والافكار ...[١]
ويمكن تأييده واعتضاده بما أفاده العلامة المحقق السيد حسين البروجردي في تفسير الصراط المستقيم بقوله : ان علم القراءة كان متداولا في زمان الائمةعليهمالسلامحتى ان بعض اعاظم اصحابهم وثقاتهم والمقربين عندهم كانوا عارفين ماهرين بهذا العلم مثل حمران بن اعين الذي هو في غاية الجلالة عندهم ونهاية الاخلاص والاطاعة لهم.
وكان ماهراً في علم القراءة على قراءة حمزة القارئ والصادقعليهالسلامامره بمناظرة الشامي في علم القراءة والشامي كان مريداً للمناظرة مع الصادقعليهالسلامفي هذا العلم حتى ان الشامي قال له حين أمر حمران بمناظرته انما اريدك اياك لاحمران فقالعليهالسلام: ان غلبت حمران فقد غلبتني مناظرة فغلب حمران عليه.
ومثله ابان بن تغلب الثقة الجليل فقد ذكروا في ترجمته : ان له قراءة مفردة مشهورة عند القراء وثعلبة بن ميمون الذي قالوا في ترجمته انه كان وجهاً في اصحابنا قارئاً فقيهاً نحوياً لغوياً راوية حسن العمل كثير العبادة والزهد وغيرهم من الاجلة الذين كانوا ماهرين في هذا العلم وفي غاية المتابعة والاطاعة للائمة الذين همعليهمالسلامقرروهم عليه ولم يتأملوا في علمهم ولا في عملهم.
ومن المعلوم ان مراعاة هذا العلم لاجل العمل في مقام القراءة فلو لم يكن مشروعاً لكانوا يمنعون امثال هؤلاء الاجلة وخصوصاً مع تمكنهم من تحصيل ما هو (من) منصب الانبياء والاوصياء. ويؤيد ما ذكرناه من كون هذا العلم متداولا عند اصحاب الائمةعليهمالسلامعلى وجه يشعر بتقريرهم اياهم على ذلك ما رواه الكشي عن حمزة الطيار قال سألني ابو عبد اللهعليهالسلامعن قراءة القرآن فقلت ما انا بذلك فقالعليهالسلاملكن ابوك قال : ثم قال ان رجلا من قريش كان لي صديقاً وكاان عالماً قارئاً فاجتمع هو وابوك عند ابي جعفرعليهالسلامفقال : ليقبل كل منكما على صاحبه
[١]الحدائق الناضرة ج ٨ ص ١٠٣ ـ ١٠٤ ط النجف.
يسأل كل منكما صاحبه ففعلا فقال القرشي لابي جعفرعليهالسلام: قد علمت ما اردت ان تعلمني ان في اصحابك مثل هذا قالعليهالسلام: هو ذاك فكيف رأيت ذلك.
وفي ترجمة حمران بن أعين عن رسالة ابي غالب الزراري : ان حمران ابن أعين من اكبر مشائخ الشيعة المفضلين الذين لا يشك فيهم وكان احد حملة القرآن ومن بعده يذكر اسمه في القراءات وروى انه قرأ علي ابن جعفرعليهالسلاموكان مع ذلك عالماً بالنحو واللغة.
وفي ترجمة ابان بن تغلب عن النجاشي : انه كان قارئاً من وجوه القرّاء فقيهاً لغوياً سمع من العرب وحكى عنهم وكان مقدماً في كل فن من العلم في القرآن والفقه و الحديث الى ان قال : ولابان قراءة مفردة مشهورة عند القراء اخبرنا بها ابو الحسن التميمي عن احمد بن محمد بن سعيد عن محمد بن يوسف الرازي المقرىء عن ابي نعيم عن محمد بن موسى صاحب اللؤلؤ قال : سمعت ابان بن تغلب و ما رأيت احداً اقرأ منه قط يقول انما الهمزة رياضة وذكر قراءته الى آخرها.
وذكر الشيخ في الفهرست مثله وذكر الاسناد الى قراءته المفردة وستسمع ان حمران بن اعين من مشايخ حمزة القارئ.
وفي التيسير والمجمع ان حمزة قرأ على الصادقعليهالسلاموان الكسائي وهو أحد القرّاء السبعة قرأ على ابان بن تغلب وان الاعمش وابا اسحق السبيعي وابا الأسود الدؤلي كانوا ممن يؤخذ عنهم القراءة وذكر الشيخ في الفهرست في ترجمة عمر بن موسى : ان له كتاب قراءة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالبعليهالسلام.
ثم ذكر الاسناد اليه وقل : هذا قراءة أمير المؤمنينعليهالسلامقال وما رأيت اعلم بالكتاب وناسخه ومنسوخه ومشكله واعرابه منه وفي ترجمة محمد ابن عياش انه له كتاب قراءة امير المؤمنينعليهالسلاموكتاب قراءة أهل البيتعليهمالسلام.[١]
[١]تفسير الصراط المستقيم ج ٣ ص ١٢٦ ـ ١٢٧ ـ ١٢٨.
أقول : والمستفاد من ذلك ان عمل القدماء وأصحاب الائمة كان على ما قدمنا ذكره ونبهنا عليه الا انه لما فقدت مصنفاتهم وكتبهم وقع الشيعة في حيرة ذكره منهم من الاقوال المتكاثرة وارتكاب التأويلات البعيدة والتفسيرات الركيكة والجنوح والنزوع الى مذاهب وأقوال واهية بعيدة غاية البعد عن أصول المذهب الحق.
