عن ابي بكر في طريقه جمعه للقرآن على حد تعبير السيوطي في الاتقان عن مغازي موسى بن عقبة عن ابي شهاب قال : لما اصيب المسلمون باليمامة فزع ابو بكر وخاف ان يذهب من القرآن طائفة فاقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد ابي بكر في الورق فكان ابو بكر أول من جمع القرآن في المصحف ثم اعلن عمر في المدينة بأن ياتي كل من تلقى شيئاً من القرآن من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوقال ابو بكر لعمر وزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على كتاب الله فاكتباه.
لس له اي قيمة تاريخية واي اعتبار علمي لما في من التهافت والتناقض والنقض والاضطراب بحد لم يدع مجالا لامكان الاخذ به بعين الاعتبار.
وخلاصة القول في المقام ان الورايات الواردة في كتب اهل السنة حول هذا الموضوع بلغت من الاضطراب والتناقض حداً يقطع بسقوطها جميعاً من دون حاجة بنا الى الاستدلال بشواهد خارجة عن دائرتها لنقضها وردها.
القرءات القرآنية في عهد عثمان بن عفان
وى الذهبي في سير اعلام النبلاء عن عامر الشعبي قال : ولم يجمع احد من الخلفاء من الصحابة القرآن غير عثمان.[١]
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى اخبرنا محمد بن عمر اخبرنا ابو بكر ابن عبد الله بن ابي سبرة عن مسلم بن يسار عن ابن مرسامولي لقريش قال : عثمان بن عفان جمع القرآن في خلافة عمر.[٢]
أقول : وقد وقع في هذا الموضوع ايضاً من الاضطراب نظيرها تقدم.
وحكى ابو عبد الله الزنجاني في تاريخ القرآن عن البخاري وصاحب الفهرست انهما قالا : حدثنا ابراهيم قال حدثنا ابن شهاب ان انس بن مالك حدثه ان حذيفة
[١]سير الاعلام النبلاء ج ٢ ص ٣٤٠.
[٢]الطبقات الكبرى ج ٢ ص ٣٥٦.
ابن اليمان قدم على عثمان ـ (في الفهرست وكان بالعراق) ـ وكان يغازي اهل الشام في فتح ارمينة واذربيجان مع أهل العراق فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان يا امير المؤمنين ادرك هذه الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فارسل عثمان الى حفصة ان أرسلي الينا بالمصحف ثم نردها اليك فأرسلت حفصة الى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : اذا اختلفهم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانما انزل بلسانهم.
وخرج ابن ابي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال : لما أراد عثمان ان يكتب المصحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والانصار فبعثوا الى الربعة[١]التي في بيت عمر فجئ بها وكان عثمان يتعاهدهم اذ تداروا[٢]في شيء اخروه قال محمد : فظننت انما كان يؤخرونه لينظروا احدثهم عهداً بالعرضة الاخيرة فيكتبونه على قوله.
وقال ابن حجر : فاتفق رأي الصحابة على ان كتبوا ما تحقق انه قرآن في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك.
ويدل على قول ابن حجر ذيل حديث البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهيقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع ابي خزيمة بن ثابت الانصاري « من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه » فألحقناها في سورتها في المصحف[٣].
أقول : ولقائل ان يقول من اين ذلك المصحف لحفصة ومن اعطاها اياه
[١]يقال فتح العطار ربعته وهي جونة الطيب وبها سميت ربعة المصحف.
[٢]داورت الامور طلبت وجوه مأتاها.
[٣]تاريخ القرآن لابي عبد الله الزنجاني ص ٤٣ ـ ٤٤.
وما هي قيمته الاعتبارية لكي يرسل عثمان اليها في طلبه وتدفعه له بشرط ارجاعه فيرجعه بعد استنساخه وكأنه ملك لها فاذا كان هو القرآن الذي جمعه ابوبكر برأي عمر على حد دعوى ما تقدم وانه وصل الى يد عمر بالوصاية فاللائق بل اللازم ان ينقل الى يد عثمان بعد وفاة عمر اذ لاداعي لايداعه في يد حفصة لأنها لم تكن خليفة للمسلمين ولم تكن من قرائه ومقرئيه فيحتاج الى ابقائه عندها.
