شككنا في كون المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات بعد إحراز كونه في مقام البيان من جهة خاصة معينة، فهل هناك بناء من العقلاء على كونه
في مقام البيان من جميع الجهات أم لا؟
أما إذا شك في أصل كون المولى في مقام البيان في مقابل كونه في مقام الإهمال فبناء العقلاء ثابت على كونه في مقام البيان، فإن الغرض من وضع الألفاظ إنما هو بيان المرادات بها، وهو واضح، وأما إذا أحرزنا كونه في مقام البيان من جهة واحتملنا كونه في مقام البيان من بقية الجهات ـ ويعبر عنه بالإطلاق الوارد في مقام بيان حكم آخر ـ فلم يثبت بناء من العقلاء على إثبات ذلك أصلاً، بل كثيراً ما لا يلتفت المتكلم إلى جميع جهات الكلام فضلاً عن أن يكون في مقام بيانها، فلا بد حينئذٍ من الاقتصار في الأخذ بالإطلاق على الجهة التي أحرز كون المولى في مقام بيانها).
أقول: ينبغي البحث في موارد ..
(المورد الأول): هل أن التمسك بالإطلاق يتوقف على إحراز كون المتكلم في مقام البيان أو لا؟
المشهور بين الأصوليين أنه يتوقف على ذلك، ولكن أنكر ذلك جمع من المتأخرين.
قال بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]ما ملخصه: إن الإطلاق يستفاد من ظهور ترتيب الحكم على الطبيعة في كونها تمام الموضوع بلا دخل للخصوصية، فلا يعتبر إحراز كون المتكلم في مقام البيان. وذلك لأن بناء العقلاء ـ بلا تشكيك ـ على العمل بظاهر الكلام بلا توقف وتردد، فمع الشك في إرادة الظاهر يرجع إلى أصالة الحقيقة كما هو الحال في كل مورد يشك في إرادة ظاهر الكلام منه. نعم إذا أحرز أنه ليس في مقام البيان من بعض الجهات وأنه في مقام الإهمال من تلك الجهة لا يكون الظاهر حجة
[1]منتقى الأصول ج:3 ص:442.
على مراده من تلك الجهة، وهو واضح، فإن بناء العقلاء على حجية الظاهر ما لم يحرز أنه لا يقصد الكشف عن مراده الواقعي به.
وقال بعض آخر[1]ما حاصله: إن بناء العرف على توقف التمسك بالإطلاق على إحراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد غير ثابت، بل لا يبعد ابتناؤه على أن الإهمال كالتقييد خلاف الأصل لا يحمل عليه المطلق إلا بدليل، بل التأمل في المرتكزات العرفية الاستعمالية قاضٍ بأن ورود المطلق في مقام البيان بالنحو المذكور مقتضى ظهوره في العموم والسريان وتابع له ـ كالعام الوضعي ـ لا من مقدمات الظهور في العموم التي يلزم إحرازها في رتبة سابقة على الظهور فيه من دون أن تستفاد منه ـ نظير عدم وجود القيد المتصل الذي هو مقتضى أصالة عدم القرينة من دون أن يستفاد من نفس الكلام ـ ولذا لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية، بخلاف ما لو ثبت احتفافه بقرينة متصلة حالية أو مقالية دالة على التقييد، حيث ينكشف بذلك عدم الظهور في السريان وكذب أصالة عدم القرينة، لا أن الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية.
أقول: يمكن الخدش في البيان الأول بأن دعوى انعقاد الظهور للكلام في كون الطبيعي تمام الموضوع للحكم بلا دخل للخصوصية لمجرد عدم ذكر القيد ممنوعة، فإن العرف ـ كما يظهر بالرجوع إلى المرتكزات ـ لا يرى انعقاد الظهور للكلام في الإطلاق إلا بملاحظة كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بكلامه وعدم كونه في مقام الإجمال والإبهام.
لا يقال: ما الفرق بين ظهور الكلام في المعنى الحقيقي ـ مثلاً ـ
[1]المحكم في أصول الفقه ج:2 ص:62.
وظهوره في الإطلاق لكي يفرق العرف بينهما فيبني على اشتراط كون المتكلم في مقام البيان في الثاني وعدم اشتراطه في الأول؟
فإنه يقال: إن أصل كون المتكلم في مقام بيان مرامه بما يتلفظ به معتبر حتى في الأول، وإنما الذي يزيد عليه الثاني هو اعتبار كونه في مقام بيان تمام مرامه في مقابل كونه في مقام بيان أصل ثبوت الحكم للطبيعي أي في الجملة.
