وإن كان مقصوده أنه وإن كان مما يلزم في بعض الشهور إلا أنه مع ذلك لا يمكن الالتزام به فيرد عليه أن مثله يلزم على القول بوحدة الآفاق أيضاً، بل يلزم بناءً عليه التفريق بين مدينتين متقاربتين بالالتزام بدخول الشهر الجديد في المدينة الغربية لاشتراكها في جزء من الليل مع مكان الرؤية وعدم دخوله في المدينة الشرقية لانقضاء الليل فيها قبل ذلك بعدة دقائق، وهذا ما سيأتي توضيحه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
ومهما يكن فقد ظهر من جميع ما تقدم أنه لا يتم مما استدل به للقول بوحدة الآفاق ما تطمأن إليه النفس دليلاً عليه.
مضافاً إلى أن هناك عدة مبعدات لهذا القول سيأتي التعرض لها إن شاء الله.
ولو فرض تمامية بعض ما استدل به له في حدّ ذاته تتعين ملاحظته مع ما سيأتي من أدلة القول باختلاف الآفاق إن تم شيء منها ثم البحث عن كيفية التعامل معهما، فلينتظر.
تفاصيل القول باتحاد الآفاق
ثم إن هاهنا أمراً، وهو أنه إذا بني على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية استناداً إلى ما تقدم من الروايات، فهل هو على إطلاقه؟ أي إذا رئي هلال رمضان ـ مثلاً ـ بعد غروب الشمس في مكان ما في الكرة الأرضية فهل يحكم بدخول الشهر الفضيل في جميع الأماكن الأخرى في البر والبحر من تلك اللحظة، أو أن في ذلك تفصيلاً؟
والتفاصيل المطروحة في كلماتهم أو ما يمكن طرحه ثلاثة ..
(التفصيل الأول): ما يبدو في النظر من أنه إذا رئي الهلال في مكان ما في ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ كفى في دخول الشهر الجديد في تلك الليلة في
الأماكن الواقعة في غرب مكان الرؤية أو في شماله أو جنوبه مما لا يسبق ليلها ليله، وأما الأماكن التي يسبق ليلها ليله كالتي تقع في الشرق منه فلا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها في تلك الليلة.
والوجه في اشتراط (ألا يسبق ليلها ليله) هو أنه في صورة السبق بأن يحل الغروب فيها قبل حلوله في بلد الرؤية يتوقف الحكم بدخول الشهر الجديد فيها في تلك الليلة على أحد أمرين: إما تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين بأن يحكم بأن بعض ليلة الرؤية في تلك الأماكن يكون من الشهر السابق وبعضها من الشهر اللاحق. وإما البناء على دخول الشهر الجديد من أول تلك الليلة في تلك الأماكن مع عدم كون الهلال آنذاك قابلاً للرؤية في أي مكان من الأرض.
مثلاً: إذا رئي الهلال في موريتانيا عند غروب الشمس من يوم الخميس ـ أي في ليلة الجمعة ـ وكان ذلك في الساعات الأخيرة من الليل في شرق الصين، فإن الحكم بدخول الشهر الجديد فيه ـ أي في شرق الصين ـ في تلك الليلة يقتضي إما البناء على تبعض الليل فيه بأن تكون الساعات الأولى من الليل في شرق الصين من الشهر السابق، وما تبقى من حين رؤية الهلال في موريتانيا من الشهر الجديد، أو البناء على أن تمام الليل في شرق الصين من الشهر الجديد بالرغم من أنه عند غروب الشمس فيه لم يكن الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان في الأرض.
وكلا هذين الأمرين على خلاف ما كان سائداً عند العرب في الجاهلية والإسلام في تحديد الشهور القمرية، أي أنهم كانوا إذا رأوا الهلال عدّوا تلك الليلة بتمامها من الشهر الجديد وإلا لم يعدّوها منه، وأما أن يعدوها بتمامها منه لخروج الهلال عن تحت الشعاع وصيرورته قابلاً للرؤية بعد عدة ساعات في مكان آخر أو يعدّوا بعضاً من تلك الليلة
من الشهر السابق وبعضاً من الشهر الجديد فهذا مما لم يكن شيئاً تعرفه العرب قطعاً.
