بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 128

يعقوب في الأسانيد، مما يمنع من البناء على كونهما معاً راويين عن شخص ثالث في السند المذكور كما نبه على ذلك السيد الأستاذ (قدس سره)[1].

وبالجملة: لا سبيل إلى تصحيح السند المذكور بالبيان المتقدم.

نعم يمكن أن يقال: إن الظاهر أن علي بن محمد بن يعقوب لم يكن من المؤلفين وإنما من مشايخ الإجازة، والملاحظ أن جميع رواياته في ما وصل إلينا[2]مروية عن علي بن الحسن بن فضال، وقد ذكر النجاشي[3]أن كتاب أحمد بن رزق الغشماني مروي عن ابن يعقوب هذا عن ابن فضال أيضاً، فيبدو أنه كان شيخ إجازة في رواية كتب ابن فضال ومروياته، وكتب ابن فضال ـ كما مرّ في موضع سابق[4]ـ كانت من الكتب المشهورة المتداولة في ذلك العصر، وكان ذكر الطريق إليها عند النقل عنها لمجرد أن لا تكون الرواية مرسلة، ولذلك لا يبعد القول بأنه لا يضر عدم ثبوت وثاقة علي بن محمد بن يعقوب باعتبار الروايات المروية عن طريقه كالرواية المبحوث عنها. وعلى ذلك يمكن الاعتماد على هذه الرواية وتكون معتبرة كما وصفناها، فليتدبر.

(الرواية الثانية): صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز[5]عن أبي عبد الله7قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني. وليس رؤية الهلال أن

[1]معجم رجال الحديث ج:16 ص:380 ط:نجف.

[2]لاحظ كامل الزيارات ص:247، وعلل الشرائع ج:2 ص:522 (في المطبوع: علي بن الحسين بدل علي بن الحسن، وهو تصحيف)، وتهذيب الأحكام ج:4 ص:162، 163، وفلاح السائل ص:168، 289، والاختصاص ص:51، 84.

[3]رجال النجاشي ص:98.

[4]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:2 ص:275 ط:2.

[5]تهذيب الأحكام ج:4 ص:160.


صفحه 129

يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحدرآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».

ونحوها خبر حبيب الخزاعي[1]قال: قال أبو عبد الله7:«لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية».

وهذه الرواية غير نقية السند من جهة اشتماله على إسماعيل بن مرّار وهو لم يوثق على المختار كما مرّ مراراً.

بالإضافة إلى أن حبيب الخزاعي (الجماعي) لا توثيق له إلا من المفيد في الرسالة العددية، وقد مرّ في محله[2]بعض التأمل في الاعتماد على التوثيقات الواردة في هذه الرسالة.

إذاً العمدة هي الرواية الأولى، أي صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز.

وجه الاستدلال بها هو أنها تدل بمقتضى مفهوم الشرط على تحديد اعتبار البينة على رؤية الهلال من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة، أي أنه إذا كانت السماء خالية مما يكون عائقاً عن رؤية الهلال فلا تقبل عندئذٍ شهادة البينة من خارج البلد على رؤية الهلال مطلقاً، مع أنه بناءً على القول بوحدة الآفاق لا وجه لعدم قبول شهادة البينة من خارج البلد في مثل ذلك على إطلاقه، إذ أقصى ما يقتضيه خلو السماء في البلد

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159، 317.

[2]قبسات من علم الرجال ج:1 ص:23.


صفحه 130

من العلة هو عدم ظهور الهلال في أفقه قابلاً للرؤية، وهذا لا يمنع من الأخذ بشهادة البينة على رؤية الهلال من خارج البلد إذا كان يكفي في دخول الشهر في بلد المكلف إمكانية الرؤية ولو في مكان آخر مختلف عنه في الأفق.

