(المورد الثاني): إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه أو في مقام الإجمال والإبهام، فلا شك في أن بناء العقلاء قائم على كونه في مقام البيان وبالتالي انعقاد الإطلاق لكلامه، ولكن هل ذلك لأصل عقلائي مستقل برأسه أو من جهة ظهور حال كل متكلم في أنه بصدد بيان تمام مرامه بكلامه؟ فيه وجهان.
ربما يلوح الأول من كلام المحقق النائيني (قدس سره) وغيره. ولكن ناقش فيه بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]بأنه لا يوجد في المقام أصل عقلائي تعبدي، بأن يكون العقلاء قد تبانوا على حمل كلام المتكلم على أنه صادر في مقام البيان بحيث يكون كل كلام حجة تعبداً على أن صاحبه في مقام بيان تمام مرامه، بل ليس تباني العقلاء على الحمل المذكور إلا صغرى من صغريات أصالة الظهور.
ويلاحظ على ما أفاده (قدس سره) بأنه يمكن أن لا يراد بالأصل العقلائي عند القائل به ما يكون مبنياً على التعبد المحض ـ ليقال: إنه ليس للعقلاء تعبدات عملية بل أصولهم اللفظية كلها بملاك الكاشفية النوعية ـ بل يراد به ما يكون مبنياً على ضرب من الكاشفية، نظير أصالة عدم القرينة المتصلة إذا كان احتمالها ناشئاً من احتمال خطأ الراوي وغفلته عن نقلها، حيث يبني (قدس سره)[2]على أنها بملاك الكاشفية النوعية ولذلك ينقح بها موضوع أصالة الظهور. فما المانع هنا من الالتزام بأن أصالة كون المتكلم في مقام البيان لا الإجمال أصل عقلائي مثل أصالة عدم الغفلة في الحسيات، والملاك فيه أيضاً الكاشفية النوعية بملاحظة قلة كون المتكلم في مقام الإبهام والإجمال وغلبة كونه في مقام البيان؟
[1]بحوث في علم الأصول ج:3 ص:418.
[2]بحوث في علم الأصول ج:4 ص:269.
نعم إذا ثبت ظهور حال كل متكلم في كونه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه تعين الالتزام بكون هذا الظهور هو الأساس في الأصل المذكور، وعلى كل حال فهو ينقح موضوع أصالة الظهور في الإطلاق، أي يحرز به كون المتكلم في مقام البيان الذي لا بد منه ـ كما مرّ ـ في انعقاد ظهور كلامه في الإطلاق.
(المورد الثالث): ما المقصود بكون المتكلم في مقام البيان من جهة وعدم كونه في مقام البيان من جهة أخرى؟ ومتى يكون ذلك وما هو ضابطه؟
وينبغي أولاً استعراض جملة من الأمثلة المذكورة في كلمات الأعلام (قدّس الله أسرارهم) فأقول ..
1 ـ قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)[1]تعقيباً على الاستدلال بإطلاق ما دل على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام لنفي اعتبار تأخره عنه: (إنه وارد في مقام حكم آخر ولا نسلم أن المقام مقام البيان من جهة تساوي الموقف، كما لا يكون مقام البيان من جهة عدم العلو وعدم الحائل وعدم البعد ونحو ذلك).
2 ـ وقال المحقق الهمداني (قدس سره)[2]في تقريب المنع من الاستدلال بإطلاق الأخبار الواردة في حصر نواقض الوضوء في البول والغائط ونحوهما على ناقضية ما يخرج منها من غير المخرج الطبيعي ما نصه: (لمانع أن يمنع ظهور الأخبار المتقدمة في إرادة الإطلاق، بادعاء ورودها في مقام بيان حكم آخر وهو حصر النواقض في هذه الأشياء لا كون هذه الأشياء ناقضة على الإطلاق، فلا يجوز الأخذ بإطلاقها من هذه الجهة، لأن من
[1]كتاب الصلاة ج:2 ص:351 (بتصرف يسير).
