بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 174

النظر عن هذا الأصل العقلائي، وعليه فتكون الجهة التي نشك في كون المتكلم في مقام البيان من تلك الجهة مع إحراز كونه في مقام بيان حكم آخر من موارد الأصل العقلائي، فيثبت بذلك كونه في مقام البيان من كلتا الجهتين فيصح التمسك بالإطلاق بلحاظ كل منهما.

قلت: بناء العقلاء وإن استقر على ذلك، إلا أنه يختص بما إذا احتمل كون المتكلم في مقام الإهمال والإجمال وعدم كونه في مقام البيان أصلاً، كما إذا دار الأمر بين كون المولى في مقام البيان أو كونه في مقام التشريع فقط، وأما إذا كان المولى في مقام بيان حكم آخر فليس من العقلاء بناء على كونه في مقام البيان في غير ما ثبت كونه في مقام بيان، لأن كونه في مقام بيان حكم ما يكفي في كونه فائدة لكلامه ومخرجاً له عن الإهمال، فيحتاج إثبات أنه في مقام بيان حكم آخر غير هذا الحكم المعلوم كونه في مقام بيانه إلى دليل مفقود في المقام على الفرض).

ونظير هذا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته[1]قائلاً: (لو

[1]دراسات في علم الأصول ج:2 ص:337. وتجدر الإشارة إلى أنه قد حكي عنه (قدس سره) في (مباني الاستنباط ج:1 ص:326) ما نصه: (أن الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات لاستقرار طريقة العقلاء على حمل الكلام على ذلك ما لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة أو أكثر، كما في ما دل على حلية ما يصيده الكلب المعلم فإن القرينة فيه قائمة على أنه وارد في مقام بيان الحلية الذاتية دون نفي النجاسة العرضية بملاقاة الكلب مع رطوبة مسرية).

ولكن هذا الكلام يشك في صدوره من السيد الأستاذ (قدس سره) بهذه الصورة، ولا سيما ما ورد في ذيله، فإن عدم كون قوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)في مقام نفي النجاسة العرضية ليس من أجل قيام القرينة على ذلك، بل لعدم ظهوره في حدّ ذاته إلا في كونه مسوقاً لبيان تذكية ما يصيده الكلب المعلم لا غير.

هذا وورد في (محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:366ـ367) ما نصه: (إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يكن في مقام البيان من جهة أخرى لا مانع من التمسك بإطلاق كلامه من الجهة التي كان في مقام البيان من تلك الجهة دون الجهة الأخرى، وهذا في الآيات والروايات كثير ..

أما في الآيات فكقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)فإنه إذا شك في اعتبار الإمساك من الحلقوم في تذكيته وعدم اعتباره لا مانع من التمسك بإطلاق الآية الكريمة من هذه الناحية والحكم بعدم اعتبار الإمساك من الحلقوم. وأما إذا شك في طهارة محل الإمساك وعدمها فلا يمكن التمسك بإطلاق الآية من هذه الناحية، لأن إطلاقها غير ناظر إليها أصلاً فلا تكون الآية في مقام البيان من هذه الجهة، فلا محالة عندئذٍ يحكم بنجاسته.

وأما في الروايات فمنها قوله7:«لا بأس بالصلاة في دم إذا كان أقل من درهم»، فإنه في مقام البيان من جهة أن هذا المقدار من الدم غير مانع من ناحية النجاسة، حيث إن المتفاهم العرفي كون هذا استثناءً من مانعية الدم من هذه الناحية، ولا يكون في مقام البيان من جهة أخرى ـ وهي كونه من دم المأكول أو غير المأكول ـ وعليه فإذا شك في صحة الصلاة فيه وعدم صحتها لم يجز التمسك بإطلاق الرواية، لعدم كون إطلاقها ناظراً إلى هذه الناحية.

فالنتيجة: أنه لا إشكال في ذلك وأن المتكلم من أي جهة كان في مقام البيان جاز التمسك بإطلاق كلامه من هذه الجهة وإن لم يكن في مقام البيان من الجهات الأخرى).

