بأنها تصلح وجهاً للالتزام بالتفصيل المذكور حتى مع المناقشة في إطلاق غيرها من النصوص للبلاد الواقعة في شرق بلد المكلف مما يسبق ليلها ليله، ولكن مرّ المنع من دلالة المعتبرة على ذلك.
هذا تمام الكلام في التفاصيل الثلاثة للقول بوحدة الآفاق، وقد ظهر بما تقدم أن أولاها وأجدرها بالقبول هو التفصيل الأول لو بني على الالتزام بهذا القول.
أدلة القول باختلاف الآفاق
(المقام الثاني): في ما يمكن أن يستدل به للقول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية، وما يمكن أن يعضد به هذا القول مما يبعّد القول الآخر.
وينبغي ـ أولاً ـ الإشارة إلى أن المقصود باختلاف الآفاق هو أن الشهر القمري يدخل في كل مكان بإمكانية رؤية الهلال في أفق ذلك المكان، ولا أثر لإمكانية الرؤية في أفق مكان آخر. نعم إذا رئي في مكان آخر غير بلد المكلف ـ قريب منه أو بعيد عنه ـ وأُحرز أنه كان قابلاً للرؤية في بلد المكلف أيضاً إلا أنه إنما منع عنه الغيم أو نحوه من الموانع الطارئة للرؤية كفى ذلك في الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف، ولكنه من جهة كاشفيته عن كون الهلال قابلاً للرؤية فيه لا غير.
ثم إن الروايات التي يمكن أن يستدل بها لهذا القول ثلاث ..
(الرواية الأولى): معتبرة معمر بن خلاد[1]عن أبي الحسن7قال: كنت جالساً عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائماً، فأتوه بمائدة. فقال:«ادن»، وكان ذلك بعد العصر. قلت له: جعلت فداك صمت اليوم.
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:166.
فقال لي:«ولم؟». قلت: جاء عن أبي عبد الله7في اليوم الذي يشك فيه أنه قال:«يوم وفق الله له». قال: أليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل وكان من شهر رمضان كان يوماً وفق الله له؟ فأما وليس علة ولا شبهة فلا» .
ووجه الاستدلال بها هو أن الإمام7قد جعل المناط في مطلوبية الاحتياط بصيام اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شعبان مجرد عدم العلم بكونه من شعبان أو من شهر رمضان، مع أن أقصى ما يقتضيه خلو السماء من العلة وعدم الشبهة في وجود ما يمنع من رؤية الهلال في بلد المكلف هو العلم بعدم ظهور الهلال فيه بنحو قابل للرؤية، فلو كان يكتفى في دخول الشهر في هذا البلد بقابلية الهلال للرؤية ولو في أفق بلد آخر بعيد عنه، يصدق على ذلك اليوم في بلد المكلف أنه مما لا يعلم أنه من شعبان أو من شهر رمضان، فلم يكن محل للوم معمر بن خلاد على صيامه ذلك اليوم.
فمن لوم الإمام7إياه على صيامه بمجرد إحراز عدم إمكانية رؤية الهلال في بلده مع أن احتمال إمكانية رؤيته في بلد آخر لم يكن محرز العدم يعلم أن العبرة في دخول الشهر في أي بلد إنما هو بقابلية الهلال للرؤية فيه، ولا أثر لإمكانية رؤيته في سائر البلاد المختلفة عنه في الأفق، وهذا هو المطلوب.
إن قلت: لعل إحراز عدم كون ذلك اليوم من شهر رمضان لم يكن لمجرد عدم رؤية الهلال في الليلة السابقة مع خلو سماء البلد عن العلة، بل من جهة أخرى وهي أن شهر رجب كان ناقصاً ورئي هلال شعبان وهو ضعيف جداً فلم يكن يحتمل نقصان شعبان بعده أيضاً.
قلت: هذا غير تام، لأن مجرد نقصان شهر رجب في مكان وظهور
هلال شعبان فيه ضعيفاً جداً لا ينفي احتمال ظهوره بعد تسعة وعشرين يوماً في مكان آخر، بل لا ينفي ذلك حتى في المكان نفسه، إذ لا مانع من توالي شهرين ناقصين في مكان واحد، بل هو واقع مكرراً.
