديد في أثناء النهار في ما يكون الوقت فيه نهاراً عند رؤية الهلال في البلد الآخر، ولازمه كون الليل السابق على ذلك النهار من الشهر الجديد أيضاً، وهو مقطوع البطلان.
ولكن هذا المحذور لا يلزم في مفروض الكلام، إذ المفروض حلول الليل في ذلك البلد عند رؤية الهلال قبل غروب الشمس في البلد الآخر، فلا يلزم من البناء على دخول الشهر الجديد فيه عندئذٍ دخوله في أثناء النهار، بالرغم من عدم اشتراك البلدين في جزء من الليل، فليتدبر.
(التفصيل الثالث): ما ذكره بعض الأعلام[1]في منهاجه قائلاً: إن (وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالإضافة إليه، بل وكذا في البلاد الشرقية بالإضافة إليه إذا كان البلد الذي ظهر فيه الهلال من بلدان العالم القديم ـ وهو القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوربا ـ دون بلاد الأمريكيتين، فإن ظهور الهلال فيها لا يوجب ثبوت الشهر في البلاد الشرقية بالإضافة إليها).
وقد أوضح في مصباحه[2]وجه التفصيل المذكور بالنسبة إلى البلاد الشرقية قائلاً: إنه لما (كان الظاهر اتحاد حكم البلاد مع اختلاف آفاقها تبعاً للنصوص المذكورة فالمتعين الاقتصار على رقعة الأرض المكتشفة حين صدور تلك النصوص، وهي التي تبدأ بالشرق الأقصى من بلاد الصين
[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:346ـ347.
[2]مصباح المنهاج (كتاب الصوم) ص:342.
وما حاذاها مما يقارب بعض أمصار المسلمين، وتنتهي غرباً بالمحيط الأطلسي المحاذي لبعض أمصار المسلمين حينئذٍ في قرب أفريقية والأندلس. وأما ما اكتشف بعد ذلك من بلاد أمريكا ونيوزلندا فهو خارج عن مفاد النصوص المتقدمة.
وأما إلحاق أمريكا في تاريخ اليوم بشرق المحيط الأطلسي حتى صارت أقصى غرب الأرض وعدم بدء تاريخ اليوم بها ليكون أقصى شرقها فهو محض اصطلاح عالمي متأخر عن اكتشاف البلاد المذكورة، لا مجال لاستفادة إمضائه من نصوص المقام، بل مقتضى القاعدة المتقدمة عدم إلحاق بلاد شرق المحيط الأطلسي به لو بدأ ظهور الهلال في المحيط المذكور فما دونه).
أقول: أما ما ذكره في أول عبارته في المنهاج من أن وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالإضافة إليه من غير تفصيل بين بلدان القارات الثلاث والأمريكيتين فالظاهر أنه ليس مبنياً على القول بوحدة الآفاق بل مبني على الاعتقاد السائد سابقاً المذكور في كلمات غير واحد ـ منهم الشهيد الأول (قدس سره)[1]ـ من أن الهلال إذا رئي في مكان أمكن رؤيته لولا المانع في الأماكن الواقعة في غربه بالأولوية القطعية، وقد علله بعضهم بأن القمر لا يرجع ولا يتوقف.
ولكن قد ظهر لاحقاً أن هذا الكلام لا يتم على إطلاقه، وإنما يتم في خصوص ما إذا كان المكانان متقاربين في خطوط العرض بأن لم يكن الاختلاف بينهما إلا بدرجة أو درجتين أو نحوها حسب اختلاف الحالات، وذلك لأن الهلال إنما يزداد حجماً بازدياد عمره كلما اتجه غرباً، ولكن هذا لا يقتضي كونه قابلاً للرؤية في جميع البلدان الواقعة في
[1]الدروس الشرعية في فقه الإمامية ج:1 ص:285.
