الواجب في حال العلم أيضاً بالمقدار الذي لا يمكن التجنب عنه، أي في اللحظات التي تفصل بين الالتفات إلى الانكشاف والمبادرة إلى الستر، وفي هذا عناية زائدة، وليس من شأن الإطلاق إثبات مثله من اللوازم، فلذلك لا يحكم بشمول الصحيحة لهذا المورد.
ومنها: ما تقدم في موضع آخر[1]من أن ما ورد في بعض نصوص الاستطاعة بالبذل من قوله7:«وإن دعاه قوم ليحجوه»لا يشمل ما إذا دعي للحج على خلاف وظيفته الشرعية في حجة الإسلام، كأن كانت وظيفته هي التمتع لكونه نائياً عن مكة المكرمة ولكن دعي لحج الإفراد، لأن شموله له يتوقف على مؤونة زائدة وهي تغير وظيفة النائي من حج التمتع إلى غيره.
وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال في المقام: إنه لما كان شمول صحيحة هشام بن الحكم ونحوها للبلد الذي يدخل الليل فيه قبل دخوله في بلد الرؤية يستلزم مؤونة زائدة وهي تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، أو الحكم بدخول الشهر قبل كون الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان على سطح الكرة الأرضية، وكلا الأمرين على خلاف المرتكزات العرفية، ولا دليل على أي منهما بالخصوص ـ كما سبق ذلك ـ لم يمكن البناء على شمول إطلاق النصوص المذكورة للبلد المذكور[2]، بل يشمل البلدان التي يدخل الليل فيها عند حلوله في بلد الرؤية، أو بعد ذلك سواء الواقعة في شماله أو جنوبه أو في الغرب منه، فيحكم بدخول الشهر الجديد فيها عندما يخيم الليل عليها لا قبل ذلك، أي في أثناء النهار
[1]لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج ج:4 ص:211 ط:2.
[2]قد يقال: إن هذا البيان لا يأتي في صحيحة أبي بصير بناءً على تمامية دلالتها على القول باتحاد الآفاق، لأن شمولها لمختلف البلدان إنما هو بالوضع لا بمقدمات الحكمة، فليتأمل.
كما سيأتي وجهه.
نعم يختص ذلك بالبلدان التي تتحد مع بلد الرؤية في أيام الأسبوع، أي إذا رئي الهلال في ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ في شيلي الواقعة في أمريكا الجنوبية فإنه إنما يحكم بدخول الشهر الجديد في المناطق الواقعة في الغرب من شيلي إذا بني على أن الليل الذي يحل فيها إنما هو ليلة الجمعة أيضاً. وأما إذا بني على أنه ليلة السبت لمرور خط بدء الأيام قبلها فلا مجال للحكم بدخول الشهر فيها إلا أن يرى الهلال فيها أيضاً، لأن ما تدل عليه النصوص المتقدمة هو أن ليلة الشك في بلد المكلف يعدّ من شعبان إلا أن يرى الهلال فيها في البلد نفسه أو في بلد آخر، ومقتضى هذا اشتراط اتحاد ليلة الرؤية في البلدين بحسب أيام الأسبوع، وأما إذا كانت الليلة التي رئي فيها الهلال في بلد هي ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ وليلة الشك في البلد الآخر هي ليلة السبت فلا يستفاد من الروايات المشار إليها كون الأخيرة من الشهر الجديد وإن لم ير الهلال فيها في البلد الآخر، وسيأتي مزيد توضيح لهذا في بحث لاحق.
والحاصل: أنه إن تم إطلاق شيء من النصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق فإنما هو بالنسبة إلى البلدان التي لا يسبق ليلها ليل بلد الرؤية، ويكون الليلان من يوم واحد من أيام الأسبوع.
ويضاف إلى هذا أنه يمكن أن يدعى عدم شموله للبلدان البعيدة جداً التي لم يكن في زمن الأئمة:يصل الخبر برؤية الهلال فيها إلى بلد المكلف كأستراليا ومناطق جنوب أفريقيا بالنسبة إلى سكنة الحجاز والعراق وبلاد فارس.
