الثامن الهجري فلم يكن لهذه الفريد والدعوى عين ولا أثر.
ولا يخفى ما فيها من البعد والتهافت لأمور :
(فاما اولها) فلما تقدم بيانه وتفصيله من تاريخ القراءات.
(واما ثانيها) للمنع من تواترها عن القراء لانهم نصوا على انه كان لكل قارئ راويان يرويان قراءته نعم اتفق التواتر في الطبقات اللاحقة.
كما نص على ذلك الزركشي في كتاب البرهان في علوم القرآن من علمائهم بقوله : التحقيق انها متواترة عن الائمة السبعة ما تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمففيه نظر فان اسنادهم لهذه القراءات السبع موجود في الكتب وهو نقل الواحد عن الواحد.[١]
وقد اورد السيد الخوئي في تفسيره البيان بعض الايرادات عليها بما حاصله :
١ ـ ان اتصال الاسانيد بهم انفسهم (اي القراء السبعة او كمال العشرة) يقطع التواتر حتى لو كان متحققاً في جميع الطبقات فان كل قارئ انما ينقل قراءته بنفسه.
٢ ـ ان استقراء حال القراء يورث القطع بان القراءات نقلت الينا بأخبار الآحاد فليست هي متواترة عن القراء.
٣ ـ ان التأمل في الطرق التي اخذ القراء عنها يدلّ بالقطع على انّها انما نقلت اليهم بطريق الآحاد.
٤ ـ ان احتجاج كل قارئ على صحة قراءته واعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على استنادها الى اجتهادهم دون التواتر عن النبيصلىاللهعليهوآلهوالا لم يحتج الى الاحتجاج.
٥ ـ اضف الى ذلك انكار جملة من الاعلام على جملة من القراءات ولو كانت متواترة لما صح هذا الانكار .. الى آخر كلامه ومن اراد الوقوف على
[١]البرهان في علوم القرآن ج ١ ص ٢١٣ ـ ٢٢٧ ط بيروت.
حقيقة تلك الامور فليرجع الى الكتاب المذكور.
ومنه يظهر بطلان ما صرح به العاملي في حاشيته على كتابه مفتاح الكرامة حيث قال في جواب اعتراض وجهه : ان لكل واحد راويين فمن اين حصل التواتر؟ بما نصه : انا نقول الراويان ما رويا أصل التواتر وانما رويا المختار من التواتر ..
حيث طفوح الغلط واللغط العظيم منه بما لا يعلم له وجه ولو على جهة التأويل المتكلف والحمل المتعسف اذ كيف يعقل تحقق التواتر بهذا النحو بأن يكون راويا كل قارئ محرزين لثبوته.
ومن اين ثبت له ان تلك القراءات كانت متواترة بجملتها وقد اختارها من متواترها اولئك القراء بما استحسنته اذواقهم واستذوقته اذهانهم.
اما (ثالث الأمور) : لو سلمنا تواترها عن القراء لكن ذلك لا ينهض حجة شرعية لأنهم من آحاد المخالفين استبدوا بآرائهم كما سيأتي ذكره ولئن حكوا في بعض قراءاتهم الاستناد الى النبيصلىاللهعليهوآلهلكن الاعتماد على رواياتهم لا يخفى ما فيه على ما حقق في علم الدراية والاصول.
(واما رابعها) فلما تحقق من أن كتب القراءة والتفسير قد طفحت من قولهم قرأ حفص او عاصم كذا وفي قراءة علي بن ابي طالبعليهالسلاماو اهل البيتعليهمالسلامكذا بل ربما قالوا وفي قراءة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهكذا كما يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
والحاصل انهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومينعليهمالسلامفكيف تكون القراءات السبع متواترة من الشارع المقدس تواتراً يكون حجة على الناس.
(واما خامسها) ما عثرنا عليه من كلمات جملة من اعلام فقهائنا نور الله مضاجعهم فمن ذلك :
١ ـ ما جادت به يراعة المحقق البارع السيد حسين البروجردي في تفسيره الصراط المستقيم :
ان دعوى التواتر في شيء منها فضلا عن جميعها ليست في محلها[١]... لكنك خبير بان ما ذكروه في هذا الباب مما سمعت وما لم تسمع كلها قاصرة عن افادة ذلك نعم قام الاجماع بل الضرورة على عدم الزيادة في القرآن فالمشترك بين القراءات السبع بل وبين غيرها ايضاً قرآن قطعاً واما خصوص ما تفرد به كل واحد من القراء السبعة او العشرة من حيث تلك الخصوصية لا من حيث المادّة الجامعة فلم يقم اجماع ولا ضرورة على كونه بتلك القراءة الخاصة قرآناً.
