بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 141

الهلال لأول مرة في القسم الثاني ميقاتاً خاطئاً، لأنه يؤشر إلى دخول الشهر الجديد في حين أن المفروض دخوله حتى في هذه البقاع في الليلة الماضية.

وهذا نظير أن يبنى على أن منتصف الليل يكون في الساعة الثانية عشرة في جميع أنحاء العالم ولكن تكون في كل بلد ساعة كبيرة يتاح للناس النظر إليها ومعرفة الوقت من خلالها فقط، وتكون هذه الساعة في قسم من العالم متأخرة بمقدار ستين دقيقة مثلاً، أي أنها لا تؤشر إلى الساعة الثانية عشرة إلا بعد مضي ساعة من ذلك في سائر الأماكن.

ويمكن أن يقال: إن من غير المقبول عقلائياً تحديد وقت موحد لجميع الناس في مختلف أرجاء المعمورة، مع كون ما جعل متاحاً للتعرف عليه خاطئاً في كثير من الحالات، ولا سيما مع عدم انكشاف ذلك للناس إلا بعد فوات الأوان أو عدم انكشافه مطلقاً، كما كان عليه الحال في الأزمنة السابقة في غالب الأحيان.

(الأمر الثاني)[1]: أن النبي6والأئمة:كان صيامهم وفطرهم وحجهم وسائر أعمالهم التي لها أيام محددة من الأشهر القمرية وفق ما تقتضيه رؤية الهلال في أماكن سكناهم أو البلاد القريبة منها، ولو كان غير ذلك لظهر وبان وتمثل في الروايات، مع أنه ليس فيها ما يشير إليه أصلاً.

بل ظاهر العديد منها هو ما ذكرناه كمعتبرة معمر بن خلاد المتقدمة، ومعتبرة أبي علي ابن راشد[2]قال: كتب إلي أبو الحسن العسكري7كتاباً وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شك، وصام أهل بغداد يوم

[1]لاحظ أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:14.

[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:167.


صفحه 142

الخميس، وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل. قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء. قال: فكتب إلي:«زادك الله توفيقاً فقد صمت بصيامنا». قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه. فقال لي:«أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس، ولا تصم إلا للرؤية».

وهذه الرواية معتبرة السند، فإن أبا علي بن راشد قد وثقه الشيخ في كتاب الرجال[1]، وكان وكيلاً للإمام الهادي7كما ذكر ذلك في ترجمته[2].

والشيخ (قدس سره) قد ابتدأ هذه الرواية بـ(أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد) الذي هو من مشايخ أستاذه المفيد، فيبدو أنه أخذها من كتاب أستاذه المتقدم ذكره، والرجل وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكن مرّ في موضع سابق[3]أنه من مشايخ الإجازة الذين لا يضر وجودهم في الأسانيد باعتبارها.

فلا خدش في سند الرواية، وقد وردت بالنص المذكور في التهذيب المطبوع وغيره، ولكن في هامش جامع الأحاديث[4]هكذا: إن في بعض النسخ: (كتبت إلى أبي الحسن العسكري كتاباً وأرخته). والظاهر أن هذا هو الصواب بقرينة قوله في الذيل: (فسألته عما كتبت به إليه).

وأما قوله: (فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء) فلا يخلو من خلل، والمقصود واضح وهو أنه اعتقد

[1]رجال الطوسي ص:375.

[2]اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:801.

[3]قبسات من علم الرجال ج:1 ص:151 ط:2.

[4]جامع الأحاديث ج:10 ص:328 الهامش.


صفحه 143

أن الناس قد صاموا يوم الخميس في بغداد متأخرين يوماً لأن الأربعاء كان أول الشهر بدليل أن الهلال بقي طويلاً بعد الشفق في ليلة الخميس.