واذا كان مصحف حفصة غير مادون في عصرابي بكر فلما لم يحدثنا التاريخ عن أصله وفصله يضاف الى ذلك كله ان ذلك المصحف على الاحتمالين من كونه مصحف ابي بكر او حفصة كان على درجة من الاعتبار والاستناد فليس هناك داع اصلا الى تجشم عناء جمعه مرة اخرى بعد ان ثبت انه تم تدوينه على أيد امينه وتحت اشراف ورعاية من لا يشك في امره وعمله وضبطه ودقته وانه تم استنساخه في عهد يقرب من عهد الرسالة لما لا يؤخذ ويستنسخ ويجعل حجة يعول عليه وفيصلا ينتهي اليه.
واذا عرفنا مما سبق ان عثمان بن عفان من كتاب الوحي لما لم يكتبه بنفسه ويضبطه حسبما سمعته اذناه من الرسول الاعظمصلىاللهعليهوآلهوحسبما افاده من مصدر الوحي والرسالة وقد اشرنا في صدر حديثنا في اول هذا المقام الى حديثين يدلان على كونه ممن جمع القرآن بل أول من جمعه من الخلفاء ولمرتين على حدّ تعبيرهما أولاهما في زمن عمر ولم ينقل له على شاهد والثاني في عهده وفترة خلافته بل ربما يضاف اليها زمن الرسول الاكرمصلىاللهعليهوآلهوكل ذلك مخدوش وقابل للطعن والتزييف.
وقيل : ولما نسخوا الصحف في المصاحف ردها عثمان الى حفصة ونسخوا اربعة مصاحف وابقى عنده واحداً منها وأرسل عثمان الثلاثة للبصرة والكوفة والشام وعين زيد بن ثابت ان يقرأ بالمدني وبعث عامر بن قيس مع البصري وابا عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي مع الكوفي والمغيرة ابن شهاب
مع الشامي وقرأ كل مصر بما في مصحفه.
وحكى السيد علي بن محمد المعروف بابن طاووس في كتابه سعد السعود عن كتاب ابي جعفر بن منصور ورواية محمد بن زيد بن مروان في اختلاف المصاحف ان القرآن جمعه على عهد ابي بكر زيد بن ثابت وخالفه في ذلك أبي وعبد الله ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ثم عاد عثمان فجمع المصحف برأي مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلامواخذ عثمان مصحف ابي وعبد الله بن مسعود وسالم مولى ابي حذيفة فغسلها وكتب عثمان مصحفاً لنسفه ومصحفاً لأهل المدينة ومصحفاً لأهل مكّة ومصحفاً لأهل الكوفة ومصحفاً لأهل البصرة ومصحفاً لأهل الشام.
ومصحف الشام رآه ابن فضل الله العمري في اواسط القرن ثامن الهجري يقول في وصف مسجد دمشق : والى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
أقول : انظر الى هذه النقول التي لا يمكن التوفيق بين أحدها بوجه من وجوه المعقول وقد ورد في جملة من كتب التاريخ ان عثمان بن عفان قام بحرق جميع المصاحف التي كانت في عهده ولم يستثن الا مصحف حفصة حيث اعاده اليها كما تقدم بعد استنساخه ويرد عليه :
(أولا) : اذا كان الأصل نسخة حفصة وهي كاملة فلا معنى لعد عثمان جامعاً للقرآن.
(ثانياً) : اذا قام عثمان بتغيير بعض الايات في النسخة التي نقلها عن مصحف حفصة فعمله هذا لا يخلو من احد امرين اما ان يكون عمله هذا تحريفا للقرآن او اصلاحا له فان كان الأول فلا ريب ولا شبهة في شناعة فعله قبح صنيعه واذا كان الثاني فلابد له ان يعامل مصحف حفصة بما صنعه في بقية المصاحف لانه مصحف وفيه اخطاء فيجب ان يقضى عليه لاحكام القرآن وصونه عن كل تحريف
وكذلك لو اخذنا بعين الاعتبار هذا الأمر لتوجه النقض على ابي بكر وعمر ونسبتهما الى الجهل وعدم الامانة.