كيف وقد سمعت ان المستفاد من الاخبار انه واحد نزل من عند اله واحد بل قد سمعت سبب الاختلاف في ذلك وان كل ما اختلفوا فيه او خصوص السبعة ليس مما نزل به جبرئيل ولا مما قرأ النبيصلىاللهعليهوآلهولا مما أقره بل كيف يكون الاغلاط العثمانية في المصاحف السبعة واختلاف الناس في قراءة كل منها حيث انها كانت عارية عن النقط والاعراب الصلا في اثبات القرآن النازل من السماء هذا مضافاً الى استفاضة الاخبار بل تواترها على مخالفة قراءة الائمة للقراءات المشهورة.
بل كتب القراءة والتفسير مشحونة من قولهم قرأ حفص كذا وعاصم كذا وحمزة وعلي بن ابي طالب كذا وفي كثير منها وفي قراءة اهل البيت كذا وربما ينسبونها الى واحد منهمعليهالسلامفجعلوا قراءتهم قسيماً لقراءة أهل بيت الوحي والتنزيل بل كثيراً ما صدر ذلك من الخاصة واخبارهم به متظافرة[٢]... ومما من ظهر ضعف ما ادعاه الصالح المازندراني في شرح الزبدة من ان التواتر قد يحصل سبعة نفر اذ لا يتوقف على حصول عدد معين بل المعتبر فيه حصول اليقين وان القارين لكل واحد من القراءات السبع كانوا بالغين حد التواتر.
الا انهم اسندوا كل واحدة منها الى واحد منهم اما لتجرده بهذه القراءة
[١]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١١.
[٢]نفس المصدر السابق ص ١١٣ ـ ١١٤.
او لكثرة مباشرته لها ثم اسندوا الرواية عن كل واحد منهم الى اثنين لتجردهما لروايتها وعدم تجرد غيرهما اذ فيه المنع من حصول اليقين ينقلهم سيّما مع مخالفةالمذهب مع هن وهن مع انه ليس الكلام في المشترك بل الخصوص وبلوغ القارين لكل واحدة منها حد التواتر اول الكلام هذا كله مضافاً الى ما اورده الرازي عليهم من انه اذا كانت تلك القراءات متواترة وخير الله المكلفين بينها فترجيح بعضها على بعض موجب للفسق مع انك ترى ان كل واحد من هؤلاء القراء مختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره ... الخ[١]
٢ ـ ما نمقته يراعه المحقق النجفي في جواهر الكلام حيث قال : منع التواتر او فائدته اذ لو أريد به الى النبيصلىاللهعليهوآلهكان فيه ان ثبوت ذلك بالنسبة الينا عن طريق العلم مفقود قطعاً بل لعل المعلوم عندنا خلافة ضرورة معروفية مذهبنا بأن القرآن نز بحرف واحد على نبي واحد والاختلاف فيه من الرواة كما اعترف به غير واحد من الاساطين ...[٢]
وبالجملة من انكر التواتر منا ومن القوم خلق كثير بل ربما نسب الى اكثر قدمائهم تجويز العمل بها وبغيرها لعدم تواترها[٣]... كما انه من المستبعد ايضاً توتر الحركات والسكنات مثلاً في الفاتحة وغيرها من سور القرآن ولم يتواتر اليهم ان البسملة آية منها ومن كل سورة عدا براءة وأنه يجب قراءتها معها سيما والفاتحة باعتبار وجوب قراءتها في الصلاة تتوفر الدواعي الى معرفة ذلك فيها.
فقول القراء حينئذ بخروج البسامل من القرآن كقولهم بخروج المعوذتين منه أقوى شاهد على ان قرائتهم مذهب لهم لا انه قد تواتر اليهم ذلك والمشهور بين اصحابنا بل لا خلاف فيه بينهم كما عن المعتبر كونها آية من الفاتحة بل عن المنتهى
[١]نفس المصدر السابق ص ١١٥.
[٢]جواهر الكلام ج ٩ ص ٩٤٣.
[٣]نفس المصدر السابق ص ٢٩٥.
انه مذهب أهل البيت بل النصوص مستفيضة فيه ان لم تكن متواترة كالاجماعات على ذلك بل وعلى جزئيتها من كل سورة[١]... واغرب منها القول بان عدم تواترها يقضى بعدم تواتر بعض القرآن اذ هو مع انه مبني على كونها من القرآن ليس شيئاً واضح البطلان.