وبالجملة: تقييد حجية البينة على رؤية الهلال المنبعثة من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة لا ينسجم على إطلاقه إلا مع القول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية. وأما مع القول بالاتحاد فيفترض أن تقبل البينة من خارج البلد وإن لم يكن في سماء البلد علة إذا احتمل انبعاثها من بلد مختلف عنه في الأفق.

ولكن يمكن أن يناقش في هذا الاستدلال بأنه إنما يتم لو لم يكن مورد كلام الإمام7هو خصوص ما يثبت به هلال شهر رمضان لتمكين المكلف من الإتيان بصوم اليوم الأول منه أداءً، إذ لو كان7ناظراً إلى خصوص هذا المورد ـ كما يناسبه قوله7:«فلا تؤدوا بالتظني»ـ أمكن أن يقال: إنه لا إطلاق له حينئذٍ للأمكنة البعيدة التي تختلف في الأفق عن بلد المكلف، لأنه وفق وسائل النقل التي كانت متاحة في ذلك العصر لم يكن يتيسر وصول البينة من الأمكنة البعيدة قبل أن يفوت أداء صوم اليوم الأول من الشهر، فالمراد بشهادة البينة من خارج البلد هي الشهادة المنبعثة من مكان قريب التي تكون مع صفاء الجو في البلد وعدم رؤية الهلال فيه معارضة حكماً بشهادة المستهلين في البلد على عدم الرؤية، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها.

وبالجملة: إذا كانت الرواية ناظرة إلى ما يثبت به دخول شهر رمضان في البلد لكي يدرك به صيام اليوم الأول منه قبل فوات وقته فلا بد أن يكون موردها هو خصوص البينة المنبعثة من مكان قريب من بلد لا


صفحه 131

يختلف عنه في الأفق ـ لعدم تيسر وصول البينة من الأماكن البعيدة جداً في ذلك العصر إلا بعد فوات صوم اليوم الأول ـ وعلى ذلك يكون وجه تحديد اعتبارها بوجود العلة المانعة من الرؤية في البلد هو تفادي وقوع المعارضة بينها وبين شهادة المستهلين في البلد على عدم ظهور الهلال في الأفق لا غير ذلك.

هذا ولكن الإنصاف أنه لا قرينة على كون مورد كلام الإمام7هو خصوص ما يثبت به هلال شهر رمضان قبل فوات صوم اليوم الأول منه، بل لا يبعد أن يكون شاملاً لما يثبت به ولو بعد ذلك الموجب لقضاء صوم ذلك اليوم، فإن قوله7:«لا تؤدوا بالتظني»ليس من الأداء في مقابل القضاء، بل من الأداء بمعنى الإتيان بالشيء الأعم من الأداء والقضاء.

ويشهد لكون المطلوب شرعاً عدم الإتيان بصوم رمضان قضاءً إلا مع إحراز الفوت وعدم الاكتفاء في ذلك بالتظني ما ورد في صحيحة هشام بن الحكم من قوله7:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً»، وقوله7في موثقة سماعة:«إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه، إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان»، فإن إناطة القضاء بثبوت صيام أهل مصر عن رؤية لا مجرد قيام البينة عليها تدل على أن القضاء مثل الأداء لا بد فيه من إحراز كون ذلك اليوم من شهر رمضان.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وصول البينة برؤية هلال أول رمضان من خارج المصر قبل طلوع الفجر كان أمراً قليل الوقوع عادة في تلك الأزمنة، وأما وصولها في الصباح فكان لا يجدي عادة لإدراك صوم ذلك اليوم لبناء المعظم على إكمال عدة شعبان والإفطار قبل وصول البينة.


صفحه 132

وربما يشهد لتأخر وصول البينة على رؤية الهلال عن أول النهار عادة ما ورد في بعض النصوص[1]من أنه إذا أصبح الناس صياماً ولم يروا الهلال ـ أي هلال شوال ـ وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا وليخرجوا من الغد أول النهار إلى عيدهم، فليتأمل.