(ثالثاً) ان العهد لازال قريبا بعصر النبوة واذا سلمنا بدعوى ان القرآن كان مكتوباً على العسيب واللخاف فلما لا يرجع اليها مباشرة ويعول عليها لانها عبارة عن الخطوط الاولى التي دونت باشراف النبيصلىاللهعليهوآلهومحضره.
(رابعاً) ان كان عثمان بن عفان من كتاب الوحي لماذا لم يأت بما كتبه وخطته يده في زمن امتهانه مهنة كتابة ما يوحى الى النبيصلىاللهعليهوآلهمنه فاين ذهب يا ترى!!؟
(خامساً) ان كان القرآن كتاباً مقدساً ونص في جملة آياته على وجوب احترامه وتقديسه والعمل به وكذا دلت السنة النبوية فلماذا تنتهك قدسية القرآن بحرقة واذا كان عثمان غيوراً على القرآن لما لم يعمل باحكامه ووزع العالم الاسلامي بين بني عمومته وابناء ارومته فعاثوا في الارض الفساد ومزقوا كل حرمة شر ممزق وهتكوا الحقوق وبذروا اموال بيت المال في اشباع نهم شهواتهم من دون انكار حتى كثرت الشكايا منهم فلم يأبه بذلك ولم يقابلهم باذن صاغية فاجتمعوا عليه وقتلوه في داره.
واذا كان لتلك النسخ التي بعث بها الى الامصار وجود فلما لم ينقل عنها مؤرخ من مؤرخي التاريخ على الرغم من وفرتهم وانتشارهم وسياحتهم سوى ابن فضل الله العمري وفي القرن الثامن الهجري وكأن لأرض قد خليت في تلك الفترة الزمنية المتمادية ممن في يده دواة وقلم وكذا بعد تلك الفترة الى يومنا هذا.
وخلاصة ما نصل اليه انّ اكثر الاحاديث الواردة في هذا الشأن من الموضوعات مبالغ فيها حاكها خلفاء بني أيمة ومن بعدهم بنو العباس خدمة لاغراضهم لاخاصة ولاسدال الستار على الشنائع التي عرفت عمن نسبت اليه والاعمال المزرية التي صدرت عنهم.
مواصفات المصحف العثماني
قال الباجي في المحكي عنه : لا سبيل الى تغيير حرف من تكلك الحروف التي في هذا المصحف لأن عثمان والصحابة حرقوا المصاحف الاولى ما سوى هذا المصحف ولو كان فيها شيئاً من بقية تلك الحروف الت انزل عليها القرآن لم يحرقوه وايضاً حرقوها لانها كانت على غير ترتيب هذا المصحف المتفق على ترتيبه.
أقول : ومعنى كلامه هذا ان أول من رتب القرآن بالنحو المتعارف عليه اليوم بيننا هو عثمان بن عفان وهو امر باطل قطعاً لانه لا سبيل له الى ذلك بل هو امر توقيفي ثبت النص عليه من الباري جل وعلا في قوله في سورة القيامة : « لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه » كما انه ورد ان القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر الى سماء الدنيا وانه نزل بعد ذلك على النبيصلىاللهعليهوآلهنجوماً او منجماً بحسب الوقائع والاحداث وكان يخبر الناس بمواضع الآيات واحدة تلو الاخرى كما كان يأمرهم بمواضع السور وترتيبها وكان ينظم ذلك كله كما يتلقاه من الوحي ويأمر بضبطه واثباته.
قال المحدث الماهر السيد نعمة الله الجزائري في كتابه الانوار النعمانية : ترى قواعده (اي قواعد خط المصحف العثماني) تخالل قواعد العربية مثل كتابة الالف بعد واو المفرد وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا انه من عدم اطلاع عثمان على قواعد العربية والخط.[١].
وقد عبّر عنها السدي حسين البروجردي في تفسيره : بالاغلاط العثمانية في المصاحف السبعة وهي التي بعث بها الى الامصار[٢].
[١]الانوار النعمانية ج ٢ ص ٣٦١ ط تبريز.