نعم لا مانع من أن يحكم الشارع المقدس بذلك أي أن يبني على دخول الشهر الجديد في المكان الذي يقع شرق بلد الرؤية من أول الغروب وإن لم يكن الهلال في ذلك الحين قابلاً للرؤية في أي مكان في الأرض، أو يحكم بتبعض الليل فيه بأن يكون بعضه من الشهر السابق وبعضه من الشهر اللاحق، ولكن هذا بحاجة إلى الدليل.
وعلى ذلك أقول: إنه إذا بني على أن معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو تامة الدلالة على القول بوحدة الآفاق وأن الهلال إذا رئي في مصر أو الأندلس أو أفريقيا يكفي في الحكم بدخول الشهر الجديد في العراق مع أن ليل العراق يسبق ليل تلك الأماكن بساعة أو أزيد من ذلك، تكون هذه المعتبرة دليلاً على أن الشارع المقدس قد بنى على دخول الشهر الجديد في ما يقع في شرق مكان الرؤية وفق أحد الوجهين المتقدمين، ولذلك فلا محل للتفصيل المذكور، نعم لا بد من التفصيل بوجه آخر سيتضح مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما إذا بني على الخدش في دلالة المعتبرة والتزم بأن الدليل على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية هو خصوص إطلاق عدد من النصوص عمدتها صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار ونحوهما ـ كما هو ظاهر السيد الأستاذ (قدس سره) حيث استدل بإطلاق تلك النصوص ولم يستدل بمعتبرة محمد بن عيسى ـ فيمكن أن يقال: إنه لا سبيل إلى إثبات أن الشارع المقدس قد حكم بدخول الشهر الجديد في ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية استناداً إلى إطلاق النصوص المشار إليها.
والوجه فيه: أنه لا ينبغي الريب في أن المنساق من تلكم النصوص
أن ما ورد فيها من الحكم بوجوب قضاء يوم لمن صام تسعة وعشرين بقيام البينة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته ليس حكماً تعبدياً صرفاً، بل إنما هو من جهة أنه بثبوت رؤية الهلال في ذلك المصر يثبت سبق شهر رمضان في بلد المكلف قبل الليلة التي رئي الهلال فيها.
وعلى ذلك فلو شملت النصوص المذكورة ما يسبق ليله ليلة بلد الرؤية كالبلاد الواقعة في شرقه فإنما هو من جهة الحكم بدخول الشهر فيها، إما من أول الغروب أو من حين تحقق الرؤية في البلد الغربي.
ولكن يمكن أن يقال: إنه لا سبيل إلى إثبات المعنى المذكور بالإطلاق، وذلك أنه قد مرّ في بحث سابق[1]أنه إذا كان شمول العنوان المأخوذ في لسان الدليل لبعض أفراده بلا عناية وشموله للبعض الآخر يتوقف على عناية معينة وهي إثبات لازم ذلك البعض لم يمكن إثبات ذلك اللازم استناداً إلى الإطلاق إلا إذا كان غالب الأفراد من ذلك القبيل، فإنه عندئذٍ لامحالة يثبت لازمها تجنباً عن حمل المطلق على الفرد النادر.
ولهذا أمثلة متعددة في الفقه ..
منها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أنه قد دلت صحيحة علي بن جعفر على أن الرجل إذا صلى وعورته مكشوفة وهو لا يعلم يحكم بصحة صلاته، وهذا بإطلاقه يشمل ما إذا لم يعلم بانكشاف العورة إلى آخر الصلاة، وما إذا علم به في الأثناء ولكن في حالة عدم الانكشاف، كما لو علم في حال القيام أن عورته كانت مكشوفة في حال السجود، وشموله لهذين الفردين بلا عناية زائدة. وأما إذا علم بالانكشاف وهو بعد مكشوف العورة فشمول الاطلاق له واغتفار الإخلال بالستر اللازم في الصلاة جهلاً بالحال يتوقف على إثبات لازمه وهو اغتفار الإخلال بالستر
[1]لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج ج:3 ص:131 ط:2.