والوجه فيه: ما تقدمت الإشارة إليه في موضع آخر[1]من أنه ليس من
[1]لاحظ ص:28.
من وظيفة المجيب أن يلاحظ في مقام الإطلاق والتقييد ما لا يكون محلاً للابتلاء في زمانه وإن كان مما يقع محلاً للابتلاء في الأزمنة اللاحقة البعيدة جداً.
يبقى هنا أمر، وهو أنه ورد في ما كتب بأمر السيد الأستاذ (قدس سره) ـ جواباً عن الرسالة الثانية لأحد تلامذته في مناقشة رأيه في مسألة الهلال ـ بعد بيان أن الحكم بوحدة الآفاق إنما هو بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه ما لفظه[1]: (وهذا إن كان مطابقاً مع المرتكزات العرفية بأن فرض أن العرف أيضاً يكتفي في دخول الشهر الجديد أن يخرج الهلال عن تحت الشعاع بنحو قابل للرؤية في نقطة مشتركة معنا في الليل ولو كان المقدار الباقي منه عندنا أقل منه في تلك النقطة، لأن الميزان عنده ـ أي عند العرف ـ وقوع النهار الذي يلي الرؤية بعد خروج الهلال، سواء وقعت ليلته كاملة بعده أم لا، فقد تطابق المستفاد من الروايات مع المرتكزات، وإلا فلا أقل من أن يكون الحكم الشرعي بالصوم بمقتضى الروايات المذكورة منوطاً بذلك.
وعلى كل حال فلا إشكال في عدم وجود ارتكاز معاكس على الخلاف، لكي يتجرأ أن يرفع اليد به عن مقتضى ظهور أدلة الباب المتمثلة في الروايات الخاصة التي استند إليها في اختيار القول بعدم لزوم الاشتراك في الآفاق).
ويظهر من هذه العبارة أن كاتبها يزعم أنه لا ارتكاز عرفي بعدم تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، بل ويدعي أنه لا إشكال في عدم وجود مثل هذا الارتكاز ليرفع اليد به عن إطلاق الروايات التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق.
[1]رؤيت هلال ج:2 ص:898.
ولكن مرّ أن الارتكاز العرفي بذلك ثابت، ويمكن التحقق منه بمراجعة العرف وسؤالهم عما إذا دخل الليل في طوكيو عاصمة اليابان ولم يكن الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان ثم صار قابلاً لها بعد ساعات طويلة في داكار عاصمة السنغال وكان الوقت عندئذٍ قبيل الفجر في طوكيو، فهل يوافق العرف على عدّ تلك الليلة في طوكيو من شهرين؟ أي عدّها من حين غروب الشمس إلى قبيل الفجر من الشهر السابق وعدّ الدقائق المتبقية من الشهر اللاحق؟
لا ينبغي الشك في أن العرف لا يساعد على هذا التبعيض كما لا يساعد على عدّ تلك الليلة كلها في طوكيو من الشهر الجديد بالرغم من عدم قابلية الهلال للرؤية في أولها في أي مكان في الأرض.
وبالجملة: لا سبيل إلى منع ثبوت الارتكاز العرفي المذكور، وهو يمنع من انعقاد الإطلاق للنصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق ليشمل البلاد التي يسبق ليلها ليل بلد الرؤية، لا أن به ترفع اليد عن إطلاق تلكم النصوص كما ورد في العبارة المذكورة.
وأما ما ورد فيها أيضاً من احتمال أن يكون إلحاق سائر البلدان ببلد الرؤية في دخول الشهر الجديد وإن سبق ليلها ليله حكماً تعبدياً مختصاً بباب الصيام فهو في غاية الضعف، لأنه على خلاف المنساق من نصوص الباب بلا إشكال.
والحاصل: أنه إن بني على تمامية دلالة معتبرة محمد بن عيسى على القول بوحدة الآفاق فلا محيص من البناء على أنه لا فرق في إلحاق سائر البلدان ببلد الرؤية في دخول الشهر الجديد بين سبق ليلها ليله وعدمه لأن موردها من قبيل الأول.