والملاحظ أنه لم يرد فيه التعرض لحكم صورة الشك في كون المتكلم في مقام البيان من جهة مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، وإنما ذكر فيه أن كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى لا يمنع من الأخذ بالإطلاق من الجهة الأولى. وهذا لا يخلو من غرابة، فإن جواز التمسك بالإطلاق من الجهة التي يحرز كون المتكلم في مقام البيان بلحاظها وإن لم يكن في مقام البيان بلحاظ جهة أخرى من الواضحات الغنية عن الذكر، وما ينبغي التعرض له هو التمسك بالإطلاق من الجهة التي يشك في كون المتكلم في مقام بيانها مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، فيستغرب عدم تعرض السيد الأستاذ (قدس سره) لهذا وتعرضه لذلك، وأظن ـ والله العالم ـ وقوع اشتباه في هذا التقرير في تحرير ما أفاده (طاب ثراه)، ولا سيما مع اشتمال سائر تقريراته ـ من مختلف الدورات الأصولية ـ على التعرض لما أشير إليه.


صفحه 175

شككنا في كون المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات بعد إحراز كونه في مقام البيان من جهة خاصة معينة، فهل هناك بناء من العقلاء على كونه


صفحه 176

في مقام البيان من جميع الجهات أم لا؟

أما إذا شك في أصل كون المولى في مقام البيان في مقابل كونه في مقام الإهمال فبناء العقلاء ثابت على كونه في مقام البيان، فإن الغرض من وضع الألفاظ إنما هو بيان المرادات بها، وهو واضح، وأما إذا أحرزنا كونه في مقام البيان من جهة واحتملنا كونه في مقام البيان من بقية الجهات ـ ويعبر عنه بالإطلاق الوارد في مقام بيان حكم آخر ـ فلم يثبت بناء من العقلاء على إثبات ذلك أصلاً، بل كثيراً ما لا يلتفت المتكلم إلى جميع جهات الكلام فضلاً عن أن يكون في مقام بيانها، فلا بد حينئذٍ من الاقتصار في الأخذ بالإطلاق على الجهة التي أحرز كون المولى في مقام بيانها).

أقول: ينبغي البحث في موارد ..

(المورد الأول): هل أن التمسك بالإطلاق يتوقف على إحراز كون المتكلم في مقام البيان أو لا؟

المشهور بين الأصوليين أنه يتوقف على ذلك، ولكن أنكر ذلك جمع من المتأخرين.

قال بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]ما ملخصه: إن الإطلاق يستفاد من ظهور ترتيب الحكم على الطبيعة في كونها تمام الموضوع بلا دخل للخصوصية، فلا يعتبر إحراز كون المتكلم في مقام البيان. وذلك لأن بناء العقلاء ـ بلا تشكيك ـ على العمل بظاهر الكلام بلا توقف وتردد، فمع الشك في إرادة الظاهر يرجع إلى أصالة الحقيقة كما هو الحال في كل مورد يشك في إرادة ظاهر الكلام منه. نعم إذا أحرز أنه ليس في مقام البيان من بعض الجهات وأنه في مقام الإهمال من تلك الجهة لا يكون الظاهر حجة

[1]منتقى الأصول ج:3 ص:442.


صفحه 177

على مراده من تلك الجهة، وهو واضح، فإن بناء العقلاء على حجية الظاهر ما لم يحرز أنه لا يقصد الكشف عن مراده الواقعي به.

وقال بعض آخر[1]ما حاصله: إن بناء العرف على توقف التمسك بالإطلاق على إحراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد غير ثابت، بل لا يبعد ابتناؤه على أن الإهمال كالتقييد خلاف الأصل لا يحمل عليه المطلق إلا بدليل، بل التأمل في المرتكزات العرفية الاستعمالية قاضٍ بأن ورود المطلق في مقام البيان بالنحو المذكور مقتضى ظهوره في العموم والسريان وتابع له ـ كالعام الوضعي ـ لا من مقدمات الظهور في العموم التي يلزم إحرازها في رتبة سابقة على الظهور فيه من دون أن تستفاد منه ـ نظير عدم وجود القيد المتصل الذي هو مقتضى أصالة عدم القرينة من دون أن يستفاد من نفس الكلام ـ ولذا لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية، بخلاف ما لو ثبت احتفافه بقرينة متصلة حالية أو مقالية دالة على التقييد، حيث ينكشف بذلك عدم الظهور في السريان وكذب أصالة عدم القرينة، لا أن الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية.