وبالجملة: كون مورد الصحيحة المبحوث عنها هو خصوص صورة وصول البينة من خارج المصر على رؤية هلال رمضان بحيث يدرك أهل المصر صيام ذلك اليوم أداءً بعيد، خصوصاً مع ما ورد في خبر حبيب الخزاعي من قوله7:«فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية»، فإن إخبار الشاهدين عن قوم صاموا للرؤية يقتضي خروجهما من بلد القوم في أثناء النهار.

والحاصل: أنه لا يبعد شمول الصحيحة لما إذا قامت البينة على رؤية الهلال من خارج البلد بعد انقضاء ذلك اليوم، مما يقتضي إطلاقها لما إذا كانت البينة من بلد بعيد مختلف عن بلد المكلف في الأفق.

بل لو بني على اختصاصها بالبينة المنبعثة من مكان قريب فإنه يمكن فرض اختلاف ذلك المكان عن بلد المكلف في الأفق، كما إذا افترض أن مكان الرؤية يقع في حافة المساحة التي يرى فيها هلال ذلك الشهر في تلك الليلة، بحيث لو ابتعد عنها شمالاً أو شرقاً ولو بمقدار خمسين كيلو متراً ـ مثلاً ـ لم يكن الهلال قابلاً للرؤية وكان بلد المكلف على البعد المذكور، فإن هذا الفرض وإن كان نادراً ولكنه يكفي في البناء على شمول الصحيحة لصورة انبعاث البينة من مكان مختلف عن بلد المكلف في الأفق، فيجري البيان المتقدم من أن تقييد الاعتماد على البينة المنبعثة من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة لا ينسجم على إطلاقه إلا مع القول

[1]الكافي ج:4 ص:169.


صفحه 133

باختلاف الآفاق.

هذا ولكن الصحيح أنه لا سبيل إلى البناء على إطلاق ذيل الصحيحة المذكورة للمكان المختلف أفقاً مع بلد المكلف، لأنه لا وجه لإناطة قبول البينة المنبعثة منه بوجود العلة في سماء بلده، فإن تلك البينة إن كانت مقبولة فهي مقبولة مطلقاً، سواء أكان في سماء بلده علة أم لم تكن، وإن كانت غير مقبولة فكذلك، أي لا تقبل سواء أكان في سماء بلده علة أم لم تكن.

وبعبارة أخرى: إن لازم إطلاق ذيل الصحيحة للمكان المختلف مع بلد المكلف أفقاً هو اقتضاء منطوقه قبول البينة المنبعثة من ذلك المكان مع وجود العلة في سماء البلد، واقتضاء مفهومه عدم قبولها مع خلو سمائه من العلة، وهذا التفصيل مقطوع البطلان، لوضوح أنه لا فرق في الاعتداد أو عدم الاعتداد بالرؤية في البلد الآخر المختلف مع بلد المكلف في الأفق بين وجود العلة في سماء بلده وعدمها.

ومن هنا يتعين البناء على كون ذيل الصحيحة ناظراً إلى خصوص المكان الذي يتفق مع بلد المكلف في الأفق، فإنه الذي يتجه فيه التفصيل في قبول البينة المنبعثة منه بين وجود العلة في سماء بلد المكلف وعدمه، ففي الحالة الأولى تقبل تلك البينة لعدم ابتلائها بالمعارض الحكمي، وفي الثانية لا تقبل لوجود المعارض الحكمي لها، وهو شهادة المستهلين في البلد بعدم ظهور الهلال في أفقه.

فالنتيجة: أن التقريب المذكور للاستدلال بالصحيحة المبحوث عنها للقول باختلاف الآفاق غير تام.

وهنا تقريب آخر، وهو أن يقال: إن ظاهر الصحيحة حصر ما تثبت به رؤية الهلال في وجهين: إما شهادة خمسين رجلاً من البلد إذا لم تكن


صفحه 134

في السماء علة، وإما شهادة رجلين من خارج البلد إذا كان في السماء علة، ولو بني على ثبوتها بشهادة خمسين رجلاً أو بشهادة رجلين من خارج البلد وإن لم تكن في سماء البلد علة من جهة انبعاث شهادتهم من مكان مختلف معه في الأفق كان هذا وجهاً ثالثاً، وظاهر الرواية نفيه.