[٢]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١٣ ط بيروت مؤسسة الوفاء.
وقال الفقيه الهمداني في مصباحه :
كانت المصاحف العثمانية عارية عن الاعراب والنقط مع ما فيها من التباس بعض الكلمات ببعض بحسب رسم خطه كملك ومالك ولذا اشتهر عنهم ان كلامنهم كان يخطي الآخر ولا يجوز الرجوع الى الاخر.[١].
أقول : ولذا فما قيل من ان خط المصحف العثماني خط توقيفي تعبدي لا وجه له ولا دليل عليه ولا مؤيد له وقد شاهدنا كثيراً من الايرانيين يتعذر عليهم قراءته بالنحو الذي كتب عليه بل يكثر لحنهم في قراءته اذا لم يكونوا قد اتقنوا قراءته على استاد عارف ضابط فهو من أسباب اللحن الواب تنزيه القرآن عنه وتعريته من وصمة اعواره وابهامه والخصوص في عصرنا هذا عصر المدنية والازدهار والرقى الحضاري والتقنية العالية والمؤمل من علماء أهل السنة وكذلك علماء الشيعة في جميع حواضرهم العلمية اعادة النظر في هذا الأمر المهم والاسهام في عرض الفاظه وحركات اعرابه بحلة قشيبة تبتني على قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن وضوابطها الاملائية البديعة.
تاريخ القراءات القرآنية بعد زمن عثمان
(القرن الثاني)
قال مكي بن ابي طاب : وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابي عمرو ويعقوب وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع واستمروا على ذلك.
(القرن الثالث)
وفيه اتسع الخرق وقل الضبط وتصدى فيه بعض ائمة الاقراء لضبطه ما بلغه
[١]مصباح الفقيه ج ٢ ص ٢٧٤ ط ايران.
من القراءات فكان أول من جمع القراءات في كتاب ابو عبيد القاسم بن سلام توفي سنة ٢٢٤ هـ.
قال ابن حجر في المحكى عنه : ذكر ابو عبيد في كتابه خمسة عشر رجلاً من كل مصر ثلاثة انفس فذكر من مكة ابن كثير وابن محيصن وحميد الاعرج ومن اهل المدينة ابا جعفر وشيبة ونافعاً ومن أهل البصرة ابا عمرو وعيسى ابن عمر وعبد الله بن ابي اسحاق ومن اهل الكوفة يحيى بن وثاب وعاصماً والأعمش ومن اهل الشام عبد اله بن عامر ويحيى بن الحرث وذهب عني اسم الثالث ولم يذكر في الكوفيين حمزة ولا الكسائي بل قال ان جمهور اهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا الى قراءة حمزة ولم يجتمع عليه جماعتهم قال واما الكسائي فكان يتجزى القراءات فأخذ من قراءة الكوفيين بعضاً وترك بعضاً ..
ثم اعقب ابا عبيد القاسم جمع منهم.
١ ـ القاضي اسماعيل بن اسحاق المالكي صاحب قالون الف كتاباً في القراءات وجمع فيه قراءة عشرين قارئاً منهم القراء السبعة المشهورين توفي سنة ٢٨٢ هـ.
٢ ـ ابو حاتم السجستاني وقد صنف كتاباً في القراءت ذكر فيه اكثر من عشرين رجلاً ولم يذكر فيهم ابن عامر ولا حمزة ولا الكسائي.
٣ ـ ابو جعفر محمد بن حرير الطبري جمع كتاباً كاملا سماه الجامع فيه اثنان وعشرون قراءة توفي سنة ٣١٠ هـ.
٤ ـ ابو بكر محمد بن احمد بن عمر الداجوني جمع كتاباً في القراءات فيه عشر قراءات وجعل الطبري المتقدم احدهم توفي سنة ٣٢٠ هـ.
٥ ـ جبير المكي وقد صنف كتاباً في القراءات فاقتصر على خمسة اقتصر من كل مصر اماماً وانما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي ارسلها عثمان الى هذه الامصار كانت خمسة حيث انه لم يصله خبر لمصحفي البحرين واليمن.