مضافاً إلى أن الاحتمال المذكور لا يلائم قوله7:«فأما وليس علة ولا شبهة فلا»، فإن المراد بالعلة هو المانع عن رؤية الهلال، والمراد بالشبهة هو شبهة وجود العلة، إذ قد يكون في الأفق ما يحتمل كونه مانعاً عن الرؤية ولا يحرز ذلك. وظاهر كلامه7أن إحراز عدم كون ذلك اليوم من شهر رمضان إنما كان من جهة عدم رؤية الهلال في الأفق مع خلوه من العلة وما يشتبه في كونه علة، لا لأي جهة أخرى.
وبذلك يظهر ضعف احتمال أن نفي الشبهة في كلامه7إنما هو من جهة إحراز عدم كون الهلال قابلاً للرؤية في تلك الليلة في أي مكان من العالم بموجب الحسابات الفلكية الدقيقة، لوضوح أنه7إنما لام معمر على صيام ذلك اليوم بلحاظ ما كان متاحاً له من المعلومات حول وضع الهلال في الليلة السابقة عليه، وهو مجرد عدم ظهور الهلال في الأفق بالرغم من خلوه من العلة أو ما يشتبه كونه علة.
إن قلت: يحتمل أن الشارع المقدس جعل عدم رؤية الهلال في مكان مع خلو السماء فيه من العلة أمارة على عدم رؤية الهلال في تلك الليلة في أي مكان آخر، ومن هنا لام الإمام7معمر بن خلاد على صيامه ذلك اليوم لوجود الأمارة على عدم دخول شهر رمضان، ومع هذا الاحتمال لا سبيل إلى أن يستفاد من الرواية عدم الاعتداد بالرؤية في مكان آخر في دخول الشهر في بلد المكلف كما هو المدعى.
قلت: ..
أولاً: إن احتمال الأمارية مستبعد جداً، لضعف كاشفية عدم رؤية
الهلال في مكان عن عدم إمكانية رؤيته في سائر الأمكنة، فإن في معظم الشهور لا تتيسر رؤية الهلال في بعض المناطق مع تيسرها في مناطق أخرى، كما يعرف ذلك بمراجعة الخرائط الفلكية المعدة لبيان أوضاع الأهلة.
وثانياً: إن الاحتمال المذكور لا ينسجم مع قوله7:«إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان»، فإن ظاهره كون العبرة في مطلوبية الاحتياط بصيام ذلك اليوم هو بمجرد عدم العلم الوجداني بكونه من شعبان أو من شهر رمضان، ومن الواضح أن قيام الأمارة على عدم كونه من رمضان لا يوجب انتفاء احتمال الخلاف فيبقى المجال للاحتياط بصيامه. وكذلك قوله7: (كان يوماً وفق له)، فإنه مع احتمال عدم مطابقة الأمارة للواقع لو صام ذلك اليوم ثم ظهر أنه كان من رمضان يصدق أنه يوم وفق له، فليتدبر.
إن قلت: إن خلو الأفق في البلد من العلة لا يوجب القطع بعدم قابلية الهلال فيه للرؤية عادة، لاحتمال كونه ضعيفاً جداً وقريباً من الأفق فلم تتيسر رؤيته للمكلف مع كونها متيسرة لغيره ممن يعرف مكانه وله ممارسة متكررة في ذلك.
وبناءً عليه فإن لوم الإمام7لمعمر في صيامه ذلك اليوم يكشف عن أن مطلوبية صيام يوم الشك لا تشمل جميع الموارد، ولا يكشف عن عدم الاعتداد باحتمال الرؤية في مكان آخر كما هو مبنى الاستدلال.
قلت: بل إن قوله7:«فأما وليس علة ولا شبهة فلا»واضح الدلالة على نفي احتمال قابلية الهلال للرؤية في تلك الليلة في البلد، فلا يبقى وجه لعدم كون ذلك اليوم مما لا يعلم كونه من شعبان أو من شهر رمضان إلا عدم الاعتداد باحتمال رؤية الهلال في مكان آخر، مضافاً إلى
أن التفريق بين موارد الشك في حلول شهر رمضان بمطلوبية الاحتياط بالصيام في بعضها دون بعض خلاف ظاهر الرواية جداً.