وبعبارة أخرى: ظاهر الرواية أنه مع خلو سماء البلد عن العلة فإن رؤية الهلال التي بها يخرج صوم رمضان عن كونه بالتظني إنما تثبت بشهادة خمسين رجلاً في البلد نفسه، ولا يوجد طريق آخر لثبوتها عندئذٍ غير ذلك، وهذا إنما ينسجم مع القول باختلاف الآفاق، وأما على القول بالوحدة فلا ينحصر ثبوت الرؤية في فرض خلو السماء في البلد من العلة بشهادة خمسين رجلاً من داخل البلد بل تثبت ولو كانت شهادتهم من خارجه وذلك فيما إذا أتت من بلد مختلف عنه في الأفق.

وعلى هذا تتم دلالة الرواية على القول باختلاف الآفاق ولكنها تكون بالإطلاق الذي يمكن رفع اليد عنه فيما إذا تم دليل خاص على القول الآخر، فليتدبر.

(الرواية الثالثة): صحيحة محمد بن مسلم[1]عن أبي جعفر7قال:«إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. وليس بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية. والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا هو، وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة وألف، وإذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين».

ووجه الاستدلال بها هو أنه يعرف بقرينة ذيلها أن الإمام7كان بصدد التفصيل بين حالتين: أي بين أن تكون السماء خالية عن العلة، وفيها إن رئي الهلال ثبت دخول شهر رمضان فيجب صيامه بنية رمضان،

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:156.


صفحه 135

وإن لم ير الهلال أُحرز أن ذلك اليوم من شعبان فلا يجب صومه. وبين أن تكون في السماء علة، وفيها حيث لا يمكن التحري ويستقر الشك في استمرار شعبان أو دخول شهر رمضان لا بد من البناء على استمرار شعبان تعبداً.

فالفرق بين ما إذا كانت السماء خالية من العلة ولم ير هلال شهر رمضان وما إذا كانت فيها علة فلم ير ـ مع اشتراك الحالتين في إتمام شعبان ثلاثين يوماً ـ هو أنه في الحالة الأولى لا محل للتعبد الشرعي باستمرار شعبان، إذ مع كون السماء صافية تماماً وكثرة المستهلين وعدم رؤية الهلال يكون استمرار شعبان محرزاً بالوجدان، فكيف يبنى على استمراره تعبداً؟! فإن ما هو محرز بالوجدان لا معنى لأن يكون مورداً للتعبد الشرعي، ولذلك قالوا في الأصول: (إن تحصيل المحرز الوجداني بالأصل من أردء أنحاء تحصيل الحاصل). وأما في الحالة الثانية فلا سبيل إلى البناء على استمرار شعبان إلا بالتعبد الشرعي.

وهذا الفرق بين الحالتين لا يتم إلا على القول باختلاف الآفاق، إذ بناءً على القول باتحادها لا بد من التعبد الشرعي في الحالة الأولى أيضاً، فإن أقصى ما يحرز وجداناً بعدم رؤية الهلال في الأفق المحلي مع كون السماء خالية تماماً من أية علة هو عدم ظهور الهلال في هذا المكان بنحو قابل للرؤية، ولا يمكن نفي احتمال ظهوره كذلك في مكان آخر مختلف عنه في الأفق، أي يحتمل دخول شهر رمضان في هذا المكان من جهة قابلية الهلال للرؤية في مكان ثانٍ، فلا بد من التعبد الشرعي لإلغاء هذا الاحتمال والبناء على استمرار شهر شعبان ثلاثين يوماً.

وبعبارة أخرى: إنه بناءً على القول باختلاف الآفاق تكون الشرطية المذكورة في ذيل الصحيحة أي قوله7:«إذا كانت علة فأتم شعبان