ضرورة كون الثابت عندنا تواتره من القرآن موارد الكلمات وجواهرها التي تختلف الخطوط ومعاني المفردات بها لا غيرها من حركات (حيث) مثلاً ونحوها مما هو جائز بحسب اللغة وجرت العادة بايكال الامر فيه القياسات اللغوية من غير ضبط لخصوص ما يقع من اتفاق التلفظ به من الحركات الخاصة ... اذ دعوى حصول القطع به (أي بالتواتر المزعوم عنهم) من امثال ذلك مكابرة واضحة كدعوى كفاية الظن في حرمة التعدي عنه الى غيره مما هو جائز وموافق للنهج العربي وانه متى خالف بطلت صلاته اذ لا دليل على ذلك[٢]... ودعوى ارادة القراءات السبعة في حركات المباني من الاعراب في عبارات الأصحاب لا دليل عليها نعم وقع ذلك التعيين في كلام بعض متأخري المتأخرين من أصحابنا.
وظني انه وهم محض كالمحكي عن الكفاية عن بعضهم من القول بوجوب مراعاة جميع الصفات المعتبرة عند القراء ... بل لو ان مثل تلك الامور مع عدم اقتضاء اللسان لها من اللوازم لنادى بها الخطباء وكرر ذكرها العلماء .. ولأكثروا السؤال في ذلك للائمة الامناء ولتواتر النقل لتوفر دواعيه والاستدلال على الدعوى المزبورة بتلك الاخبار يدفعه ظهور تلك النصوص في ارادة عدم قراءة القرآن بخلاف ما هو عليها من الاشياء التي ورد في النصوص حذفهم لها او تحريفها لامثل الهيئات الموفقة للنهج العربي[٣].
[١]نفس المصدر السابق ص ٢٩٦.
[٢]نفس المصدر السابق ص ٢٩٧.
[٣]نفس المصدر السابق ص ٢٩٩.
٣ ـ ما ذكره الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه بقوله : ان دعوى تواتر جميع القراءات السبعة او العشرة بجميع خصوصياتها عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمتتضمن مفاسد ومناقضات لا يمكن توجيهها وقد تصدى جملة من القدماء والمتأخرين لايضاح ما فيها من المفاسد لا يهمنا الاطالة في اليرادها. ثم نقل كلام الشهيد الثاني المتقدم ذكره وذيله بقوله : اذ كيف يعقل ذلك بعد فرض كون القرآن واحداً بالشخص ومباينة بعض القراءات مع بعض في ذات.
فالذي يغلب على الظن ان عمدة الاختلاف بين القراء نشأ من الاجتهاد والرأي والاختلاف في قراءة المصاحف العثمانية العارية عن الاعراب والنقط مع ما فيها من التباس بعض الكلمات ببعض بحسب رسم خطه كملك ومالك ولذا اشتهر عنهم ان كلا منهم كان يخطئ الآخر ولا يجوز الرجوع الى الآخر.
نعم لا ننكر ان القراء يسندون قراءاتهم الى النبيصلىاللهعليهوآلهوان الاختلاف قد ينشأ من ذلك فانه نقل ان عاصم الكوفي قرأ القراءة على جماعة منهم ابو عبد الرحمن وهو اخذها من مولانا امير المؤمنينعليهالسلاموهو من النبيصلىاللهعليهوآلهوان حمزة اخذها من جماعة منهم مولانا الصادقعليهالسلاموهم يوصلون سندها الى النبيصلىاللهعليهوآلهوهكذا سائر القراء ولكن لا تعويل على هذا الاسانيد فضلا عن صيرورة القراءات بها متواترة خصوصا بعد أن ترى انهم كثيراً ما يعدون القرءات قسيماً لقراءة علي واهل البيتعليهمالسلام.
ثم قال : قال بعض الافاضل انه يظهر من جماعة ان اصحاب الاراء في القراءت كانوا كثيرة وكان دأب الناس انه اذا جاء قار جديد اخذوا بقوله وتركوا قراءة من تقدمه نظراً الى ان كل قار لا حق كان ينكر سابقه ثم بعد مدة رجعوا عن هذه الطريقة فبعضهم يأخذ قول بعض المتقدمين وبعضهم يأخذ قول الآخر فحصل بينهم اختلاف شديد ثم عادوا واتفقوا على الأخذ بقول السبعة.[١]
[١]مصباح الفقيه ج ٢ كتاب الصلاة ص ٣٧٤ ـ ٢٧٥ ط طهران حجري.
