يمكن أن يعزى إلى قلة الابتلاء بذلك في عصرهم، وأما عدم تنبيههم:ابتداءً على اختلاف الآفاق المتباعدة في بداية الأشهر القمرية فيمكن أن يعزى أيضاً إلى مثل ذلك، مضافاً إلى احتمال أن الناس كانوا آنذاك لا يعتدون بأخبار الرؤية في البلاد البعيدة جداً بارتكاز أن العبرة بالرؤية في مناطقهم كما في طلوع الشمس وغروبها، فلم تكن حاجة إلى التنبيه على ما ذكر.
والحاصل: أنه لا يمكن أن يجعل خلو الروايات عن التعرض لهذه المسألة دليلاً على صحة القول بوحدة الآفاق، بل لو جعل شاهداً على خلاف ذلك في الجملة وأنه لا يكتفى بالرؤية في البلاد البعيدة جداً كان أوجه، إذ الاكتفاء بالرؤية للكوفة ـ مثلاً ـ ولو في الشام أو مصر أو الأندلس أو خراسان ونحوها هو الذي يحتاج إلى بيان، إذ يستبعد جداً أنه كان أمراً واضحاً لدى الناس في ذلك العصر.
بل يشهد على خلافه ما تقدم من دلالة مكاتبة أبي عمرو على أنه كان يرى أنه لو صح قول الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر وأفريقية والأندلس بالرغم من عدم تيسر رؤيته في العراق فلا بد أن يختلف الفرض على أهل الأنصار.
والحاصل: أن هذا الوجه الثاني الذي ذكر دليلاً أو شاهداً للقول بوحدة الآفاق مما لا يمكن المساعدة عليه أيضاً.
(الوجه الثالث): ما قيل[1]من أن مقتضى إطلاق الأخبار المستفيضة الدالة على أن شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها من الزيادة والنقصان هو أن شهر رمضان في جميع البلاد واحد كوحدة سائر الشهور فيها فإما أن يكون تسعة وعشرين في الجميع أو ثلاثين يوماً كذلك، لا أن
[1]مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام ج:10 ص:272.
يكون تسعة وعشرين يوماً في بعض البلاد وثلاثين في البعض الآخر فإن ذلك خلاف مجموع الأخبار.
وهذا الاستدلال في غاية الضعف ..
أولاً: من جهة أنه ليس في الروايات المشار إليها أي دلالة على أن شهر رمضان في كل سنة لا يكون إلا تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً في جميع البلدان، بل مجرد أنه كسائر شهور السنة قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين في مقابل من زعم أنه لا يكون إلا ثلاثين يوماً.
وثانياً: إن كون شهر رمضان في كل سنة تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً في جميع الأمكنة لا يقتضي اتحاد الآفاق، إذ يجوز أن يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً في مكانين ولكن يتأخر ابتداءً وانتهاءً في أحدهما عن الآخر.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن بعضهم استدل بالأخبار المشار إليها للقول بوحدة الآفاق من وجه آخر، وهو أن لازم القول بالتعدد هو أن يصير شهر رمضان ثمانية وعشرين أو واحد وثلاثين يوماً بالنسبة إلى من ينتقل في أثنائه من مكان إلى مكان آخر يختلفان في رؤية الهلال.
مثلاً: إذا اختلف العراق وأستراليا في بداية شهر رمضان وفي نهايته وكان ناقصاً في كليهما وابتدأ المكلف صيام شهره في المتأخر منهما ابتداءً وانتهى منه في المتقدم انتهاءً يكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً فقط.
ولو كان الشهر تاماً في كليهما وابتدأ المكلف صيامه في المتقدم منهما ابتداءً وأنهاه في المتأخر منهما انتهاءً يكون قد صام واحد وثلاثين يوماً، مع أن النصوص المشار إليها تدل على أن شهر رمضان لا يكون إلا تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً.
