(القول السابع عشر)
لزوم القراءة بمقتضى قاعدة الاحتياط للخروج عن عهدة التكليف بيقين وذلك بالاتيان بالقراءات مجتمعة في كل مورد وقع الاختلاف فيه بين القراء السبعة وكمال العشرة في كلمات القرآن الكريم لتحصيل القدر المتيقن واصابة الواقع بدقة احتمالية تقريبية.
والاصل فيه ما حكاه المحقق البحراني الشيخ يوسف في حدائقه عن شيخه المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني قال : سمعت شيخي علامة الزمان واعجوبة الدوران يقول ان جار الله الزمخشري ينكر تواتر السبع ويقول : ان القراءة الصحيحة التي قرأها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهانما في صفتها وانما هي واحدة والمصلى لا تبرأ ذمته من الصلاة الاّ اذا قرأ بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كمالك وملك وصراط وسراط وغير ذلك انتهى ثم عقبه بقوله : وهو جيد وجيه بناءاً على ما ذكرنا ن البيان والتوجيه ولو ما رخص لنا به الائمةعليهمالسلاممن القراءة بما يقرأ الناس لتعيّن عندي العمل بما ذكره[١].
واستسلقه الفقيه الهمداني بشريطة ان لا يؤدي بالمكلف بالاخلال بالموالاة في نظم القراءة والخروج عن كونه قارئاً عرفاً حيث قال ما نصه في كتابه مصباح الفقيه : اذا امكنه (اي المكلف) ذلك بأن انحصر (اي موارد الاختلاف بين القراء) في مورد او موردين بحيث لم يلزم من تكرير الكلمة او الكلام المشتمل عليها الى ان يحصل له الجزم بالموافقة (من دون) حرج او فوات موالاة معتبرة في نظم الكلاام فمقتضى القاعدة وجوب الاحتياط كما حكى عن جار الله الزمخشري التصريح به بعد انكار تواتر القراءات السبع ...[٢]
[١]الحدائق الناظرة ج ٨ ص ١٠٢ ط النجف الاشرف.
[٢]مصباح الفقيه ج ٢ كتاب الصلاة ص ٢٧٥ ط حجري.
أقول : لا يخفى على الفطن النبيةه ما فيه اذ هو مشكل لاستلزامه التكليف بما لا يطاق ولاقتضائه ادخال العسر والحرج على المكلفين قاطبة في مقام الامتثال والعمل في عباداتهم وقرباتهم اذ لا يحيط بأطرافها ووجوه اختلافها الا الا وحدى من الناس واهل الاختصاص بالفن دون عامة الناس الذين لا يتحصل لهم مثل ذلك
ولعله لاجل ذلك ادعى النراقي في مستند الشيعة على بطلانه الاجماع القطعي وامرهمعليهمالسلامبالقراءة كما يقرأ الناس وكما تعلموا ..[١]
وربما يترائى من كلام المقدس الاردبيلي في شرحه على ارشاد الاذهان القول بالعمل به خصوصاً اذا كانت القراءة واجبة بنذر وشبهه ..[٢]
أوقل : وظاهر طلاقه يعم الصلاة وغيرها سواء كانت بالاصل أو بالعارض.
(القول الثامن عشر)
بطلان الصلاة عند القراءة بالمروي عن اهل العصمةعليهمالسلامللمنع منها في زمن الغيبة الكبرى وكذا الشواذ.
وبه افتى العلامة البحراني الشيخ حسين في سداد العباد بقوله : فلو ... قرأ بالشواذ مع قدرته على السبع او العشر في زمن الهدنة ولو كانت القراءة منسوبة لهمعليهمالسلام ... عمداً بطلبت صلاته.[٣]
وقال الشيخ ابو الحسن الشعراني في تعليقته على شرح المولى محمد صالح المازندراني المطبوع :
القراءة المنسوبة الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأو الائمة منقولة لنا ايضاً بطريق الآحاد ولا نثق بصحة لانسبة ..[٤]
[١]مستند الشيعة ج ١ ص ٣٣٥ ط قم مكتبة السيد المرعشي.
[٢]مجمع الفائدة والبرهان ج ٢ ص ٢١٩ ط قم جامعة مدرسين.
[٣]سداد العباد ورشاد العباد ج ١ ص ١٦٩ ط نجف الاشرف.