هذا والمذكور في المصادر التاريخية أن الإمام الهادي7كان في سنة (232 هـ) بعدُ في المدينة المنورة وإنما أُشخص إلى العراق في العام اللاحق[1]، والملاحظ بمراجعة البرامج الكومبيوترية التي توضح أوضاع الهلال في السنين السابقة أن هلال رمضان في ذلك العام كان في ليلة الأربعاء (20 نيسان سنة 847 م) قابلاً للرؤية بوضوح في معظم القارة الأفريقية والأمريكيتين، وأما في الجزيرة العربية والعراق والشام ونحوها من المناطق فلم يكن قابلاً للرؤية بالعين المجردة إلا مع صفاء الجو تماماً، وهو ما لا يتحقق في أجواء مناطقنا إلا قليلاً، ويبدو أن هذا هو السبب في عدم رؤية الهلال في بغداد ولا في المدينة المنورة إلا في ليلة الخميس.

ومهما يكن فإن تصريح الإمام7بأنه إنما صام يوم الخميس يدل بوضوح على أنه7إنما كان يتبع ما تقتضيه رؤية الهلال في بلد سكناه دون الأماكن الأخرى.

وبالجملة: لا ينبغي الشك في أنهم:كانوا يعتمدون في بداية الأشهر الهلالية على الرؤية في بلدانهم أو ما هو قريب منها كسائر المسلمين.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه لا ريب أن في تلك الأزمنة ـ كما في زماننا هذا ـ كانت رؤية الهلال متيسرة في كثير من الأشهر في بعض البلدان البعيدة في ليلة سابقة على ليلة تيسرها في العراق والحجاز وخراسان ونحوها ـ كما يعرف ذلك بملاحظة البرامج الكومبيوترية الحديثة التي تبيّن أوضاع القمر لمئات السنين السابقة واللاحقة، ومرّ أنموذج من

[1]المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج:11 ص:195.


صفحه 144

ذلك في مورد معتبرة أبي علي بن راشد ـ أي أن رؤية هلال شوال ـ مثلاً ـ كانت تتيسر في أستراليا أو في غرب أفريقيا أو في أمريكا الجنوبية ولا تتيسر رؤيته في بلاد المسلمين إلا في الليلة اللاحقة كما يحدث هذا في زماننا باستمرار.

ومن جهة ثالثة فإنه يمكن أن يقال: إن الأئمة:لم يكن ينقصهم العلم بما يعرف به وضع الهلال في الأماكن الأخرى، إذ إنه إنما يتوقف على إجراء محاسبات خاصة وفق قواعد فلكية ورياضية معينة للتوصل إلى درجة ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار بعده الزاوي عن الشمس ونسبة القسم المنار إلى أكبر قطر يبلغه القرص، وهذه المحاسبات لم تكن بعيدة عن معرفة الفلكيين من المسلمين وغيرهم ولا سيما في عصر الأئمة المتأخرين:كما يشهد لذلك ما مرّ في مكاتبة أبي عمرو.

فمتى علم بالمحاسبة الدقيقة أن الهلال يكون في ليلة معينة في أستراليا ـ مثلاً ـ بارتفاع (12) درجة وبعيداً عن الشمس بمقدار (8) درجات وتبلغ نسبة القسم المنار منه (3%) يقطع بأنه يكون قابلاً للرؤية بالعين المجردة هناك لولا الموانع من غيم ونحوه، وإن لم يكن قابلاً للرؤية في الحجاز أو العراق أو خراسان إلا في الليلة اللاحقة، لعدم ظهوره في تلك الليلة في أفق هذه المناطق إلا بارتفاع (3) أو (4) درجات، مما لا يسمح برؤيته بالعين المجردة.

ولا حاجة في معرفة هذا إلى علم الغيب لكي يقال: إن الأئمة:لم يكونوا يستخدمونه في هذه المجالات.

وبعبارة أخرى: إن العلم بالمعادلات الرياضية الفلكية التي يمكن من خلالها التعرف على وضع الهلال في مختلف بقاع الأرض كان جزءاً من علم الأئمة:، إذ لا سبيل إلى القول بأنهم كانوا لا يعلمون ما كان


صفحه 145

يعلم به الفلكيون في زمانهم، فإن هذا تنقيص من شأنهم كما لا يخفى.

