بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 69

وجوه أخرى في الانتصار لاتحاد الآفاق

(الوجه الأول): ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره)[1]من أنه يشهد على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية ما ورد في عدة روايات في كيفية صلاة عيدي الأضحى والفطر وما يقال فيها من التكبير من قوله7في جملة تلك التكبيرات:«أسالك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً»، فإن الظاهر أن المشار إليه في قوله: (في هذا اليوم) هو يوم معين خاص جعله الله تعالى عيداً للمسلمين، لا أنه كل يوم ينطبق عليه أنه يوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار في رؤية الهلال باختلاف آفاقها. ومن ناحية أخرى أنه تعالى جعل هذا اليوم عيداً للمسلمين كلهم لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد. فالنتيجة على ضوئهما أن يوم العيد يوم واحد لجميع أهل البقاع والأمصار على اختلافها في الآفاق والمطالع.

ويدل أيضاً على ما ذكرناه الآية الكريمة الظاهرة في أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقها، ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة وهذه الليلة الواحدة هي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم، ومن المعلوم أن تفريق كل أمر حكيم فيها لا يخص بقعة معينة من بقاع الأرض بل يعم أهل البقاع أجمع.

ومن ناحية أخرى فقد ورد في عدة من الروايات أنه في ليلة القدر تكتب المنايا والبلايا والأرزاق وفيها يفرق كل أمر حكيم، ومن الواضح أن كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة إنما تكون لجميع أهل العالم لا لأهل بقعة خاصة.

[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:283.


صفحه 70

فالنتيجة على ضوئهما: أن ليلة القدر ليلة واحدة لأهل الأرض جميعاً لا أن لكل بقعة ليلة خاصة.

وقد أجاب سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[1]عن هذا البيان: (بأن الوحدة الشخصية ليوم العيد ولليلة القدر لا تتحقق حتى على مسلكه (قدس سره) ، لأنه اختار لاحقاً ـ كما سيأتي ـ أن خصوص البلاد التي تشترك مع بلد الرؤية في جزء من الليل تشترك معه في أول الشهر، وأما البلاد الأخرى فيكون أول الشهر فيها في اليوم التالي، فكيف يقول (قدس سره) بأن يوم العيد يوم معين لجميع المسلمين، وكذلك ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في الآفاق؟!

وبالجملة: لا محيص من الالتزام بأن وحدة يوم العيد وليلة القدر إنما هي وحدة نوعية وليست وحدة شخصية).

ولكن الملاحظ أن السيد الأستاذ (رضوان الله عليه) قد ذكر في ما أجاب به عن بعض إشكالات أحد تلامذته في مسألة الهلال[2]أن مقصوده بكون ليلة القدر واحدة هو أنها الليلة التي تبدأ من حين غروب شمس اليوم الثاني والعشرين ـ مثلاً ـ في أول مكان يرى فيه الهلال وتستمر إلى أربع وعشرين ساعة، وكذلك مقصوده بكون يوم العيد واحداً هو أنه النهار الذي يكون بعد ليلة العيد ويستمر إلى أربع وعشرين ساعة.

وعلى هذا فليلة القدر عنده واحدة بهذا المعنى وكذلك يوم العيد، ولا ينافي ذلك التزامه بأن المناطق الواقعة في نصف الكرة الغربي ـ الذي يكون الزمان فيه نهاراً عند رؤية الهلال أول ما يرى ـ يتأخر دخول الشهر الجديد فيها إلى حلول الليل، أي لا يكون ذلك النهار فيها من الشهر

[1]أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:33.

[2]رؤيت هلال ج:2 ص:861ـ864.


صفحه 71

الجديد بل النهار القادم بعده، والوجه في عدم المنافاة هو أن ليلة النهار القادم في هذا النصف من الكرة تكون متصلة بالليلة التي رئي فيها الهلال في النصف الآخر الشرقي ومجموعهما يبلغ أربعاً وعشرين ساعة وهي ليلة القدر عنده (قدس سره) .

ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه ولا يفي بدفع الإشكال ..

أولاً: من جهة أن مثل هذا يأتي بناءً على القول باختلاف الآفاق أيضاً[1]، فإنه إذا رئي الهلال في العراق في ليلة السبت ـ مثلاً ـ ولم ير في بلاد الهند تكون ليلة الأحد هي ليلة أول الشهر فيها، وتكون متصلة بليلة السبت لا محالة، أي أن ليلة الرؤية تحل بعد العراق على المناطق التي تقع في الغرب منه في القارة الإفريقية ثم المحيط الأطلسي ثم أمريكا ثم المحيط الهادي ثم استراليا وشرق آسيا إلى أن تصل إلى بلاد الهند، ومن المعلوم أنها تكون من ليلتين من ليالي الأسبوع أي السبت والأحد، كما هو الحال بناءً على القول بوحدة الآفاق، لأن أربعاً وعشرين ساعة من الليل لا تكون من ليلة واحدة بل من ليلتين، فوحدة ليلة القدر بهذا المعنى أمر