[2]مصباح الفقيه ج:2 ص:15.
شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون مسوقاً لبيان حكم آخر) ولكنه ادعى لاحقاً ظهور تلك الأخبار في كون المراد بها بيان ناقضية الأشياء المذكورة فيها وعدم ناقضية غيرها.
3 ـ وقال المحقق النائيني (قدس سره)[1]: (إن من شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون الحكم في مقام أصل التشريع .. وأن لا يكون وارداً مورد حكم آخر كقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)فإنه مسوق لحلية ما اصطاده الكلب المعلَم فلا يمكن التمسك بإطلاقه للحكم بطهارة محل عضه).
ومرّ أن التمثيل بالآية المباركة للمقام قد ذكر في كلام من سبقه، كما ورد في كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) في أصوله وفقهه[2]وكذلك العديد من الأعلام المتأخرين.
4 ـ وقال السيد الأستاذ (قدس سره)[3]: إنه يمكن الاستدلال على نجاسة الدم على إطلاقه بقوله7في موثقة عمار:«كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضأ منه ولا تشرب». ثم قال: (وقد يقال: الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقها .. ويدفعه أنها إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات .. وإما أنها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وإن كان يتنجس بالملاقاة .. وإما أنها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصاً في أدلة اعتباره .. وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للإنكار، ولا نرى مانعاً من
[1]منية الطالب في شرح المكاسب ج:1 ص:358.
[2]محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:367. التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:9.
[3]التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:2 ص:7ــ9.
التمسك بإطلاقها، وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من أن الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهة أخرى لا يمكن التمسك بإطلاقها إلا من الناحية التي وردت لبيانها كما في قوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)، حيث يجوز التمسك بإطلاقه في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود وإن مات قبل دركه، لأنه ورد لبيان أن إمساكه تذكية للصيد، وكأنه استثناء من قوله تعالى:(إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ)، ولا يسوغ التمسك بإطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة أخرى حتى يحكم بجواز أكله من غير غسل، لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة. وذلك لأن الموثقة سيقت لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسك بإطلاقه، ويكفينا ذلك في الحكم بنجاسته وإن لم يكن في البين دليل آخر).
5 ـ وقال (قدس سره)[1]في الجواب عمن استدل بما ورد في النصوص من عدم البأس بالبول في الماء الجاري على عدم انفعاله بالنجاسة وإن كان قليلاً ما نصه: (فيه: منع الدلالة لأنها ليست في مقام البيان من جهة انفعال الجاري وعدمه بل في مقام بيان حكم البول في الجاري من حيث الكراهة وعدمها، فلا تعارض ما دل على اشتراط الكرية في اعتصام الماء).
6 ـ وقال (قدس سره)[2]في مناقشة الاستدلال بقوله7:«كل شيء يراه المطر فقد طهر»على عدم لزوم التعفير بالتراب في التطهير بماء المطر ما نصه: (إن الظاهر أنه يكون في مقام البيان من جهة خاصة غير ما نحن فيه، وهي كفاية مجرد إصابة المطر في طهارة ما أصابه من دون حاجة إلى الغسل المعتبر فيه انفصال الغسالة أو العصر .. وليس في مقام بيان سقوط مطهر
[1]فقه الشيعة (كتاب الطهارة) ج:1 ص:104.
[2]فقه الشيعة (كتاب الطهارة) ج:5 ص:135.
آخر كالتعفير في ما يعتبر في طهارته ذلك كآنية الولوغ).
7 ـ وقال (قدس سره)[1]أيضاً: إن (قوله7:«لا بأس بالصلاة في دم إذا كان أقل من درهم»إنما هو في مقام البيان من جهة أن هذا المقدار من الدم غير مانع من ناحية النجاسة، حيث إن المتفاهم العرفي كون هذا استثناءً من مانعية الدم من هذه الناحية، ولا يكون في مقام البيان من جهة أخرى ـ وهي كونه من دم المأكول أو غير المأكول ـ وعليه فإذا شك في صحة الصلاة فيه وعدم صحتها لم يجز التمسك بإطلاق الرواية، لعدم كون إطلاقها ناظراً إلى هذه الناحية).