وهذا الاستدلال ضعيف أيضاً، فإن هذا المحذور إن تم فإنه يأتي على القول بوحدة الآفاق أيضاً، لأن القائل به يلتزم لا محالة باختلاف بقاع الأرض في أوائل الشهور في الجملة كما سيأتي توضيحه عند استعراض تفاصيل هذا القول.
مع أن ما ذكر ليس محذوراً، لأن الروايات إنما دلت على أن شهر رمضان لا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً ولا يزيد على ثلاثين يوماً في أي بقعة من بقاع الأرض، لا أن المكلف لا يلزمه الصيام أقل من تسعة وعشرين يوماً ولا أزيد من ثلاثين يوماً في شهر رمضان، وبين الأمرين فرق شاسع، وما ذكر لا ينافي الأمر الأول كما هو واضح.
(الوجه الرابع): بعض الأخبار الواردة في رؤية الهلال قبل الزوال كمعتبرة عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير[1]قالا: قال أبو عبد الله7: إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان» . وصحيحة حماد[2]عن أبي عبد الله7قال:«إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة».
ومبنى الاستدلال بهما هو أن مقتضى إطلاق قوله في الأولى: (فذلك اليوم من شوال) كون يوم الرؤية من شوال في أي مكان كان ذلك اليوم، أي إذا رئي في يوم السبت ـ مثلاً ـ فإنه يكون من شوال في أي مكان يعدّ نهاره يوم السبت، وكذلك مقتضى إطلاق قوله في الثانية: (فهو لليلة الماضية) أن تلك الليلة تكون ليلة أول شوال ـ مثلاً ـ في أي مكان كانت، أي إذا رئي قبل زوال السبت ـ مثلاً ـ فإن ليلة السبت في أي مكان
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:176.
[2]الكافي ج:4 ص:78.
تعدّ ليلته ليلة السبت فهي أول الشهر.
ولكن هذا الوجه أيضاً ضعيف جداً، فإنه لا إطلاق للروايتين لغير مكان الرؤية كما هو واضح بأدنى التفات.
(الوجه الخامس): ما قيل[1]من (أن المراد من تقارب البلدين في الأفق وقوعهما في منطقة من الأرض يجعل عدم انفكاك إمكان الرؤية في أحدهما بالذات عن إمكان الرؤية في الآخر كذلك، والمراد من اختلاف البلدين في الأفق وقوع كل منهما في منطقة من الأرض على نحو يجعل الرؤية في أحدهما ممكنة وفي الآخر غير ممكنة بذاتها، هذا كله نظرياً. وأما عملياً فلا يمكن تطبيق هذه النظرية تطبيقاً كاملاً على البلاد الإسلامية ككل، فضلاً عن تمام بقاع الأرض لاختلافها في الأفق على نحو يجعل الرؤية في بعضها ممكنة وفي الآخر غير ممكنة، بل على بلد واحد كإيران ـ مثلاً ـ من شرقه إلى غربه).
وهذا الكلام لم يظهر لي كيف يكون دليلاً على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية؟! فإن أقصى ما يدعيه قائله هو أنه لو بني على اختلاف الآفاق لاقتضى ذلك التفريق بين أبعاض بلد واحد كإيران حيث تكون الرؤية ممكنة في بعضه وغير ممكنة في البعض الآخر. ولكن هل هذا محذور يجب تفادياً عنه الالتزام بأن رؤية الهلال في أستراليا مثلاً تكفي لدخول الشهر في العراق؟
بالإضافة إلى أنه إن كان مقصوده أن هذا مما يلزم في كل شهر فهو غير صحيح فإنه لا يوجد مكانان متباعدان كشرق إيران وغربه يختلفان بصورة دائمة في رؤية الهلال كما هو واضح لمن لاحظ الخرائط الفلكية المبينة لأوضاع الهلال في شهور العام.
[1]تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:5 ص:199.