الواجب في حال العلم أيضاً بالمقدار الذي لا يمكن التجنب عنه، أي في اللحظات التي تفصل بين الالتفات إلى الانكشاف والمبادرة إلى الستر، وفي هذا عناية زائدة، وليس من شأن الإطلاق إثبات مثله من اللوازم، فلذلك لا يحكم بشمول الصحيحة لهذا المورد.
ومنها: ما تقدم في موضع آخر[1]من أن ما ورد في بعض نصوص الاستطاعة بالبذل من قوله7:«وإن دعاه قوم ليحجوه»لا يشمل ما إذا دعي للحج على خلاف وظيفته الشرعية في حجة الإسلام، كأن كانت وظيفته هي التمتع لكونه نائياً عن مكة المكرمة ولكن دعي لحج الإفراد، لأن شموله له يتوقف على مؤونة زائدة وهي تغير وظيفة النائي من حج التمتع إلى غيره.
وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال في المقام: إنه لما كان شمول صحيحة هشام بن الحكم ونحوها للبلد الذي يدخل الليل فيه قبل دخوله في بلد الرؤية يستلزم مؤونة زائدة وهي تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، أو الحكم بدخول الشهر قبل كون الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان على سطح الكرة الأرضية، وكلا الأمرين على خلاف المرتكزات العرفية، ولا دليل على أي منهما بالخصوص ـ كما سبق ذلك ـ لم يمكن البناء على شمول إطلاق النصوص المذكورة للبلد المذكور[2]، بل يشمل البلدان التي يدخل الليل فيها عند حلوله في بلد الرؤية، أو بعد ذلك سواء الواقعة في شماله أو جنوبه أو في الغرب منه، فيحكم بدخول الشهر الجديد فيها عندما يخيم الليل عليها لا قبل ذلك، أي في أثناء النهار
[1]لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج ج:4 ص:211 ط:2.
[2]قد يقال: إن هذا البيان لا يأتي في صحيحة أبي بصير بناءً على تمامية دلالتها على القول باتحاد الآفاق، لأن شمولها لمختلف البلدان إنما هو بالوضع لا بمقدمات الحكمة، فليتأمل.
كما سيأتي وجهه.
نعم يختص ذلك بالبلدان التي تتحد مع بلد الرؤية في أيام الأسبوع، أي إذا رئي الهلال في ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ في شيلي الواقعة في أمريكا الجنوبية فإنه إنما يحكم بدخول الشهر الجديد في المناطق الواقعة في الغرب من شيلي إذا بني على أن الليل الذي يحل فيها إنما هو ليلة الجمعة أيضاً. وأما إذا بني على أنه ليلة السبت لمرور خط بدء الأيام قبلها فلا مجال للحكم بدخول الشهر فيها إلا أن يرى الهلال فيها أيضاً، لأن ما تدل عليه النصوص المتقدمة هو أن ليلة الشك في بلد المكلف يعدّ من شعبان إلا أن يرى الهلال فيها في البلد نفسه أو في بلد آخر، ومقتضى هذا اشتراط اتحاد ليلة الرؤية في البلدين بحسب أيام الأسبوع، وأما إذا كانت الليلة التي رئي فيها الهلال في بلد هي ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ وليلة الشك في البلد الآخر هي ليلة السبت فلا يستفاد من الروايات المشار إليها كون الأخيرة من الشهر الجديد وإن لم ير الهلال فيها في البلد الآخر، وسيأتي مزيد توضيح لهذا في بحث لاحق.
والحاصل: أنه إن تم إطلاق شيء من النصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق فإنما هو بالنسبة إلى البلدان التي لا يسبق ليلها ليل بلد الرؤية، ويكون الليلان من يوم واحد من أيام الأسبوع.
ويضاف إلى هذا أنه يمكن أن يدعى عدم شموله للبلدان البعيدة جداً التي لم يكن في زمن الأئمة:يصل الخبر برؤية الهلال فيها إلى بلد المكلف كأستراليا ومناطق جنوب أفريقيا بالنسبة إلى سكنة الحجاز والعراق وبلاد فارس.