8 ـ وقال بعض الأعلام (طاب ثراه)[2]في مناقشة الاستدلال بإطلاق كلمة (الجيفة) في رواية حريز: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب) على نجاسة كل جيفة حتى الجنين الذي لم تلجه الروح ما نصه: (إن هذه الرواية ليست مسوقة لبيان نجاسة الميتة، وإنما هي مسوقة لبيان حكم آخر هو اعتصام الماء وعدم انفعاله إلا بالتغير، فلا يكون في مقام البيان من ناحية النجاسة ليتمسك بإطلاقها، ولذا عبر بالجيفة وهو عنوان كما ينطبق على الميتة ينطبق على المذكى الطاهر أيضاً).
9 ـ وقال (قدس سره) أيضاً[3]في ردّ من استدل بروايات السؤر على نجاسة المضاف الكثير الملاقي للنجاسة ما نصه: (وبعض أخبار السؤر ليس في مقام بيان انفعال السؤر ليتمسك بإطلاقه وإنما هو في مقام بيان حكم آخر، كرواية علي بن جعفر قال: سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟
[1]محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:367. ولا يخفى أنه لا يوجد نص عن المعصوم7باللفظ المذكور، بل بما يقربه مضموناً، فليلاحظ وسائل الشيعة ج:3 ص:429.
[2]بحوث في شرح العروة الوثقى ج:3 ص:152.
[3]بحوث في شرح العروة الوثقى ج:1 ص:104.
قال:«يغسل سبع مرات»، فإن الظاهر من السؤال المفروغية عن الانفعال، وإنما السؤال عن تشخيص الوظيفة تجاه الإناء وكيفية تطهيره، فلا يكون الجواب في مقام البيان من ناحية أصل الحكم بالانفعال ليتمسك بإطلاقه).
10 ـ ويظهر من بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]أن من أمثلة المقام ما لو قال: (أكرم العالم) وأحرز أنه في مقام البيان من جهة العدالة والفسق وشك فيه من جهة السيادة وعدمها.
ويظهر من آخر (قدس سره)[2]أن من أمثلة المقام ما ورد من الأمر بتغسيل الموتى إذا أحرز كونه في مقام البيان من جهة كون الميت ذكراً أو أنثى ـ مثلاً ـ وشك في كونه في مقام البيان من جهة الشمول للميت القاتل لنفسه وعدمه.
هذه جملة من الأمثلة المذكورة للمقام في كلمات الأعلام (قدّس الله أسرارهم)، ولكن الظاهر أنها ليست على نسق واحد، بل على أقسام..
القسم الأول: أن يكون المتكلم في مقام بيان حكم مع كون لفظه صالحاً للاستخدام في بيان حكم آخر، لا في بيان كلا الحكمين معاً إلا على سبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
ومن هذا القسم ما مرّ برقم (3) من قوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)، فإنه ورد في مقام بيان أن ما يصطاده الكلب المعلم مذكى وإن زهقت روحه قبل الوصول إليه ـ بقرينة قوله تعالى في الآية السابقة:(إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ)ـ ولكن التعبير المذكور يصلح أيضاً للاستخدام في إفادة عدم
[1]منتقى الأصول ج:3 ص:442.
[2]دروس في مسائل علم الأصول ج:3 ص:355.
تنجس موضع الإمساك بلعاب فم الكلب.