غرب مكان الرؤية، إذ لدرجة ارتفاع الهلال عن الأفق دخل تام في إمكانية الرؤية وعدمها، فقد يكون الهلال في استراليا بعمر عشرين ساعة في ارتفاع ثمان درجات فيكون قابلاً للرؤية، ولا يكون قابلاً لها وهو بعمر ثلاثين ساعة في شمال أوربا لكونه في ارتفاع درجتين فقط، ومع اختلاف الأمكنة في خطوط العرض بمقدار معتد به تختلف درجة ارتفاع الهلال عند غروب الشمس فيها، فلا يمكن استكشاف كون الهلال قابلاً للرؤية في شمال أوربا ـ مثلاً ـ إذا تمت رؤيته في ما يسمى بالشرق الأوسط، أو استكشاف كونه قابلاً للرؤية في الشرق الأوسط إذا تمت رؤيته في نيوزلندا، وهكذا في أمثال ذلك.
وأما ما ذكره في صدر عبارته في المصباح في وجه التفصيل في البلاد الواقعة في شرق بلد الرؤية بين كون هذا البلد من بلدان العالم القديم وغيره من أنه لما كان المستند للحكم باتحاد الآفاق هو النصوص المتقدمة فلا بد من الاقتصار على رقعة الأرض المكتشفة حين صدور تلك النصوص فهو لا يخلو من غرابة ..
لأنه إن كان مبنياً على أن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الإطلاق ـ كما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره) ـ فهو مما فرغ المحققون عن عدم تماميته فيما إذا كان المتكلم في مقام التعليم ـ لا الإفتاء ـ كما هو الحال في نصوص المقام، وهذا موضح في الأصول.
وإن كان مبنياً على دعوى انصراف لفظ (المصر) و(البلد) ونحوهما مما ورد في نصوص المسألة إلى الأمصار والبلدان التي كانت موجودة في ذلك العصر فمن الواضح عدم تمامية هذه الدعوى. مع أن الانصراف لو تم فهو بدوي لا يعتد به ولا أظن أن يلتزم بمثله في سائر الموارد التي أخذ فيها عنوان المصر والبلد في موضوع حكم شرعي في لسان الأدلة.
مضافاً إلى أن استراليا لم تكن مكتشفة في ذلك العصر وإنما تم اكتشافها في القرن السادس عشر الميلادي، فالتفريق بينها وبين نيوزلندا بعدّ الأخيرة من العالم الجديد وعدّ الأولى من العالم القديم ـ كما يلوح من عبارة المصباح من جهة حصر ما اكتشف لاحقاً ببلاد أمريكا ونيوزلندا ـ مما لا يظهر له أي وجه.
وأما ما يقوله بعض علماء الجيولوجيا من أن استراليا كانت ملتصقة بآسيا قبل ملايين السنين ثم انفصلت عنها فمن الواضح أنه ـ لو صح ـ لا يؤثر شيئاً في ما نحن بصدده، وقد قالوا بمثله في الأمريكيتين من أنهما كانتا ملتصقتين بأروبا وأفريقيا.
وبالجملة: الاستدلال للزوم الاقتصار في اتحاد الآفاق على بلدان العالم القديم من جهة أنها كانت مكتشفة في عصر صدور النصوص ضعيف جداً ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.
وهنا وجه آخر لتقريب المدعى المذكور ربما يشير إليه ذيل عبارة المصباح، وهو أن نصوص المسألة إنما تدل على كفاية رؤية الهلال في بلد آخر للحكم بدخول الشهر الجديد في بلد المكلف فيما إذا اتحد ليل الرؤية في ذلك البلد مع ليل الشك في بلد المكلف لا مطلقاً، أي أنه إذا لم ير الهلال في بلد المكلف في ليلة الشك من شعبان وهي ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ وثبت أنه رئي في ليلة الجمعة نفسها في بلد آخر يكتفى بذلك في الحكم بدخول شهر رمضان في بلد المكلف في تلك الليلة، وأما مع الاختلاف في الليلة كأن ثبت أنه رئي في ليلة السبت في البلد الآخر فلا يكفي للحكم بدخول الهلال في بلد المكلف في ليلة الجمعة.
وبعبارة أخرى: إن المستفاد من النصوص المتقدمة أنه لا بد أن يرى الهلال في البلد الآخر في ليلة الشك في بلد المكلف، ولا يحتمل أن يكون
المراد بالليل هو السواد المستمر من حين غروب الشمس في بلد المكلف إلى أربع وعشرين ساعة، فإن لازمه أن يحكم بدخول الشهر الجديد في بغداد ـ مثلاً ـ في ليلة الجمعة إذا رئي الهلال في طهران في ليلة السبت لاتصال سواد الليل فيهما، مع أن هذا واضح البطلان، فلا بد أن يكون المراد بالليل الذي يكون هو ليل الشك في بلد المكلف وليل الرؤية في البلد الآخر هو الليل الواحد بحسب أيام الأسبوع.