[٤]شرح المولى محمد صالح المازندراني على الكافي ج ١١ ص ٦٥ ط طهران.
ويمكن الاستئناس له بقول العلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه في البحار حيث يقول :
ان الخبر قد صح عن ائمتناعليهمالسلامانهم امروا بقراءة ما بين الدفتين وان لا نتعداه بلا زيادة فيه ولا نقصان منه حتى يقوم القائمعليهالسلامفيقرأ الناس القرآن على ما انزله الله تعالى وجمعه امير المؤمنينعليهالسلاموانما انهوناعليهمالسلامعن قراءة ما وردت به الاخبار من احرف يزيد على الثابت في المصحف لانها لم يأت على التواتر وانما جاء بالآحاد وقد يغلط الواحد فيما ينقله ولانه متى قرا بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه مع اهل الخلاف و اغرى به الجبارين و عرض نفسه للهلاك فمنعوناعليهمالسلاممن قراءة القران بخلاف ما يثبت بين الدفتين لما ذكرناه.
فان قال قائل : كيف تصح القول بان الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان وانتم تروون عن الائمةعليهمالسلامانهم قرأوا : « كنتم خير أئمة اخرجت للناس » « وكذلك جعلناكم ائموة وسطا » وقرؤا « ليسألونك الانفال » وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في ايدي الناس.
قيل له : قد مضى الجواب عن هذا وهو ان الاخبار التي جاءت بذلك اخبار احاد لا يقطع على الله بصحتها فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما امرنا به حسب ما بيناه مع انه لا ينكر ان تأتي القراءة على وجهين منزلتين احدهما ما تضمنه المصحف والثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى فمن ذلك قوله تعالى : وما هو على الغيب بظنين » يريد بمتهم وبالقراءة الاخرى « وما هو على الغيب بضنين » يريد بخيل ومثل قوله :
« جنات عدن تجري من تحتها الانهار » على قراءة وعلى قراءة اخرى « تجري تحتها الانهار » ونحو قوله « ان هذين لساحران » وفي قراءة اخرى « ان هذين لساحران »
وما اشبه ذلك مما يكثر تعداده ويطول الجواب باثباته[١].
(القول التاسع عشر)
المنع من صدق اسم القرآن على غير المقطوع به بالتواتر ذهب اليه جمع من الاعلام.
قال النراقي في مستند الشيعة : اما ما ورد في بعض الاخبار من الامر بالقراءة كما يقرأ الناس أو كما تعلمتم فلا يفيد العموم مع انه انما ورد في مقال السؤال عما وجد في مصاحف الائمةعليهمالسلاممن بعض الكلمات الخالية عنها سائر المصاحف وانهم لا يحسنون قراءة ذلك.
اقول : المستفاد مما افاده قدس سره ان كل قراءة وردت بأي نحو اتفق لا يمكن الركون اليها مجرداً من دون قيد أو شرط بدعوى وورد النص عنهمعليهمالسلامبالقراءة كما يقرأ الناس فان القرائن الحالية والمقالية حاكمة على النص ومخصصة له بما يفيد المنع من كل قراءة لم يثبت تواترها عن النبيصلىاللهعليهوآلهولم تنقل عن من يعتد به لسابقة صحبة أو شدة ملازمة له أو لقرب عهده بهصلىاللهعليهوآلهمع اتصافه بشروط العدالة من حسن الظاهر واستقامة السيرة وسلامة المعتقد.
وقال الفيض الكاشاني في كتاب الوافي فيما تقدم نقله عنه :
الحق ان المتواتر من القرآن اليوم ليس الا القدر المشترك بين القراءات جميعاً دون خصوص آحادها اذ المقطوع به ليس الاّ ذاك فان المتواتر لا يشتبه بغيره.
وقال الفاضل المتتبع الشيخ محمد بن الحسن بن محمد الاصفهاني المشتهر على السنة الفقهاء بالفاضل الهندي صاحب كشف اللثام في كتاب قراح الاقتراح في تهذيب كتاب اقتراح النحو للشيخ جلال الدين السيوطي.
[١]البحر ج ٨٩ ص ٧٥.