وأما القول بأنه يمكن أن يستفاد منه الحكم الثاني بالبناء على كونه مسوقاً لإفادة الحكم الأول مع فرض الإطلاق له بلحاظ غسل موضع الإمساك وعدمه ـ كما يوهمه كلام الشيخ (قدس سره)[1]ـ فهو بعيد عن الصواب جداً، لأن المفروض كون الكلام مسوقاً لإفادة الحكم الوضعي وهو التذكية الذي لا علاقة له بغسل موضع الإمساك وعدمه، فلا معنى لفرض كونه مطلقاً من هذه الجهة ودالاً بذلك على طهارة موضع الإمساك، وإنما يمكن ذلك فيما إذا كان المراد الجدي من الكلام المذكور مطابقاً للمراد الاستعمالي منه، أي أنه كان مسوقاً لإفادة الجواز التكليفي المحض فيدعى أن مقتضى إطلاقه عدم لزوم غسل موضع الإمساك في جواز الأكل، ولكن من الواضح أن الآية المباركة مسوقة لبيان الحكم الوضعي وهو التذكية.
ومن قبيل القسم المذكور أيضاً ما تقدم برقم (5) مما دل على أنه لا بأس بالبول في الماء الجاري، فإنه مسوق لبيان عدم كراهة التبول فيه بخلاف الماء الراكد، وإن كان لفظه صالحاً للاستخدام لإفادة عدم انفعال الماء الجاري بالبول.
ويختلف هذا المثال عن سابقه بأنه لا مانع فيه من البناء على إطلاق الكلام من حيث كون الماء كراً أو لا، ويكون مقتضاه عدم ثبوت الكراهة للتبول فيه على التقديرين، وأما المثال السابق فقد مرّ أنه لا معنى للإطلاق فيه من حيث غسل موضع الإمساك وعدمه لعدم تعلقه بالتذكية على التقديرين.
ويلحق بهذا القسم ما مرّ برقم (7) من النص الدال على جواز
[1]الخلاف ج:6 ص:12.
الصلاة في الثوب المتنجس بالدم إذا لم يزد على مقدار الدرهم، بناءً على كونه مسوقاً للإرشاد إلى عدم مانعية نجاسة الدم بالمقدار المذكور في الصلاة، ويمكن البناء عندئذٍ على إطلاقه لما إذا كان الدم من أجزاء الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، ومقتضاه عدم المانعية لنجاسته كغيره من الدم النجس، ولذلك لو صلى فيه ناسياً لم تلزمه الإعادة ـ بخلاف سائر النجاسة غير المعفي عنها ـ وليس مقتضاه عدم مانعيته مطلقاً، أي ولو من حيث كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه من الحيوان.
ومهما يكن فإنه ينبغي البناء على خروج هذا القسم عما هو مورد البحث من كون الكلام مسوقاً للبيان من جهة دون جهة أخرى، لأن المفروض فيه أن الجهة الثانية حكم آخر لا يستفاد من الكلام أصلاً، لا أنه يستفاد منه ولكن لما لم يكن المتكلم في مقام البيان بالنسبة إليه بل في مقام الإجمال لم ينعقد الإطلاق لكلامه في ما يتعلق به، فليتدبر.
القسم الثاني: أن يكون المتكلم في مقام بيان حكم وكان إطلاقه بالنسبة إلى بعض الأفراد مستلزماً لرفع اليد عن حكم ثابت آخر والتقييد في إطلاق دليله.
ومن هذا القسم ما مرّ برقم (1) من النص الدال على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام، فإن مقتضى البناء على إطلاقه من حيث كون موقف المأموم مساوياً لموقف الإمام وعدمه هو رفع اليد عن إطلاق ما دل على أن المأموم يقف متأخراً عن الإمام.
ومن هذا القسم أيضاً ما تقدم برقم (6) من النص الدال على طهارة ما يصيبه المطر إذا بني على كونه مسوقاً لبيان مطهريته لما يصيبه من الأعيان المتنجسة ـ لا الإرشاد إلى عدم اعتبار انفصال الغسالة والورود ونحوهما في الغسل به ـ فإن مقتضى البناء على إطلاقه من حيث كون ما