وبهذا يظهر الخدش أيضاً في ما ورد في البيان الثاني ـ من دعوى أن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده ليس من مقدمات ظهور المطلق في العموم والسريان ليلزم إحرازه في رتبة سابقة على الظهور فيه، بل وروده في مقام البيان كذلك هو مقتضى ظهوره في الشمول والسريان وتابع له ـ فإن ظهور المطلق في كون الطبيعي هو تمام الموضوع للحكم لا يتم عرفاً إلا مع عدم التقييد من جهة وبملاحظة كون المتكلم بصدد بيان تمام مرامه من جهة أخرى، ولا وجه للقول بأن كونه في مقام البيان كذلك من مقتضيات ظهوره في العموم.
وأما ما استشهد به ـ من أنه لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية ـ فهو وإن كان تاماً ولكن لا يشهد على تمامية الدعوى المذكورة، إذ ينسجم أيضاً مع ما ذكرناه من إناطة انعقاد ظهور المطلق في الإطلاق بتوفر ما يقتضي كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه ـ كظهور حاله في ذلك على ما سيأتي ـ إذ بناءً عليه يكون قيام دليل منفصل على أنه لم يكن في مقام البيان موجباً لسقوط ظهور كلامه في الإطلاق عن الحجية ولا يكشف عن عدم انعقاده من الأول.
(المورد الثاني): إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه أو في مقام الإجمال والإبهام، فلا شك في أن بناء العقلاء قائم على كونه في مقام البيان وبالتالي انعقاد الإطلاق لكلامه، ولكن هل ذلك لأصل عقلائي مستقل برأسه أو من جهة ظهور حال كل متكلم في أنه بصدد بيان تمام مرامه بكلامه؟ فيه وجهان.
ربما يلوح الأول من كلام المحقق النائيني (قدس سره) وغيره. ولكن ناقش فيه بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]بأنه لا يوجد في المقام أصل عقلائي تعبدي، بأن يكون العقلاء قد تبانوا على حمل كلام المتكلم على أنه صادر في مقام البيان بحيث يكون كل كلام حجة تعبداً على أن صاحبه في مقام بيان تمام مرامه، بل ليس تباني العقلاء على الحمل المذكور إلا صغرى من صغريات أصالة الظهور.
ويلاحظ على ما أفاده (قدس سره) بأنه يمكن أن لا يراد بالأصل العقلائي عند القائل به ما يكون مبنياً على التعبد المحض ـ ليقال: إنه ليس للعقلاء تعبدات عملية بل أصولهم اللفظية كلها بملاك الكاشفية النوعية ـ بل يراد به ما يكون مبنياً على ضرب من الكاشفية، نظير أصالة عدم القرينة المتصلة إذا كان احتمالها ناشئاً من احتمال خطأ الراوي وغفلته عن نقلها، حيث يبني (قدس سره)[2]على أنها بملاك الكاشفية النوعية ولذلك ينقح بها موضوع أصالة الظهور. فما المانع هنا من الالتزام بأن أصالة كون المتكلم في مقام البيان لا الإجمال أصل عقلائي مثل أصالة عدم الغفلة في الحسيات، والملاك فيه أيضاً الكاشفية النوعية بملاحظة قلة كون المتكلم في مقام الإبهام والإجمال وغلبة كونه في مقام البيان؟
[1]بحوث في علم الأصول ج:3 ص:418.
[2]بحوث في علم الأصول ج:4 ص:269.
نعم إذا ثبت ظهور حال كل متكلم في كونه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه تعين الالتزام بكون هذا الظهور هو الأساس في الأصل المذكور، وعلى كل حال فهو ينقح موضوع أصالة الظهور في الإطلاق، أي يحرز به كون المتكلم في مقام البيان الذي لا بد منه ـ كما مرّ ـ في انعقاد ظهور كلامه في الإطلاق.
(المورد الثالث): ما المقصود بكون المتكلم في مقام البيان من جهة وعدم كونه في مقام البيان من جهة أخرى؟ ومتى يكون ذلك وما هو ضابطه؟
وينبغي أولاً استعراض جملة من الأمثلة المذكورة في كلمات الأعلام (قدّس الله أسرارهم) فأقول ..