والذي يحتج به في النحو من المسموعات ثلاثة الكتاب والسنة وكلام العرب ثم قال الكلام في الكتاب لا شك ان ما نقل منه متواتراً حجة واما ما نقل آحاداً فان كان باخبار عدل وهكذا الى النبيصلىاللهعليهوآلهفهو ايضاً حجة فان خالف قياساً معروفاً كان ذلك مستثنى لا يقاس عليه واما الاكتفاء بفصاحة الراوي فلا وجه له وان صرح بأنه مروية فصيح فانه حينئذ لا يكون الاحتجاج الا بفصاحته وبالجملة فما لم يحصل اليقين او الظن المقارب له بأنه من القرآن لا يصح الاستدلال به من حيث انه من القرآن[١].
وقد بالغ المقدس الاردبيلي بل شدد النكير على من مال الى دعوى تواتر القراءات بقوله :
يفهم من بعض كتب الاصول ان تجويز قراءاة ما ليس بمعلوم كونه قرآناً يقيناً فسق بل كفر فكل ما ليس بمعلوم ان يقيناً قرآن فينبغي لمن يجزم انه يقرأ قرآناً تحصيله من التواتر فلابد من العلم.
فعلى هذا فالظاهر عدم جواز الاكتفاء بالسماع من عدل واحد مع عدم حصول العلم بالقرائن مثل تكرره في الالسن بحيث يعلم لا يختل مع ان خصوصية كل كلمة كلمة في الاعراب والبناء وسائر الخصوصيات قليلاً ما يوجد العدل العارف بذلك فاشتراط ذلك موجب لسرعة ذهاب القرآن عن البين ولما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال لفسقه مع انه مضبوط في الكتب حتى انه معدود حرفاً حرفاً وحركة حركة.
وكذا طريق الكتابة وغيرها مد يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص فلا يبعد الاخذ في مثله عن ألهه غير العدل والكتب المدونة لحصول ظن قريب مع العلم بعدم التغيير ..[٢]
[١]الملحق المضاف في آخر المجلد الثاني من كشف اللثام ص ٤٨١ ط طهران منشورات فراهاني.
[٢]مجمع الفائدة والبرهان ج ٢ ص ٢١٧ ـ ٢١٨ ط قم جامعة مدرسين.
وقال المحقق السيد حسين البروجردي في تفسير الصراط المستقيم بعد نقل شطر من كلام المقدس الاردبيلي المتقدم :
اما ما صدر عن المقدس فغريب جداً سيما حكمه بعدم كون غير المقطوع به قرآناً واغرب منه ما حكاه كسابقه عن حكاية التفسيق بل التكفير ولعله لذلك ما شيخنا في الجواهر الى عدم وجوب متابعة شيء من السبع او العشر.[١]
وحاصل ما افادوه وسطروه عطر الله مراقدهم ان المشترك ما بين القراءات السبع بل وبين غيرها قرآن قطعاً لثبوت تواتره واطباق عامة المسلمين على نقله وتعاهده بالضرورة.
واما ما يتعلق بخصوص ما تفرد به كل واحد من القراء السبع أو العشرة أو غيرها فما لم يقم دليل عليها يفيد تواترها عن الصادع بالرسالة النبي الاكرمصلىاللهعليهوآلهمورث للاطمئنان بحالها بالطرق المقبولة علمياً فلا يمكن عدها من القرآن في شيء ولا يصح القراءة بها على انها جزء من القرآن.
(القول العشرون)
جواز القراءة بكل ما كان متداولا في زمن الائمةعليهمالسلامسواء ثبت نقله عنهمعليهمالسلامأم عن غيرهم ممن شملهم الاذن بخلاف من منعوا من قراءته كابن مسعود الذي قال في شأنه الامام الصادقعليهالسلام: ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال وتفضيل القول فيه سورة (يس) في كتابنا كنز القراء.
قال فقيه المجتهدين في عصره السيد محسن الحكيم في منهاج الصالحين :
الاقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الائمة.
وزاد الشهيد السعيد السيد الصدر في تعليقه على الكتاب المذكور بقوله ولم يعلم بمخالفتها لواقع النص القرآني[٢]
[١]تفسير الاصراط المستقيم ج ٣ ص ١٢٣ ط بيروت مؤسسة الوفاء.
[٢]منهاج الصالحين بتعليقة الشهيد الصدر ج ١ ص ٢٣١ ط بيروت دار التعارف.