وهكذا يتضح تمامية دلالتها على القول باختلاف الآفاق.
ولكن يبقى الكلام في سندها، فإنه قد يناقش فيه بالضعف أو بالإرسال ولكن يمكن أن يذكر لتصحيحه وجهان ..
الوجه الأول: أن الشيخ (قدس سره) قد ابتدأ هذه الرواية باسم معمر بن خلاد، مما يعني أنه أخذ الحديث من كتابه، لما ذكره في مقدمة المشيخة من أنه اقتصر من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله. والملاحظ أن له إلى كتاب معمر طريقين في الفهرست، أحدهما ضعيف بأبي المفضل الشيباني وابن بطة، وأما الآخر فمعتبر، إذ ليس فيه من لم يوثق في كتب الرجال إلا ابن أبي جيد، ولكنه لا يضر لأنه من مشايخ النجاشي، ويظهر منه أنه لا يروي عن الضعفاء.
ولعل هذا الوجه هو الذي استند إليه المجلسيان (قُدِّس سرُّهما)[1]، في عدّ الرواية معتبرة بل كالصحيح سنداً.
ولكنه مخدوش من جهات ..
الأولى: أن الشيخ لم يبتدأ باسم معمر بن خلاد في التهذيب إلا في هذا المورد، ومن المستبعد جداً أن كتابه كان من مصادره في تأليفه ومع ذلك لم يخرج منه إلا حديثاً واحداً، فإن هذا على خلاف دأبه ـ كما يعرفه الممارس ـ.
مضافاً إلى أنه لم يورد طريقه إلى معمر في المشيخة، وقد ذكر أنه
[1]روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه ج:3 ص:355. ملاذ الأخبار في فهم تهذيب الأخبار ج:6 ص:467.
يورد فيها طرقه إلى من ابتدأ بأسمائهم وأخذ الأحاديث من كتبهم.
وبالجملة: كون مصدر الشيخ في هذا الحديث هو كتاب معمر مستبعد جداً، ولعله لذلك عدّه المحقق التستري (قدس سره)[1]بلا إسناد، أي مرسلاً لا يعتد به.
الجهة الثانية: أن الأسانيد المذكورة في فهرست الشيخ هي في الأعم الأغلب إنما تم استخراجها من فهارس الأصحاب وإجازاتهم، ولا تمثل طرقه إلى نسخ معينة من الكتب المذكورة أسماؤها، إلا في ما يذكر أنه كان على سبيل القراءة أو السماع ونحو ذلك. والظاهر أن السندين المذكورين إلى كتاب معمر إنما استخرجهما الشيخ (قدس سره) من فهرستي ابن بطة وابن الوليد، فإنهما من مصادره في تأليف الفهرست ـ كما يظهر بالتتبع ـ ولا شاهد على كون السند الثاني الذي هو من طريق ابن الوليد كان طريقاً إلى نسخة معينة من كتاب معمر وكانت هي المصدر له في استخراج الرواية المبحوث عنها[2]؟!
ومن هنا ذكرنا في محله أنه لا سبيل إلى تصحيح أسانيد روايات
[1]النجعة في شرح اللمعة ج:4 ص:392.
[2]تجدر الإشارة إلى أن النجاشي (رجال النجاشي ص:421) لم يذكر لمعمر بن خلاد إلا كتاب الزهد، والشيخ (الفهرست ص: 170) ذكر له كتاباً من دون عنوان وأورد طريقين إليه ثم ذكر كتاب الزهد ورواه بما يشترك مع الطريق الذي ذكره النجاشي.
ومن هنا قد يخطر بالبال احتمال أن ما ذكره الشيخ أولاً ليس سوى كتاب الزهد إلا أنه لما لم يعنون به في فهرست ابن بطة وابن الوليد ذكره الشيخ (قدس سره) مستقلاً.
ولكن الملاحظ أن أبا غالب الزراري (رسالة أبي غالب الزراري ص:169) ذكر لمعمر بن خلاد مسائل غير كتابه في الزهد، كما أنه ذكر له (ص:165) كتاباً غيرهما أيضاً، فلا سبيل إلى البناء على أن معمر بن خلاد لم يكن له سوى كتاب الزهد حتى لا يبقى مجال لاحتمال كون كتابه هو مصدر الشيخ (قدس سره) في الرواية المبحوث عنها.