وعلى ذلك فلا بد من إحراز اتحاد ليلة الشك مع ليلة الرؤية بحسب أيام الأٍسبوع في البلدين ليحكم بكفاية الرؤية في ذلك البلد لدخول الشهر الجديد في بلد المكلف، وأما مع عدم إحراز ذلك واحتمال أن تكون ليلة الرؤية في بلد الرؤية هي ليلة السبت ـ مثلاً ـ في حين أن ليلة الشك في بلد المكلف هي ليلة الجمعة، فلا سبيل إلى البناء على دخول الشهر في الأخير في ليلة الجمعة.
وعلى هذا الأساس نقول: إن القدر المتيقن مما يحكم بوحدة الليل فيه من بقاع العالم في الشرع المقدس هو القارات الثلاث ـ آسيا وأفريقيا وأوربا ـ فالليل الذي يخيم عليها إذا كان هو ليلة الجمعة في العراق ـ مثلاً ـ فهو ليلة الجمعة في جميعها، أقصى الأمر أن أوائلها في غرب أوربا وأفريقيا هي أواخرها في اليابان وشرق الصين وسيبيريا. وأما اتحاد ليل الأمريكيتين مع ليل القارات الثلاث بمعنى أن الليل الذي يخيم عليهما ـ أي على الأمريكيتين ـ يكون هو الليل الذي خيّم على القارات الثلاث من قبل ذلك فهو أمر غير محرز، ولذلك لا يمكن الاكتفاء برؤية الهلال في القارتين للحكم بدخول الشهر في القارات الثلاث.
وتوضيح ذلك[1]: أن الأرض لما كانت كروية تدور حول نفسها
[1]لاحظ رؤيت هلال ج:2 ص:904.
دوراً كاملاً في ما يقرب من أربع وعشرين ساعة يكون على الدوام نصفها المواجه لضوء الشمس نهاراً والنصف غير المواجه له ليلاً، ولما لم يكن لكل من الليل والنهار بداية ونهاية معينة بحسب حركة الأرض بل كان كل منهما يتمادى مهما طال الزمان مست الحاجة إلى تعيين مبدأ لحساب الأيام بعد اكتشاف الأمريكيتين والالتفات إلى كروية الأرض، وأما قبل ذلك فحيث إن اليابسة كانت عندهم محصورة بالأراضي الممتدة من جزر الكناري الواقعة في المحيط الأطلسي بالقرب من المغرب إلى أقصى بلاد الصين واليابان كان مبدأ الأيام عندهم هو بزوغ الشمس في تلك البلاد ومنتهاها هو غروبها في تلك الجزر، وأما بعد اكتشاف الأمريكيتين فلم يكن محيص من تعيين مبدأ لحساب الأيام.
وقد اتفقوا على جعل المبدأ عند الخط المقابل لخط غرينيتش الذي يمرّ جنوب شرق لندن، وهذا الخط المقابل يمرّ شرق جزر نيوزلندا ـ الواقعة في المحيط الهادي شرق استراليا ـ وهذان الخطان ينصفان الكرة الأرضية بنصفين شبه متساويين، فقرروا جعل ما يقع في غرب الخط المذكور متأخراً عما يقع في شرقه يوماً واحداً، فعندما تبزغ الشمس على المناطق الواقعة في غرب خط التوقيت المذكور يكون ذلك يوم الأحد ـ مثلاً ـ في حين أنها لما بزغت على المناطق الواقعة في شرق ذلك الخط كان يوم السبت.
ومن هنا فرقوا بين جزيرتين صغيرتين تسميان بـ(ديوميد) إحداهما أكبر من الأخرى وتقعان في المحيط الهادي بين ساحل آلاسكا وسيبيريا، ويمرّ خط التوقيت المذكور بينهما، فقرروا أن يوم السبت في الجزيرة الواقعة في شرق ذلك الخط هو يوم الأحد في الجزيرة الواقعة في غربه، مع أنه ليس بينهما إلا فصل قليل جداً[1].