وإن كان مقصوده أنه وإن كان مما يلزم في بعض الشهور إلا أنه مع ذلك لا يمكن الالتزام به فيرد عليه أن مثله يلزم على القول بوحدة الآفاق أيضاً، بل يلزم بناءً عليه التفريق بين مدينتين متقاربتين بالالتزام بدخول الشهر الجديد في المدينة الغربية لاشتراكها في جزء من الليل مع مكان الرؤية وعدم دخوله في المدينة الشرقية لانقضاء الليل فيها قبل ذلك بعدة دقائق، وهذا ما سيأتي توضيحه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
ومهما يكن فقد ظهر من جميع ما تقدم أنه لا يتم مما استدل به للقول بوحدة الآفاق ما تطمأن إليه النفس دليلاً عليه.
مضافاً إلى أن هناك عدة مبعدات لهذا القول سيأتي التعرض لها إن شاء الله.
ولو فرض تمامية بعض ما استدل به له في حدّ ذاته تتعين ملاحظته مع ما سيأتي من أدلة القول باختلاف الآفاق إن تم شيء منها ثم البحث عن كيفية التعامل معهما، فلينتظر.
تفاصيل القول باتحاد الآفاق
ثم إن هاهنا أمراً، وهو أنه إذا بني على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية استناداً إلى ما تقدم من الروايات، فهل هو على إطلاقه؟ أي إذا رئي هلال رمضان ـ مثلاً ـ بعد غروب الشمس في مكان ما في الكرة الأرضية فهل يحكم بدخول الشهر الفضيل في جميع الأماكن الأخرى في البر والبحر من تلك اللحظة، أو أن في ذلك تفصيلاً؟
والتفاصيل المطروحة في كلماتهم أو ما يمكن طرحه ثلاثة ..
(التفصيل الأول): ما يبدو في النظر من أنه إذا رئي الهلال في مكان ما في ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ كفى في دخول الشهر الجديد في تلك الليلة في
الأماكن الواقعة في غرب مكان الرؤية أو في شماله أو جنوبه مما لا يسبق ليلها ليله، وأما الأماكن التي يسبق ليلها ليله كالتي تقع في الشرق منه فلا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها في تلك الليلة.
والوجه في اشتراط (ألا يسبق ليلها ليله) هو أنه في صورة السبق بأن يحل الغروب فيها قبل حلوله في بلد الرؤية يتوقف الحكم بدخول الشهر الجديد فيها في تلك الليلة على أحد أمرين: إما تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين بأن يحكم بأن بعض ليلة الرؤية في تلك الأماكن يكون من الشهر السابق وبعضها من الشهر اللاحق. وإما البناء على دخول الشهر الجديد من أول تلك الليلة في تلك الأماكن مع عدم كون الهلال آنذاك قابلاً للرؤية في أي مكان من الأرض.
مثلاً: إذا رئي الهلال في موريتانيا عند غروب الشمس من يوم الخميس ـ أي في ليلة الجمعة ـ وكان ذلك في الساعات الأخيرة من الليل في شرق الصين، فإن الحكم بدخول الشهر الجديد فيه ـ أي في شرق الصين ـ في تلك الليلة يقتضي إما البناء على تبعض الليل فيه بأن تكون الساعات الأولى من الليل في شرق الصين من الشهر السابق، وما تبقى من حين رؤية الهلال في موريتانيا من الشهر الجديد، أو البناء على أن تمام الليل في شرق الصين من الشهر الجديد بالرغم من أنه عند غروب الشمس فيه لم يكن الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان في الأرض.
وكلا هذين الأمرين على خلاف ما كان سائداً عند العرب في الجاهلية والإسلام في تحديد الشهور القمرية، أي أنهم كانوا إذا رأوا الهلال عدّوا تلك الليلة بتمامها من الشهر الجديد وإلا لم يعدّوها منه، وأما أن يعدوها بتمامها منه لخروج الهلال عن تحت الشعاع وصيرورته قابلاً للرؤية بعد عدة ساعات في مكان آخر أو يعدّوا بعضاً من تلك الليلة
من الشهر السابق وبعضاً من الشهر الجديد فهذا مما لم يكن شيئاً تعرفه العرب قطعاً.