[1]هذا إنما يتم على إطلاقه فيما إذا التزم بأن رؤية الهلال في مكان تستلزم إمكانية رؤيته في المناطق الواقعة في غربه كما عليه السيد الأستاذ (قدس سره) (مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:116 ط:نجف)، وأما إذا لم يلتزم بذلك فلا يتم ما ذكر على إطلاقه. مثلاً: إذا رئي الهلال في العراق في ليلة السبت ولم ير في الهند ولا في فرنسا فكان أول الشهر فيهما ليلة الأحد اقتضى ذلك أن تزيد ليلة القدر على الأربع والعشرين ساعة كما لا يخفى.

ولكن يمكن أن يقال: إنه إذا كان المراد بالليل في مقابل النهار هو السواد والظلام في مقابل البياض والضياء لا خصوص ما يكون منه في الأربع والعشرين ساعة ـ كما يبتني عليه كلام السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فلا مانع من البناء على امتداد ليلة القدر في الحالة المذكورة لأزيد من أربع وعشرين ساعة ولا تكون إلا ليلة واحدة لأن الاتصال الوحداني يساوق الوحدة الشخصية.


صفحه 72

مشترك بين القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها، فكيف استدل (قدس سره) بها على القول الأول؟

وثانياً: إن هذه الليلة ذات الأربع والعشرين ساعة ليست هي المراد بليلة القدر المذكورة في القرآن المجيد، لأن لليلة القدر فجراً كما ورد في الآية الكريمة:(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)، وليس لليلة المذكورة فجر بل هي تتواصل ما دامت الكرة الأرضية تدور حول نفسها باتجاه الشمس، وأما الليلة التي لها فجر فهي الليلة التي تلاحظ بالنسبة إلى كل مكانٍ مكانٍ من أمكنة الأرض.

وكذلك الحال بالنسبة إلى يوم العيد، فإن ليوم العيد زوالاً، والنهار الذي يفترضه (قدس سره) أربعاً وعشرين ساعة مما ليس له زوال، وإنما يكون الزوال للنهار إذا لوحظ بالنسبة إلى كل بقعة بقعة من بقاع الأرض.

وبالجملة: إن ما ذكره (قدس سره) ليس بتام في حدِّ ذاته، ولا يفي بالتفريق بين القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها.

(الوجه الثاني): ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره)[1]أيضاً من أن سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، وعدم ورود ذلك حتى في رواية ضعيفة يدل على عدم اعتبار ذلك.

ونحوه ما قيل[2]: من (إن السكوت العام الحاكم على روايات الرؤية البالغة من الكثرة حدّ التواتر الإجمالي الواردة في مختلف الموارد والحالات بمختلف الألسنة عن الإشارة إلى اختلاف البلدان في الأفق أو تقاربها فيه يؤكد أن بداية الشهر القمري واحدة لجميع بقاع الأرض، وإلا لكان اللازم الإشارة فيها إلى حدود اختلاف البلدان في الأفق وعدم ثبوت

[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:283.

[2]تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:5 ص:199.


صفحه 73

الهلال في بلد إذا كان مختلفاً مع بلد الرؤية فيه، مع أنه ليست في شيء منها الإشارة إلى ذلك لا تصريحاً ولا تلويحاً، وهذا قرينة تؤكد على أن الشهر القمري الشرعي شهر واحد لكل البلدان على وجه الأرض).

أقول: سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أن هناك روايات يمكن أن يستفاد منها عدم اتحاد الآفاق في بداية الأشهر القمرية، بالإضافة إلى بعض الشواهد الأخرى، ولكن مع غض النظر عن الجميع فبالإمكان أن يقال: إن المسائل التي يتوقع التعرض لها في ما وصل إلينا من الروايات هي خصوص التي كانت من المسائل المطروحة للبحث والنقاش في الأوساط العلمية بصورة موسعة في عهد الصادقين8، أو كانت من المسائل الابتلائية للمؤمنين على نطاق واسع في ذلك العصر، والمسألة المبحوث عنها ـ أي هل تكفي رؤية الهلال في بلد لدخول الشهر في غيره من البلدان وإن كانت بعيدة عنه جداً ـ مما لم يظهر كونها من أي من القسمين المذكورين.

وتوضيح الحال: أن عمدة ما يمكن الاستعانة به للتحقق من كون مسألة ما مطروحة للبحث والمناقشة في عصرهم:هو ما يرد في كلمات الجمهور من اختلاف الأقوال فيها بين الصحابة أو التابعين أو الفقهاء في ذلك العصر، وقد نسب في بعض المصادر[1]إلى عائشة أنها قالت في اختلاف البلدان في رؤية الهلال: (فطر كل بلدة يوم يفطر جماعتهم، وأضحى كل بلدة يوم يضحي جماعتهم).