وأما إذا بني على عدم تمامية دلالتها على ذلك وكون المستند
الوحيد للقول المذكور هو إطلاق صحيحة هشام بن الحكم وما ماثلها ـ كما يظهر من السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فالمتعين هو البناء على التفصيل بين ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية وغيره، فلا يبنى على دخول الشهر الجديد في ليلة الرؤية في القسم الأول.
(التفصيل الثاني): ما اختاره السيد الأستاذ (قدس سره) والعديد من تلامذته وغيرهم ممن أتوا من بعده، وهو التفصيل بين المناطق التي تشترك مع مكان الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه فيحكم بدخول الشهر الجديد فيها برؤية الهلال في ذلك المكان، وبين الأماكن التي لا تشترك معه في جزء من الليل فلا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها بذلك.
وهذا التفصيل قد حكي[1]أنه مما قرّره أيضاً مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وورد في قراره: (إنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية وإن قل، ويكون اختلاف المطالع معتبراً في الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة).
وتجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ (قدس سره) لم يكن في أوائل تبنيه للقول بوحدة الآفاق يذهب إلى هذا التفصيل، ومن هنا نرى أنه لما ذكر السيد صاحب العروة (قدس سره)[2]: (إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فإن كانا متقاربين كفى، وإلا فلا، إلا إذا علم توافق أفقهما وإن كانا متباعدين) علق على قوله: (وإلا فلا) بقوله (قدس سره) : (لا يبعد الكفاية مطلقاً) كما في الطبعة الأولى من تعليقته الأنيقة على العروة المطبوعة (عام 1375 هـ)، وكذلك في الطبعة الثانية المطبوعة (عام 1380 هـ).
[1]مجلة الشريعة السنة:1409هـ ص:408.
[2]العروة الوثقى ج:3 ص:631.
وهكذا عندما أورد في آخر رسالته الشريفة (المسائل المنتخبة) المطبوعة (عام 1391 هـ) بحثاً استدلالياً للدفاع عن مختاره بعنوان (تفاصيل ثبوت الهلال)[1]لم يشر فيه إلى التفصيل المذكور، بل أكد[2]فيه على (أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على بداية شهر قمري جديد لأهل الأرض جميعاً، لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق).
وبعض الأعلام من تلامذته (قدس سره) الذي وافقه على القول باتحاد الآفاق لم يشر إلى التفصيل المذكور أيضاً لا في تعليقته على منهاج السيد الحكيم (قدس سره) ولا في رسالته (الفتاوى الواضحة).
ولكن السيد الأستاذ (قدس سره) تبنى هذا التفصيل في وقت لاحق[3]، وقد أورده في الطبعات المتأخرة من تعليقته على العروة حيث ذكر بدل العبارة المتقدمة هكذا: (لا يبعد الكفاية في البلدان التي تشترك في الليل ولو في
[1]وقد أدرج لاحقاً في رسالة منهاج الصالحين ج:1 ص:279 وما بعدها.
[2]المسائل المنتخبة ص:331 ط:8 عام 1391 هـ.
[3]تجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ (قدس سره) قد ذكر في مجلس درسه الشريف في شرح كتاب الصوم من العروة الوثقى ـ الذي انتهى منه في ذي القعدة عام (1394 هـ) ـ أن ما يمكن الحكم بدخول الشهر الجديد فيه متزامناً مع رؤية الهلال في مكان ما هو خصوص الأماكن التي يكون الوقت فيها ليلاً في تلك اللحظة، أي بمقدار نصف الكرة الأرضية دون الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً آنذاك، وهو النصف الآخر من الكرة الأرضية.
هذا مضمون ما ذكره (قدس سره) في مجلس الدرس ـ كما ورد في تسجيله الصوتي ـ وكان ذلك قبل أن يكتب بعض تلامذته رسالته الأولى إليه في نقد مختاره، وذلك في شوال عام (1396 هـ).