نعم لا مانع من أن يحكم الشارع المقدس بذلك أي أن يبني على دخول الشهر الجديد في المكان الذي يقع شرق بلد الرؤية من أول الغروب وإن لم يكن الهلال في ذلك الحين قابلاً للرؤية في أي مكان في الأرض، أو يحكم بتبعض الليل فيه بأن يكون بعضه من الشهر السابق وبعضه من الشهر اللاحق، ولكن هذا بحاجة إلى الدليل.
وعلى ذلك أقول: إنه إذا بني على أن معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو تامة الدلالة على القول بوحدة الآفاق وأن الهلال إذا رئي في مصر أو الأندلس أو أفريقيا يكفي في الحكم بدخول الشهر الجديد في العراق مع أن ليل العراق يسبق ليل تلك الأماكن بساعة أو أزيد من ذلك، تكون هذه المعتبرة دليلاً على أن الشارع المقدس قد بنى على دخول الشهر الجديد في ما يقع في شرق مكان الرؤية وفق أحد الوجهين المتقدمين، ولذلك فلا محل للتفصيل المذكور، نعم لا بد من التفصيل بوجه آخر سيتضح مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما إذا بني على الخدش في دلالة المعتبرة والتزم بأن الدليل على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية هو خصوص إطلاق عدد من النصوص عمدتها صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار ونحوهما ـ كما هو ظاهر السيد الأستاذ (قدس سره) حيث استدل بإطلاق تلك النصوص ولم يستدل بمعتبرة محمد بن عيسى ـ فيمكن أن يقال: إنه لا سبيل إلى إثبات أن الشارع المقدس قد حكم بدخول الشهر الجديد في ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية استناداً إلى إطلاق النصوص المشار إليها.
والوجه فيه: أنه لا ينبغي الريب في أن المنساق من تلكم النصوص
أن ما ورد فيها من الحكم بوجوب قضاء يوم لمن صام تسعة وعشرين بقيام البينة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته ليس حكماً تعبدياً صرفاً، بل إنما هو من جهة أنه بثبوت رؤية الهلال في ذلك المصر يثبت سبق شهر رمضان في بلد المكلف قبل الليلة التي رئي الهلال فيها.
وعلى ذلك فلو شملت النصوص المذكورة ما يسبق ليله ليلة بلد الرؤية كالبلاد الواقعة في شرقه فإنما هو من جهة الحكم بدخول الشهر فيها، إما من أول الغروب أو من حين تحقق الرؤية في البلد الغربي.
ولكن يمكن أن يقال: إنه لا سبيل إلى إثبات المعنى المذكور بالإطلاق، وذلك أنه قد مرّ في بحث سابق[1]أنه إذا كان شمول العنوان المأخوذ في لسان الدليل لبعض أفراده بلا عناية وشموله للبعض الآخر يتوقف على عناية معينة وهي إثبات لازم ذلك البعض لم يمكن إثبات ذلك اللازم استناداً إلى الإطلاق إلا إذا كان غالب الأفراد من ذلك القبيل، فإنه عندئذٍ لامحالة يثبت لازمها تجنباً عن حمل المطلق على الفرد النادر.
ولهذا أمثلة متعددة في الفقه ..
منها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنه قد دلت صحيحة علي بن جعفر على أن الرجل إذا صلى وعورته مكشوفة وهو لا يعلم يحكم بصحة صلاته، وهذا بإطلاقه يشمل ما إذا لم يعلم بانكشاف العورة إلى آخر الصلاة، وما إذا علم به في الأثناء ولكن في حالة عدم الانكشاف، كما لو علم في حال القيام أن عورته كانت مكشوفة في حال السجود، وشموله لهذين الفردين بلا عناية زائدة. وأما إذا علم بالانكشاف وهو بعد مكشوف العورة فشمول الاطلاق له واغتفار الإخلال بالستر اللازم في الصلاة جهلاً بالحال يتوقف على إثبات لازمه وهو اغتفار الإخلال بالستر
[1]لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج ج:3 ص:131 ط:2.