٤ ـ ما أفاده جمع من الاعلام في تزييف دعوى الشهيد الاول بل العلامة الحلي بطريق أولى :
فمن ذلك ما ذكره المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد :
« وأورد عليه ان المقرر في الاصول اشتراط التواتر فيما يقرأ قرآناً ومجرد نقل واحد (ويقصد به الشهيد الأول) ولو كان عدلا لا يفيد حصول التواتر ...[١]
(وثانيه) ما افاده المقدس الاردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان بقوله : ولا يفكفي شهادة مثل الشهيد لاشتراط التواتر في القرآن الذي يجب ثبوته بالعلم ولا يكفي في ثبوته الظن والخبر الواحد ونحوه كما ثبت في الاصول فلا يقاس بقبول الاجماع بنقله لأنّه يقبل فيه قول الواحد وكيف يقبل ذلك مع انه لو نقل عنهصلىاللهعليهوآلهذلك لم يثبت فقول المحقق الثاني انه يجزي ما فوق السبع الى العشرة لشهادة الشهيد بالتواتر وهو كاف لعدالته واخباره بثبوته كنقل الاجماع غير واضح نعم يجوز له (اي للشهيد) ذلك (اي ادعاء التواتر) اذا كان ثابتاً عنده بطريق علمي وهو واضح ..[٢].
اقول : اراد بقوله الأخير وهو واضح اي واضح البطلان من جهة الثبوت.
(وثالثه) ما اجاب عنه المحقق البروجردي في تفسيره بقوله :
ما حكاه في المدارك عن جده عن بعض محققي القراء انه افراد كتاباً في ذلك فلعمري ان الحكاية لا يثبت بها تواتر الرواية وانما هو بالنسبة الينا بل اليه خبر واحد فمن الغريب الركون الى مثله في دعوى التواتر فضلاً عن دعوى تواتر الثلاثة كمال العشرة كما سمعت في الذكرى ..[٣].
(ورابعه) ما اجب به عن كلام الشيخ علي الذي سطره في جامع مقاصده
[١]ذخيرة المعاد في شرح الارشاد ص ٢٧٣ ط قم مؤسسة اهل البيت ( : ).
[٢]مجمع الفائدة والبرهان ج ٢ ص ٢١٧ ـ ٢١٨ ط جامعة مدرسين.
[٣]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١٦ ط بيروت مؤسسة الوفاد.
المتقدم نقله بقوله : اذ في كل من المقيس والمقيس عليه نظر واضح على انه لا يثبت به التواتر ولعله لهذه الجهة وغيرها انكر كثير من المتأخرين تواتر السبعة فضلا عن غيرها ونسبة في القوانين الى جماعة من اصحابنا ..[١].
(وخامسه) ما استطرفه المحدث الخبير والفاضل التحرير السيد نعمة الله الجزائري في منبع الحياة بعد انكاره لتواتر تلك القراءات حيث قال قدس سره ما نصه : فقد وافقنا عليها سيدنا الجل علي بن طاووس طاب ثراه في مواضع من كتاب سعد السعود وغيره وصاحب الكشاف عند تفسير قوله تعالى : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم » ونجم الائمة الرضي في موضعين من شرح الرسالة (أحدهما) عند قوله ابن الحاجب واذا عطف على الضمير المجرور اعيد الخافض وبسط الكلام في هذين المقامين محال على مثل ما تقدم وهذا هو الكلام في رد ما ادعوه من تواتر الاحاديث.
وأما قولهم بافادتها القطع واليقين فيرد عليه امور : منها ما روى بالاسانيد الكثيرة عن الرضاعليهالسلامانه قال من رد متشابه القرآن الى محكمه فقد هدى ثم قلعليهالسلام: ان في اخبارنا حكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كتمشابه القرآن فردوا متشابهها الى محكمها ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا ولا ريب انه القرآن كما قال علماء الاسلام قطعي المتن ظني الدلالة فاين حصول القطع بما اشتمل على الفردين المحكم والمتشابه.
ومنها ما رواه الصدوق طاب ثراه في معاني الاخبار باسناده الى داود بن فرقد قال سمعت ابا عبد اللهعليهالسلاميقول انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني كلامنا ان الكلمة لتصرف على وجوه فلو شاء انسان لصرفه كلامه كيف شاء ولا يكذب ثم أضاف قائلاً : أقول من مارس الاحاديث يعرف هذا المعنى المراد منها فاذا كانت الكلمة تصرف على وجوه فكيف يقطع على المعنى المراد منها نعم يتفاوت الحال
[١]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١٦ ـ ١١٧.