وفي ضوء هذه الأمور أقول: إنه إذا كانت العبرة في دخول الشهر القمري بإمكانية رؤية الهلال في مكان ما على سطح الكرة الأرضية فلماذا لم يكن الأئمة:يقومون بإجراء تلك المعادلات الرياضية الفلكية للوصول من خلالها إلى البدايات الصحيحة للأشهر القمرية في أماكن سكناهم حتى يقع صومهم وفطرهم وسائر أعمالهم في أوقاتها الصحيحة؟ وأيضاً ليعلموا بذلك شيعتهم ومواليهم ـ وفي الأقل الخواص منهم ـ لئلا يصيروا مثل المخالفين لا يوفقون لأضحى ولا لفطر، وفي خبر آخر لا لصوم ولا لفطر[1]، وقد وردت عشرات الروايات في أنهم:أخبروا بعض أصحابهم ببعض الأمور الغيبية، فلماذا لم يرد ولا خبر واحد بأنهم أخبروا أحداً منهم بأن يوم السبت ـ مثلاً ـ هو يوم عيد الفطر فلا تصمه لأن الهلال يرى في ليلته في الأندلس أو غرب أفريقيا وإن لم ير في المدينة المنورة أو في الكوفة ونحوهما؟!

إن قلت: إن المحاسبات الفلكية المشار إليها لا تورث القطع بل أقصاه الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً.

قلت: ليس الأمر كذلك، فإن ما يعتمد على المعادلات الرياضية ولا يتخلله الاجتهاد والحدس الشخصي كتحديد زمان ولادة الهلال ووقت خروجه من المحاق ومقدار ارتفاعه فوق الأفق ونسبة القسم المنار إلى أكبر قطر يبلغه القرص ونحو ذلك يوجب الجزم لأهله ولا يقع فيه اختلاف بينهم إلا أحياناً بسبب الخطأ في المحاسبة من قبل بعضهم لا غير.

نعم ما يتعلق بتحديد أدنى الشروط المطلوبة لرؤية الهلال بالعين المجردة أي من حيث العمر والارتفاع والبعد عن الشمس ونحو ذلك هو مما

[1]من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:114.


صفحه 146

يخضع للتجارب المعتمدة على رصد الهلال ميدانياً، ولكن في غالب الشهور يكون هناك مكان ما يعدّ هو القدر المتيقن مما يمكن أن يرى فيه الهلال بالعين المجردة لكونه بالمواصفات المطلوبة يقيناً.

وملخص القول: أن العلم بوضع الهلال في مختلف البلدان في ليلة الشك وإن لم يكن علماً فعلياً لمن يعرف المعادلات الرياضية الفلكية لكي يمتنع عدم العمل بمقتضاه، بل هو مما يتوقف على إجراء تلك المعادلات كمن يسأَل عن حاصل ضرب (66) في (77) ـ مثلاً ـ فإنه وإن لم يكن يعلمه بالعلم الفعلي لكن إذا كان عارفاً بكيفية العملية الحسابية (الضرب) يمكنه خلال ثوان الوصول إلى النتيجة الصحيحة. فالعلم بأوضاع الأهلة لمن يعرف المعادلات الرياضية الفلكية بهذه المثابة فيمكن أن لا تكون وظيفته في الصيام أو الفطر القيام باستحصال العلم المذكور بل يكتفى منه بالاعتماد على ما يقتضيه التعبد الشرعي ببقاء الشهر الأول مع الشك في ظهور الهلال في مكان آخر، ولكن هذا إذا كان لا يؤدي إلى التخلف عن الواقع في موارد كثيرة ـ كما في حالات الغيم التي هي محدودة في حدّ ذاتها، والبناء على إكمال العدة فيها لا يخالف الواقع في جملة من ذلك بطبيعة الحال ـ لا يعدّ أمراً مستبعداً، وأما إذا كانت العبرة في أوائل الأشهر القمرية برؤية الهلال في مكان ما على الكرة الأرضية فالتخلف عن الواقع يقع كثيراً، ويمكن أن يستبعد عدم قيام الأئمة:بالاعتماد على هذه الطريقة لإحراز الواقع في أعمال أنفسهم ولإخبار شيعتهم أو الخواص منهم بذلك ولو في بعض الموارد والحالات.

(الأمر الثالث): ما ذكره بعض الأعلام[1]ـ كما حكي عن مجلس درسه ـ من أنه لو بني على وحدة الآفاق ودخول الشهر في بلد المكلف

[1]السيد الشبيري الزنجاني (دامت بركاته).