التهذيبين بالرجوع إلى الطرق المعتبرة في الفهرست إلا في من ذكر الشيخ طريقه إليه في المشيخة وكان مخدوشاً، فإنه يمكن تصحيحه بالرجوع إلى الفهرست، لأنه بنفسه أرجع إليه في بقية طرقه إلى المذكورين في المشيخة، على تأمل في ذلك أيضاً مرّ في موضع آخر.
الجهة الثالثة: أن ابن أبي جيد لم تثبت وثاقته، لأنه لا دليل على أن النجاشي لم يكن يروي إلا عن الثقات، وقد مرّّ بيان ذلك[1]في بحث سابق. نعم تقدم في موضع آخر[2]أن الظاهر أن الرجل كان من مشايخ الإجازة الذين لم يكن دورهم في نقل الكتب إلا شرفياً بحتاً، فلا يضر عدم ثبوت وثاقته باعتبار الرواية المذكور اسمه في طريقها.
الجهة الرابعة: أن الظاهر أن في سند الشيخ إلى كتاب معمر في الفهرست سقطاً، فهو هكذا: (أخبرنا ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفار عنه)، ومن المعلوم أن الصفار من كبار الطبقة الثامنة في حين أن معمر بن خلاد من الطبقة السادسة، وعامة من رووا عنه إنما هم من الطبقة السابعة، فمثله لا يروي عن مثله بلا واسطة.
وهذا ما نبه عليه السيد البروجردي (قدس سره)[3]بقوله: (رواية الصفار عن معمر بن خلاد كأنها مرسلة).
ويؤكد ذلك أن المذكور في بصائر الدرجات[4]في غير مورد رواية الصفار عن معمر بن خلاد بواسطة أخي أحمد بن محمد بن عيسى وهو عبد الله الملقب بـ(بنان).
وبذلك يظهر أنه لا يبعد أن يكون هو الوسيط الساقط اسمه من
[1]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:2 ص:89.
[2]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:2 ص:291ـ292.
[3]الموسوعة الرجالية ج:6 ص:330.
[4]لاحظ بصائر الدرجات ص:316، 397، 398.
السند المذكور في الفهرست، علماً أن الرجل ممن لم تثبت وثاقته ـ كما مرّ في بحث سابق[1]ـ فالسند مخدوش به إن حصل الوثوق أنه هو الوسيط فيه بين الصفار ومعمر، وإلا فهو مخدوش بالإرسال.
والحاصل: أن الوجه الأول المذكور لتصحيح سند الرواية غير تام.
الوجه الثاني: أن الشيخ ابتدأ هذه الرواية باسم معمر بن خلاد ـ كما مرّ ـ ولما كان من المستبعد كون مصدره فيها هو كتاب معمر ـ كما مرّ أيضاً ـ يتعين أن يكون مصدره هو بعض الكتب التي اعتمدها في تأليف التهذيب مما أورد عنها سائر روايات معمر ككتب أحمد بن محمد بن عيسى وسعد بن عبد الله ومحمد بن أحمد بن يحيى ومحمد بن علي بن محبوب وغيرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من المستبعد جداً أن سند الرواية إلى معمر كان مذكوراً في المصدر الذي أورد الرواية عنه وقد تعمد حذفه وعدم نقله، فإن هذا ليس من دأبه (قدس سره) كما يعرفه المتتبع لطريقته في نقل الروايات، فالأرجح أنه وجد الرواية مبتدأة في مصدرها باسم معمر بن خلاد فأوردها كذلك.
ولكن هنا سؤالان ..
الأول: ما هو المصدر الذي اعتمد عليه الشيخ (قدس سره) في نقل هذه الرواية؟
الثاني: هل أن سندها كان معلقاً على سند رواية أخرى فلم ينقله الشيخ (قدس سره) إما لعدم التفاته إلى التعليق أو لعدم إحرازه ذلك؟
وللجواب عن هذين السؤالين أقول:
إن من يتصفح (باب علامة أول شهر رمضان وآخره ودليل دخوله)
[1]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:1 ص:220.