ولكن الظاهر أن الأصل فيه هو ما روي عنها أنها قالت[2]: قال رسول الله6:«الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي

____________

(1) الاختيار لتعليل المختار ج:1 ص:138.

(2) سنن الترمذي ج:1 ص:148.


صفحه 74

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 75

فالإنصاف أن دلالة الرواية لا بأس بها، ولكن يمكن أن يقال: إنه مما يصعب التصديق بصحتها، لأن الذي يظهر بملاحظة الخرائط الفلكية التي تبيّن أوضاع الأهلة في المدة التي كان معاوية متسلطاً فيها على الشام أنه لم يكن هلال رمضان قابلاً فيه للرؤية في ليلة الجمعة إلا وهو قابل للرؤية بصورة أوضح في المدينة المنورة في الليلة نفسها، فلا محل لقول ابن عباس: (ولكنا رأيناه ليلة السبت) إلا إذا كانت ليلة الجمعة مغيمة في المدينة ولم تتم الإشارة إلى ذلك في الخبر، فليتأمل.

هذا ومرّ في بداية البحث عن هذه المسألة ـ عند نقل أقوال العامة ـ أنه نسب إلى عكرمة مولى ابن عباس وإلى القاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر وهما من الفقهاء السبعة في المدينة المنورة ـ والجميع ماتوا في أوائل المائة الثانية ـ أنهم قالوا: لا تلزم الرؤية في بلد غير أهل بلد الرؤية. ومرّ أيضاً اختلاف النقل في ذلك عن أبي حنيفة ومالك، وكل ذلك يشير إلى أن هذه المسألة كانت مثارة في الأوساط العلمية في عصر الصادقين8ولكن لم يعلم أن موردها كان هو الأعم من الاعتداد بالرؤية في البلاد البعيدة، وعلى تقدير كون موردها ذلك فإنه لم يتأكد كونها مطروحة بصورة موسعة واحتدام الجدل بشأنها بين فقهاء ذلك العصر حتى يقتضي تمثّل ذلك في بعض الروايات الواصلة إلينا من خلال طرح السؤال عنها على الصادق7ـ مثلاً ـ بل لعل أقصى ما كان في ذلك العصر هو ذهاب فقهائهم ـ حتى أبي حنيفة ومالك ـ إلى أن رؤية كل بلد تلزم أهل ذلك البلد، ثم في عصر متأخر وقع الاختلاف والجدل في ذلك وبرز آخرون كتلميذي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد بن الحسن وكالشافعي وابن حنبل قالوا بكفاية الرؤية في غير بلد المكلف كما مرّ النقل عنهم، ثم تعاظم الاختلاف بين أتباعهم وبرز التفصيل بين البلاد


صفحه 76

المتقاربة والمتباعدة، فانقسم أتباع كل من أبي حنيفة ومالك والشافعي بل وحتى أتباع ابن حنبل إلى قسمين: فمنهم من قال بأن لكل بلد حكمه إلا في البلدان المتقاربة فحكم الجميع واحد، ومنهم من قال بالاتحاد حتى في البلدان المتباعدة.

وملخص القول: أن معظم الروايات الواصلة إلينا لما كانت عن الإمامين الباقر والصادق8ولا سيما الأخير فإنه إنما يتوقع التعرض في البعض منها للاختلاف في وحدة الآفاق المتباعدة وتعددها فيما إذا كانت هذه المسألة موضع نقاش واسع في عصرهما8، ولا شاهد واضح على ذلك، بل لعل المناقشات فيها إنما حصلت في عصر متأخر فلا يستغرب خلو ما بأيدينا من الروايات عن التعرض لذلك.

هذا في ما يتعلق بعدم التأكد من كون هذه المسألة موضع بحث وجدل واسعين في الأوساط العلمية في عصر الصادقين8، وأما عدم كونها من المسائل الابتلائية للمؤمنين على نطاق واسع في ذلك العصر وما بعده فلأن من يلاحظ الخرائط الفلكية التي تبيّن أوضاع الأهلة في عصر المعصومين:يجد أنه قلما كان يقع الاختلاف في إمكانية رؤية الهلال بين الأماكن الرئيسة التي كان يسكنها شيعة أهل البيت:من الكوفة والبصرة وبغداد وقم والمدينة المنورة ونحوها، وأما الأماكن البعيدة كخراسان والشام ومصر ونحوها فلم يكن فيها إلا القليل جداً من أتباعهم:، وكان التواصل بين تلك الأماكن وأماكن سكنى سائر الشيعة مما لا يتم إلا في فترات متباعدة، ولا يتوقع في مثل ذلك وصول أخبار الاختلاف في أول شهر رمضان أو شهر شوال إلى المكان الآخر بصورة مستمرة وواسعة بحيث يستدعي طرح الأمر على الأئمة:.

وبالجملة: عدم تمثل اختلاف الآفاق في رؤية الهلال في أسئلة الرواة