[1]ورد في موسوعة ويكيبيديا: (خط التاريخ الدولي) بالانجليزية (International Date Line ): هو خط وهمي على سطح الكرة الأرضية، منه يبدأ اليوم وإليه ينتهي، ويمر على خط طول (180 درجة) عن مدينة غرينتش البريطانية، مع تعرج ناحية اليمين أو اليسار، لتفادي الجُزر المأهولة بالسكان بقدر الإمكان. ويقسم خط التاريخ الدولي تقريباً المحيط الهادي إلى قسمين: شرقي وغربي، ويلزم كل مسافر عابر هذا الخط شرقاً أو غرباً تعديل التاريخ واليوم بمقدار يوم كامل أي 24 ساعة.
خط التاريخ الدولي المعمول به في الوقت الحاضر
ولكن من الواضح أنه لا دليل على أن جعل خط بدء الأيام في الموضع المشار إليه في المحيط الهادي أمر مقبول من قبل الشارع المقدس. نعم لا ينبغي الريب في أن خط بدء الأيام عنده لا يمرّ بالقارات الثلاث ـ آسيا وأوربا وأفريقيا ـ لأن المتلقى خلفاً عن سلف أن اليوم في هذه القارات يوم واحد ولا يكون في شرقها يوم الجمعة وفي غربها يوم السبت ـ مثلاً ـ بل احتمال أن يكون الشارع المقدس قد قرر مرور خط بدء الأيام باليابسة ولو في الأمريكيتين مستبعد جداً، فإنه يوجب اختلال أعمال سكنة ذلك المكان في غربه وشرقه والتشويش عليهم في أمور معاشهم، ومن هنا لا يبعد أن يكون ذلك الخط وفق ما هو مقبول شرعاً إما في المحيط
الهادي أو في المحيط الأطلسي، وفي كل منهما احتمالات، ففي المحيط الأطلسي يحتمل أنه يمرّ في شرقه بحيث يكون إيسلندا وغريلاندا بعد ذلك الخط أي كونهما ملحقين بأمريكا، ويحتمل أنه يمرّ في غرب المحيط بحيث يكون هذان البلدان قبل ذلك الخط ويكونان ملحقين بأوربا، وهكذا الحال في عدة جزر صغيرة في هذا المحيط. وأما في المحيط الهادي فيحتمل أنه يمرّ في المكان المحدد عالمياً ويحتمل أنه يمرّ قبل ذلك، مثلاً: في ما قبل جزر هاواي الواقعة في أواسط المحيط الهادي، ويحتمل أنه يكون متعرجاً ومنكسراً بحيث تقع نيوزلندا قبل ذلك الخط لا بعده خلافاً لما هو المقرّر عالمياً[1].
وبذلك يعلم أن ما يمكن اليقين به هو أن الليل الذي يخيم على اليابان وشرق الصين وسيبيريا ثم يحل في بقية آسيا ثم أوربا وأفريقيا هو ليلة الجمعة مثلاً، وأما كونه عند الحلول في الأمريكيتين هو ليلة الجمعة أيضاً لا ليلة السبت فهو مما لا سبيل إلى اليقين به.
فإنه إذا كان خط بدء الأيام يمرّ وفق ما قرره الشارع المقدس في المحيط الأطلسي ينتهي يوم الجمعة عند هذا الخط ويبدأ يوم السبت بعده، مما يعني أن الليل في أمريكا يكون ليلة السبت. وأما إذا كان خط بدء الأيام يمرّ في المحيط الهادي فينتهي يوم الجمعة عند هذا الخط مما يعني أن يكون ليل أمريكا هو ليل الجمعة لا السبت.
[1]تجدر الإشارة إلى أن بداية اليوم عندنا لما كانت من حين غروب الشمس وليس كل البلاد الواقعة على خط طول واحد تشترك في وقت غروبها، كما أنها تختلف في ذلك بحسب اختلاف فصول السنة، لا يكون خط بدء الأيام المرضي عند الشارع المقدس ثابتاً في مكان واحد في أحد المحيطين الهادي والأطلسي في طوال أيام السنة، وهذا بخلاف الحال عند من يبتدأ اليوم لديهم من الساعة الثانية عشرة ليلاً، فإنه لا يختلف مكان خط بدء الأيام عندهم باختلاف الأمكنة في طلوع الشمس وغروبها.