أقول: يمكن الخدش في البيان الأول بأن دعوى انعقاد الظهور للكلام في كون الطبيعي تمام الموضوع للحكم بلا دخل للخصوصية لمجرد عدم ذكر القيد ممنوعة، فإن العرف ـ كما يظهر بالرجوع إلى المرتكزات ـ لا يرى انعقاد الظهور للكلام في الإطلاق إلا بملاحظة كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بكلامه وعدم كونه في مقام الإجمال والإبهام.

لا يقال: ما الفرق بين ظهور الكلام في المعنى الحقيقي ـ مثلاً ـ

[1]المحكم في أصول الفقه ج:2 ص:62.


صفحه 178

وظهوره في الإطلاق لكي يفرق العرف بينهما فيبني على اشتراط كون المتكلم في مقام البيان في الثاني وعدم اشتراطه في الأول؟

فإنه يقال: إن أصل كون المتكلم في مقام بيان مرامه بما يتلفظ به معتبر حتى في الأول، وإنما الذي يزيد عليه الثاني هو اعتبار كونه في مقام بيان تمام مرامه في مقابل كونه في مقام بيان أصل ثبوت الحكم للطبيعي أي في الجملة.

وبهذا يظهر الخدش أيضاً في ما ورد في البيان الثاني ـ من دعوى أن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده ليس من مقدمات ظهور المطلق في العموم والسريان ليلزم إحرازه في رتبة سابقة على الظهور فيه، بل وروده في مقام البيان كذلك هو مقتضى ظهوره في الشمول والسريان وتابع له ـ فإن ظهور المطلق في كون الطبيعي هو تمام الموضوع للحكم لا يتم عرفاً إلا مع عدم التقييد من جهة وبملاحظة كون المتكلم بصدد بيان تمام مرامه من جهة أخرى، ولا وجه للقول بأن كونه في مقام البيان كذلك من مقتضيات ظهوره في العموم.

وأما ما استشهد به ـ من أنه لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية ـ فهو وإن كان تاماً ولكن لا يشهد على تمامية الدعوى المذكورة، إذ ينسجم أيضاً مع ما ذكرناه من إناطة انعقاد ظهور المطلق في الإطلاق بتوفر ما يقتضي كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه ـ كظهور حاله في ذلك على ما سيأتي ـ إذ بناءً عليه يكون قيام دليل منفصل على أنه لم يكن في مقام البيان موجباً لسقوط ظهور كلامه في الإطلاق عن الحجية ولا يكشف عن عدم انعقاده من الأول.


صفحه 179

(المورد الثاني): إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه أو في مقام الإجمال والإبهام، فلا شك في أن بناء العقلاء قائم على كونه في مقام البيان وبالتالي انعقاد الإطلاق لكلامه، ولكن هل ذلك لأصل عقلائي مستقل برأسه أو من جهة ظهور حال كل متكلم في أنه بصدد بيان تمام مرامه بكلامه؟ فيه وجهان.

ربما يلوح الأول من كلام المحقق النائيني (قدس سره) وغيره. ولكن ناقش فيه بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]بأنه لا يوجد في المقام أصل عقلائي تعبدي، بأن يكون العقلاء قد تبانوا على حمل كلام المتكلم على أنه صادر في مقام البيان بحيث يكون كل كلام حجة تعبداً على أن صاحبه في مقام بيان تمام مرامه، بل ليس تباني العقلاء على الحمل المذكور إلا صغرى من صغريات أصالة الظهور.