1 ـ قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)[1]تعقيباً على الاستدلال بإطلاق ما دل على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام لنفي اعتبار تأخره عنه: (إنه وارد في مقام حكم آخر ولا نسلم أن المقام مقام البيان من جهة تساوي الموقف، كما لا يكون مقام البيان من جهة عدم العلو وعدم الحائل وعدم البعد ونحو ذلك).
2 ـ وقال المحقق الهمداني (قدس سره)[2]في تقريب المنع من الاستدلال بإطلاق الأخبار الواردة في حصر نواقض الوضوء في البول والغائط ونحوهما على ناقضية ما يخرج منها من غير المخرج الطبيعي ما نصه: (لمانع أن يمنع ظهور الأخبار المتقدمة في إرادة الإطلاق، بادعاء ورودها في مقام بيان حكم آخر وهو حصر النواقض في هذه الأشياء لا كون هذه الأشياء ناقضة على الإطلاق، فلا يجوز الأخذ بإطلاقها من هذه الجهة، لأن من
[1]كتاب الصلاة ج:2 ص:351 (بتصرف يسير).
[2]مصباح الفقيه ج:2 ص:15.
شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون مسوقاً لبيان حكم آخر) ولكنه ادعى لاحقاً ظهور تلك الأخبار في كون المراد بها بيان ناقضية الأشياء المذكورة فيها وعدم ناقضية غيرها.
3 ـ وقال المحقق النائيني (قدس سره)[1]: (إن من شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون الحكم في مقام أصل التشريع .. وأن لا يكون وارداً مورد حكم آخر كقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)فإنه مسوق لحلية ما اصطاده الكلب المعلَم فلا يمكن التمسك بإطلاقه للحكم بطهارة محل عضه).
ومرّ أن التمثيل بالآية المباركة للمقام قد ذكر في كلام من سبقه، كما ورد في كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) في أصوله وفقهه[2]وكذلك العديد من الأعلام المتأخرين.
4 ـ وقال السيد الأستاذ (قدس سره)[3]: إنه يمكن الاستدلال على نجاسة الدم على إطلاقه بقوله7في موثقة عمار:«كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب». ثم قال: (وقد يقال: الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقها .. ويدفعه أنها إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات .. وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان يتنجس بالملاقاة .. وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره .. وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للإنكار، ولا نرى مانعاً من
[1]منية الطالب في شرح المكاسب ج:1 ص:358.
[2]محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:367. التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:9.
[3]التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:7ــ9.
التمسك بإطلاقها، وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من أن الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهة أخرى لا يمكن التمسك بإطلاقها إلا من الناحية التي وردت لبيانها كما في قوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)، حيث يجوز التمسك بإطلاقه في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود وإن مات قبل دركه، لأنه ورد لبيان أن إمساكه تذكية للصيد، وكأنه استثناء من قوله تعالى:(إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ)، ولا يسوغ التمسك بإطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة أخرى حتى يحكم بجواز أكله من غير غسل، لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة. وذلك لأن الموثقة سيقت لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسك بإطلاقه، ويكفينا ذلك في الحكم بنجاسته وإن لم يكن في البين دليل آخر).
5 ـ وقال (قدس سره)[1]في الجواب عمن استدل بما ورد في النصوص من عدم البأس بالبول في الماء الجاري على عدم انفعاله بالنجاسة وإن كان قليلاً ما نصه: (فيه: منع الدلالة لأنها ليست في مقام البيان من جهة انفعال الجاري وعدمه بل في مقام بيان حكم البول في الجاري من حيث الكراهة وعدمها، فلا تعارض ما دل على اشتراط الكرية في اعتصام الماء).
6 ـ وقال (قدس سره)[2]في مناقشة الاستدلال بقوله7:«كل شيء يراه المطر فقد طهر»على عدم لزوم التعفير بالتراب في التطهير بماء المطر ما نصه: (إن الظاهر أنه يكون في مقام البيان من جهة خاصة غير ما نحن فيه، وهي كفاية مجرد إصابة المطر في طهارة ما أصابه من دون حاجة إلى الغسل المعتبر فيه انفصال الغسالة أو العصر .. وليس في مقام بيان سقوط مطهر
[1]فقه الشيعة (كتاب الطهارة) ج:1 ص:104.
[2]فقه الشيعة (كتاب الطهارة) ج:5 ص:135.