فلا يتم ما قيل من أن الالتزام بوحدة الآفاق في البلدان المشتركة في جزء من الليل قد تم اقتراحه عليه (قدس سره) لدفع بعض إشكالات تلميذه المشار إليه (لاحظ رؤيت هلال ج:2 ص:1458).
مقدار منه)، ونحوه ما ذكره في الطبعات المتأخرة من (المسائل المنتخبة) و(منهاج الصالحين) مصرحاً فيهما بكفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاً وإن كان أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر ولو مع اختلاف أفقهما.
وقد ورد في تقرير بحثه الشريف[1]في وجه تبني هذا التفصيل ما نصه: (أن هذا ـ أي اتحاد الآفاق ـ إنما يتجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه، بأن تكون ليلة واحدة ليلة لهما وإن كانت أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر، المنطبق ـ طبعاً ـ على النصف من الكرة الأرضية، دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا ـ أي في بلد الرؤية ـ. بداهة أن الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنه أول ليلة من الشهر بالنسبة إليهم).
وورد في ما كُتب[2]بأمر منه في الجواب عن الرسالة الثانية التي بعثها إليه بعض تلامذته في مناقشة رأيه في اتحاد الآفاق ما لفظه: (أن الروايات الخاصة أيضاً لا تدل على أكثر من هذا المقدار، حيث تأمر بقضاء النهار القادم بعد ليل الرؤية ولو في مصر آخر، وواضح أن هذا لا يشمل ما إذا كانت رؤية الهلال في نقطة الغرب معاصرة مع النهار عندنا، فإنه ليس نهار ما بعد تلك الليلة التي هي ليلة الرؤية).
أقول: ينبغي البحث في موردين ..
(المورد الأول): هل أن ما ذكره (قدس سره) يعدّ تفصيلاً منه في الالتزام بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية أو لا؟
الصحيح أنه إنما يعدّ تفصيلاً منه في ذلك فيما إذا كان المقصود به هو
[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصيام) ج:2 ص:119 ط:نجف.
[2]رؤيت هلال ج:2 ص:898.
أن البلدان التي لا تشترك مع بلد الرؤية في كون الوقت فيها ليلاً عند تحقق الرؤية فيه لا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها بذلك، بل ما يشهد رؤية الهلال عند حلول الليل فيه لاحقاً أو يكون الوقت فيه ليلاً عند رؤيته في مكان آخر بعدئذٍ يدخل الشهر الجديد فيه بذلك دون غيره من البلدان.
مثلاً: إذا رئي الهلال في بغداد فإن المناطق الواقعة في شرقه في نصف الكرة الأرضية ـ التي يكون الوقت فيها ليلاً عند رؤية الهلال في بغداد ـ يدخل الشهر الجديد فيها بذلك، وأما المناطق الواقعة في غرب بغداد في النصف الآخر من الكرة الأرضية ـ التي يكون الوقت فيها نهاراً عند رؤية الهلال في بغداد ـ فما تشهد رؤية الهلال عند حلول الليل فيها كعمان وبيروت والقاهرة ونحوها يدخل الشهر الجديد فيها بذلك وأما غيرها كلندن وأوسلو واستوكهولم في بعض الشهور فإن رئي الهلال في مكان وكان الوقت فيها ليلاً كما لو رئي في أمريكا بعد عدة ساعات حكم بدخول الشهر فيها أيضاً وإلا لم يحكم بذلك.
فهذا يمثل تفصيلاً في الالتزام بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، وفي مقابله وجهان ..
الأول: أنه يدخل الشهر الجديد في جميع البلدان برؤية الهلال في بلدٍ ما، ويكون ذلك من حين تحقق الرؤية في ذلك البلد وإن كان الوقت في غيره نهاراً.
الثاني: أنه يدخل الشهر الجديد في جميع البلدان برؤية الهلال في بلدٍ ما ولكن يكون ذلك من حين حلول الليل لاحقاً في البلدان التي يكون الوقت فيها نهاراً عند تحقق الرؤية في ذلك البلد.
والوجه الأول هو ظاهر ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من قبل في بحثه المطبوع في آخر (المسائل المنتخبة) بل هو كالصريح في ذلك حيث قال