ويلاحظ على ما أفاده (قدس سره) بأنه يمكن أن لا يراد بالأصل العقلائي عند القائل به ما يكون مبنياً على التعبد المحض ـ ليقال: إنه ليس للعقلاء تعبدات عملية بل أصولهم اللفظية كلها بملاك الكاشفية النوعية ـ بل يراد به ما يكون مبنياً على ضرب من الكاشفية، نظير أصالة عدم القرينة المتصلة إذا كان احتمالها ناشئاً من احتمال خطأ الراوي وغفلته عن نقلها، حيث يبني (قدس سره)[2]على أنها بملاك الكاشفية النوعية ولذلك ينقح بها موضوع أصالة الظهور. فما المانع هنا من الالتزام بأن أصالة كون المتكلم في مقام البيان لا الإجمال أصل عقلائي مثل أصالة عدم الغفلة في الحسيات، والملاك فيه أيضاً الكاشفية النوعية بملاحظة قلة كون المتكلم في مقام الإبهام والإجمال وغلبة كونه في مقام البيان؟

[1]بحوث في علم الأصول ج:3 ص:418.

[2]بحوث في علم الأصول ج:4 ص:269.


صفحه 180

نعم إذا ثبت ظهور حال كل متكلم في كونه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه تعين الالتزام بكون هذا الظهور هو الأساس في الأصل المذكور، وعلى كل حال فهو ينقح موضوع أصالة الظهور في الإطلاق، أي يحرز به كون المتكلم في مقام البيان الذي لا بد منه ـ كما مرّ ـ في انعقاد ظهور كلامه في الإطلاق.

(المورد الثالث): ما المقصود بكون المتكلم في مقام البيان من جهة وعدم كونه في مقام البيان من جهة أخرى؟ ومتى يكون ذلك وما هو ضابطه؟

وينبغي أولاً استعراض جملة من الأمثلة المذكورة في كلمات الأعلام (قدّس الله أسرارهم) فأقول ..

1 ـ قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)[1]تعقيباً على الاستدلال بإطلاق ما دل على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام لنفي اعتبار تأخره عنه: (إنه وارد في مقام حكم آخر ولا نسلم أن المقام مقام البيان من جهة تساوي الموقف، كما لا يكون مقام البيان من جهة عدم العلو وعدم الحائل وعدم البعد ونحو ذلك).

2 ـ وقال المحقق الهمداني (قدس سره)[2]في تقريب المنع من الاستدلال بإطلاق الأخبار الواردة في حصر نواقض الوضوء في البول والغائط ونحوهما على ناقضية ما يخرج منها من غير المخرج الطبيعي ما نصه: (لمانع أن يمنع ظهور الأخبار المتقدمة في إرادة الإطلاق، بادعاء ورودها في مقام بيان حكم آخر وهو حصر النواقض في هذه الأشياء لا كون هذه الأشياء ناقضة على الإطلاق، فلا يجوز الأخذ بإطلاقها من هذه الجهة، لأن من

[1]كتاب الصلاة ج:2 ص:351 (بتصرف يسير).

[2]مصباح الفقيه ج:2 ص:15.


صفحه 181

شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون مسوقاً لبيان حكم آخر) ولكنه ادعى لاحقاً ظهور تلك الأخبار في كون المراد بها بيان ناقضية الأشياء المذكورة فيها وعدم ناقضية غيرها.

3 ـ وقال المحقق النائيني (قدس سره)[1]: (إن من شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون الحكم في مقام أصل التشريع .. وأن لا يكون وارداً مورد حكم آخر كقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)فإنه مسوق لحلية ما اصطاده الكلب المعلَم فلا يمكن التمسك بإطلاقه للحكم بطهارة محل عضه).

ومرّ أن التمثيل بالآية المباركة للمقام قد ذكر في كلام من سبقه، كما ورد في كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) في أصوله وفقهه[2]وكذلك العديد من الأعلام المتأخرين.

4 ـ وقال السيد الأستاذ (قدس سره)[3]: إنه يمكن الاستدلال على نجاسة الدم على إطلاقه بقوله7في موثقة عمار:«كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب». ثم قال: (وقد يقال: الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقها .. ويدفعه أنها إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات .. وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان يتنجس بالملاقاة .. وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره .. وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للإنكار، ولا نرى مانعاً من

[1]منية الطالب في شرح المكاسب ج:1 ص:358.

[2]محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:367. التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:9.

[3]التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:7ــ9.