والوجه فيه: ما تقدمت الإشارة إليه في موضع آخر[1]من أنه ليس من
[1]لاحظ ص:28.
من وظيفة المجيب أن يلاحظ في مقام الإطلاق والتقييد ما لا يكون محلاً للابتلاء في زمانه وإن كان مما يقع محلاً للابتلاء في الأزمنة اللاحقة البعيدة جداً.
يبقى هنا أمر، وهو أنه ورد في ما كتب بأمر السيد الأستاذ (قدس سره) ـ جواباً عن الرسالة الثانية لأحد تلامذته في مناقشة رأيه في مسألة الهلال ـ بعد بيان أن الحكم بوحدة الآفاق إنما هو بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه ما لفظه[1]: (وهذا إن كان مطابقاً مع المرتكزات العرفية بأن فرض أن العرف أيضاً يكتفي في دخول الشهر الجديد أن يخرج الهلال عن تحت الشعاع بنحو قابل للرؤية في نقطة مشتركة معنا في الليل ولو كان المقدار الباقي منه عندنا أقل منه في تلك النقطة، لأن الميزان عنده ـ أي عند العرف ـ وقوع النهار الذي يلي الرؤية بعد خروج الهلال، سواء وقعت ليلته كاملة بعده أم لا، فقد تطابق المستفاد من الروايات مع المرتكزات، وإلا فلا أقل من أن يكون الحكم الشرعي بالصوم بمقتضى الروايات المذكورة منوطاً بذلك.
وعلى كل حال فلا إشكال في عدم وجود ارتكاز معاكس على الخلاف، لكي يتجرأ أن يرفع اليد به عن مقتضى ظهور أدلة الباب المتمثلة في الروايات الخاصة التي استند إليها في اختيار القول بعدم لزوم الاشتراك في الآفاق).
ويظهر من هذه العبارة أن كاتبها يزعم أنه لا ارتكاز عرفي بعدم تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، بل ويدعي أنه لا إشكال في عدم وجود مثل هذا الارتكاز ليرفع اليد به عن إطلاق الروايات التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق.
[1]رؤيت هلال ج:2 ص:898.
ولكن مرّ أن الارتكاز العرفي بذلك ثابت، ويمكن التحقق منه بمراجعة العرف وسؤالهم عما إذا دخل الليل في طوكيو عاصمة اليابان ولم يكن الهلال قابلاً للرؤية في أي مكان ثم صار قابلاً لها بعد ساعات طويلة في داكار عاصمة السنغال وكان الوقت عندئذٍ قبيل الفجر في طوكيو، فهل يوافق العرف على عدّ تلك الليلة في طوكيو من شهرين؟ أي عدّها من حين غروب الشمس إلى قبيل الفجر من الشهر السابق وعدّ الدقائق المتبقية من الشهر اللاحق؟
لا ينبغي الشك في أن العرف لا يساعد على هذا التبعيض كما لا يساعد على عدّ تلك الليلة كلها في طوكيو من الشهر الجديد بالرغم من عدم قابلية الهلال للرؤية في أولها في أي مكان في الأرض.
وبالجملة: لا سبيل إلى منع ثبوت الارتكاز العرفي المذكور، وهو يمنع من انعقاد الإطلاق للنصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق ليشمل البلاد التي يسبق ليلها ليل بلد الرؤية، لا أن به ترفع اليد عن إطلاق تلكم النصوص كما ورد في العبارة المذكورة.
وأما ما ورد فيها أيضاً من احتمال أن يكون إلحاق سائر البلدان ببلد الرؤية في دخول الشهر الجديد وإن سبق ليلها ليله حكماً تعبدياً مختصاً بباب الصيام فهو في غاية الضعف، لأنه على خلاف المنساق من نصوص الباب بلا إشكال.
والحاصل: أنه إن بني على تمامية دلالة معتبرة محمد بن عيسى على القول بوحدة الآفاق فلا محيص من البناء على أنه لا فرق في إلحاق سائر البلدان ببلد الرؤية في دخول الشهر الجديد بين سبق ليلها ليله وعدمه لأن موردها من قبيل الأول.
وأما إذا بني على عدم تمامية دلالتها على ذلك وكون المستند