اقول : ينبغي الاشارة الى عدة امور لا يضاح حقيقة المراد في المسألة :
(الامر الاول) المستفاد من كلامهما عدم المنع من القراءة المنقولة عن الائمةعليهمالسلامبدليل عدم الاستفصال بتقييد او تخصيص الذي يفيد العموم بل هو ظاهر اطلاق العبارة فيشمل الجواز قراءتهمعليهمالسلامكما يعم قراءة غيرهم ولعدم النهي عنها نهى تحريم.
(الامر الثاني) ان الادلة الواردة عنهمعليهمالسلامبجواز القراءة كما يقرأ الناس يستفاد منها أن تخصيص القراءة بما تداوله الناس في أزمنتهمعليهمالسلامحيث اطلاعهم على مدى قربهم من النص المنزل وعلى نوعية قراءتهم ومقدار مطابقتها لأصول اللغة وقواعدها لتنصيصهم على ذلك في عدة مقامات :
(الأول) ما ورد عن الامام ابي الحسن الرضاعليهالسلام: في خبر الكافي المتقدم ذكره حيث جاء فيه : (اقرؤا كما تعلمتم فسيجيء من يعلمكم) حيث يستفاد من (تعلمتم) ما تلقى من القراءة في ماضي الايام بالنسبة لزمان السؤال والاستفسار وما اشتهر من تواتر السبع وكمال العشر والاصطلاح عليهما جملة وتفصيلا انما هو أمر حادث لها في الازمنة المتأخرة بين العامة كما هو ظاهر لا شبهة فيه.
(الثاني) ما يقرب منه في ارادة الدلالة المتقدمة في خبر الكافي ايضاً عن سفيان بن السمط قال : سألت ابا عبد اللهعليهالسلامعن تنزيل القرآن قال : اقرؤوا كما علمتم).
(الثالث) خبر سالم بن سلمة الذي قال فيه الامام الصادقعليهالسلام: (اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم).
حيث يستفاد من ارادة التنبيه بالفعل المضارع (يقرأ) كفاية القراءة بما يتداوله الناس في زمان الاستفسارو ان العمل بها مجزي الى زمان قيام القائم وظهر دولته وبسط سلطانه لانهمعليهمالسلامقد احاطوا بها واطلعوا على نسبة شذوذها كما تقدم ذكره.
يضاف الى ذلك ان (ال) في (الناس) تفيد العهد الذهني الخارجي والمراد بهم ما حكاه السيد البروجردي في تفسيره عن محكي ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة عن الشيخ ابي جعفر الاسكافي انه قال في كتابه المسمى بنقض العثمانية في جملة كلام له في الامامة :
وقد تعلمون ان بعض الملوك ربما احدثوا قولا أو ديناً لهوى فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان وترك قراءة ابن مسعود وابي بن كعب وتوعد على ذلك سوى ما صنع هو وجبابرة بني امية وطغاة بني مروان بولد عليعليهالسلاموشيعته وانما كان سلطانه نحو عشرين سنة.
فما مات الحجاج حتى اجتمع اهل العراق على قراءة عثمان ونشأ ابناؤهم ولا يعرفون غيرها لامساك الاباء عنها وكف المعلمين عن تعليمها حتى لو قرأت قراءة عبد الله وأبي ما عرفوها ولظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان لألف العادة وطول الجهالة لانه اذا استولت علىالرعية الغلبة وطالت عليهم ايام التسلط وشاعت فيهم المخافة وشملتهم التقية اتفقوا على التخاذل والتساكت فلا تزل الايام تأخذ من بصائرهم وتنقص من ضمائرهم حتى تصير البدعة التي احدثوها غامرة للسنة[١]
وهذا التعبير شبيه بتعبير اميرالمؤمنين عن عائشة بقوله :
(المرأة شر لا بد منه) حيث لم يرد (ال) الجنسية أو الاستغراقية كما قد يتبادر لبعض من لا علم له بل اراد بها (ال) التعريف لافادة ارادة تلك المرأة المعهودة في زمانه والتي جرت الويلات على المسلمين وخرجت من خدرها عصياناً لقوله تعالى « قرن في بيوتكن » وبارزته بالحرب في وقعة الجمل وغيرها من المواقف التي حفظها التاريخ.
(الأمر الثالث) ان القراءة المنسوبة اليهمعليهمالسلاموالتي تضمنتها طائفة
[١]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١١٤ ط بيرون مؤسسة الوفاء.