صفحه 147

بإمكانية رؤية الهلال في أي مكان آخر ولو كان مختلفاً عنه في الأفق لم يكن يبقى مورد يتيقن فيه بأيام الشهور القمرية في الأزمنة السابقة، فإن أقصى ما كان هناك هو أن يرى المكلف الهلال في الكوفة أو المدينة المنورة ـ مثلاً ـ أول ما يراه ضعيفاً جداً بحيث يتيقن بأنه هلال ابن ليلة واحدة في بلده، ولكن ما كان له نفي احتمال إمكانية رؤيته في الليلة السابقة في مكان ما في العالم، فلم يكن يبقى مورد متيقن للأيام التي لها أعمال خاصة في الشرع المقدس حتى يأتي بها في تلك الأيام.

وأما استصحاب عدم دخول الشهر الجديد فهو لا يثبت أن غداً أول الشهر، وإنما أقصى ما يثبته هو عدم دخول الشهر الجديد إلى الآن، ولذلك لا يمكن ترتيب الآثار الشرعية المختصة بعناوين الأيام كاليوم الأول واليوم العاشر وأيام البيض ونحو ذلك استناداً إلى الاستصحاب المذكور. مع أن من المؤكد أن سيرة المتشرعة كانت على إجراء أحكام الأيام وفق ما تقتضيه الرؤية في بلدانهم من دون الاعتناء باحتمال الرؤية في أماكن أخرى.

أقول: يمكن أن يقال: إن اليوم الأول من الشهر هو اليوم الذي ظهر الهلال في ليلته ولم يظهر في الليلة السابقة عليه، فالموضوع مركب من جزئين والأول محرز بالوجدان والثاني يمكن إحرازه بالأصل الموضوعي ـ أي استصحاب عدم ظهور الهلال في الليلة السابقة في أي مكان في العالم ـ فيلتئم الموضوع المركب ويترتب الأثر.

ولكن هذا البيان غير تام، فإن أول الشهر ـ مثلاً ـ عنوان انتزاعي، وإجراء الاستصحاب في منشأ انتزاعه لغرض إثباته يعدّ من الأصل المثبت الذي لا يعول عليه.


صفحه 148

نعم ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) في أصوله[1]أن بالإمكان (إثبات عنوان الأولية بالاستصحاب بنحو لا يكون من الأصل المثبت، بتقريب أنه بعد مضي دقيقة من اليوم الذي نشك في أوليته ـ أي نشك في أنه أول الشهر الجديد أو الثاني منه ـ نقطع بدخول أول الشهر، لكنا لا ندري أنه هل هو هذا اليوم ليكون باقياً أو الذي قبله ليكون ماضياً، فنحكم ببقائه بالاستصحاب، وتترتب عليه الآثار الشرعية كحرمة الصوم ـ صوم يوم العيد ـ مثلاً).

ولكن هذا البيان لم يقبله من أتى بعده، وقد نوقش في كلماتهم بوجوه لا حاجة إلى التعرض لها. والذي ينبغي الإشارة إليه هو أنه (قدس سره) قد ذكر بنفسه في كتاب الصوم[2]ما يقتضي كون هذا الاستصحاب الوجودي معارضاً بالاستصحاب العدمي، وتقريبه أنه يعلم بعدم تحقق اليوم الأول قبل حلول هذا اليوم بأحد عدمين، إما بالعدم السابق على وجوده المعبر عنه بالعدم الأزلي، أو بالعدم اللاحق لوجوده المعبر عنه بالعدم الحادث، فعلى تقدير كون عدمه من قبيل العدم السابق فقد انتقض بوجوده قطعاً، كما أنه على تقدير كونه من قبيل العدم اللاحق يكون باقياً في هذا اليوم قطعاً فيشك في النتيجة في بقاء عدم اليوم الأول الجامع بين العدمين وهو قابل للاستصحاب، وما يناقض وجود اليوم الأول هو طبيعي عدمه لا خصوص العدم اللاحق كما هو ظاهر، فاستصحاب عدم تحقق اليوم الأول يعارض استصحاب بقائه، وهو من قبيل تعارض الاستصحابين بالذات لوحدة متعلقيهما وجوداً وعدماً، ومزيد الكلام حول هذا محله في علم الأصول.

[1]مصباح الأصول ج:3 ص:165 ط:النجف.

[2]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:130 ط:النجف.