كيف كان فالأجدر بنا بعد الاحاطة بأطراف الاقوال وما صدرناه بها وما استطرفناه في خاتمتها الى ان انتهى بنا المطاف الى هذا الموضع ان نقف وقفة عزم وثبات في طريق تحرير وتهذيب وتصحيح القراءات المنقولة الينا وبالخصوص في هذا العصر الذي ازدهرت فيه وسائل وطرق الاتصال بالماضي وسبر أغواره والوقوف على دقائقه واطرافه عن طريق توفر المصادر نفسها او سبل تحصيلها الكفيلة باعطاء زخم هائل من الادلة الممهدة والموصلة لضبط وتحقيق اصول ومسائل القراءات الصحيحة او الجائزة وضوباطهما وما يرتبط بهما من قريب أو بعيد بالاصل او بالعرض بالاعتماد على ما صح من أقوال النبيصلىاللهعليهوآلهوالائمة من أهل البيت:ومن يعتد به من العلماء والمفسرين وأقوال اللغويين واذا قامت البينة وتظافرت الادلة على صحتها وقوة وجهها وسلامتها من النقض والابرام ونفى ما عداها من القراءات التي تؤدي الى اظهار الآيات بمعان مشكلة مرفوضة تسيء الى قداءة الباري جل وعلا او احد الانبياء والرسل الماضين أو قداءة خاتم النبيين والمرسلين الرسول الاكرم محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهاو اسقاط فضل او منقبة او كرامة وردت في الروايات المعتبرة في اسباب نزول الآيات لاحد الائمة من أهل بيت النبوة أو احد أخيار الصحابة أو تغيير حكم ثبت النصّ عليه من قبل الشارع أو نحو ذلك كما اشرنا الى بعض امثلة ذلك فيما تقدم ذكره.
ولا يخفى على الفطن الخبير والفهم النحرير ان ذلك كله يحتاج الى مصنف
مبسوط الاطراف واسع الاكناف يكون عمدة للدراسين وطالبي الحق اليقين ثم لا يخفى ان ذلك مما لا يتنافى مع أصل القرآن بل لا يعد ضرباً من التحريف ولا فيه شيء من وجوه التوهين والتسخيف لقداسته ولا يفتخ على الشيعة الامامية اذا عملت به لبقية المذاهب سهام النقض والابرام والتعنيف فلكل طائفة من المسلمين كافة اليوم كما كان في سابق أيامهم وعنودهم الغابرة قراءة وتلاوة خاصة رجحوها على ما سواها وانتخبوها من جملة ما عداها سواء كانت من السبعة أو من كمال العشرة او ما زاد على ذلك كما يقف عليه المتتبع ولم يعد ذلك عزوفاً عن الحق او ترجيحاً للباطل او نقضاً لاصل القرآن مع ثبات أصله وتواتر متن سوره وآياته أو قدحاً لتلاوته وترتيله.
واما الوقوف والمحسنات اللفظية الاخرى ففيها مسامحات جمة فلا مشاحة فيها اذ هي أمور اصطلاحية يصح فيها التعدد والاختلاف وتزداد همية ما نبهنا عليه اذا اسهمت اطروحته في تأصيل كتاب الله المقدس ونفى ما قد يتطرق اليه من التحريف والتأويلات الفاسدة والمذاهب الباطلة وللمزيد من التوسع ينبغي مراجعة كتابنا الكبير كنز القراء في تحقيق اصول الاقراء وفقنا اله لاتمامه والفوز بسعادة اختتامه.
ومما يؤيد ما قدمناه لك ايضاً ما رواه العلامة المجلسي (ره) في البحر في مواضع منعددة.
فمنه ما رواه من اسحباب كتابه المصحف واستنساخه وتكثيره للانتفاع به عن الامام الصادقعليهالسلامقال ك ست خصال ينتفع بها المؤمن من بعد موته ولد صال يستغفر له ومصحف يقرأ منه .. الخ[١]
ومنه ما رواه في شأن ضبطه ومراعاة نظمه وأصول الاملاء في تدوينه بقوله
[١]البحار ج ٨٩ ص ٣٤.
وروي ان زيداً لما قرأ التابوة قال عليعليهالسلاماكتبه التابوت فكتبه كذلك.[١]
وعن النبيصلىاللهعليهوآلهبعدة طرق انه قال لبعض كتابه :
ا ـ « الق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن (الله) ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على اذنك اليسرى فاه اذكر لك »[٢].
ب ـ « اذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه »[٣].
ج ـ « اذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن »[٤].
د ـ « من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فجودة تعظيماً لله غغفر الله له »[٥].
و ـ « تنوق رجل في بسم الله الرحمن الرحيم فغفر له »[٦].
أقول : وما ذكر ههنا على جهة التمثيل واشرفية الذكر لا الحصر والا فان الحث والفضل المذكور يجري في سائل كلمات القرآن وآياته.
ومنه ما رواه في شأن شيعة أهل البيتعليهمالسلاموانهم من أهل البشارة بقراءته كما انزل : فعن امير المؤمنينعليهالسلامانه قال كأني انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفة
وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما انزل »[٧].
وعن الامام الصادقعليهالسلامقال : كأني بشيعة علي في ايديهم المثاني يعلمون القرآن[٨].
(الطائفة الثانية)
وهي التي دلت على نقصان القرآن في الجملة وتحريفه وتغييره وتقويضه فان الأنسب بأصول المذهب والأليق بالمشرب ان تؤول بما أفاده جملة من محققي أعلام الامامية.
[١]البحار ج ٨٩ ص ٥٣.
(٢ ـ ٣ ـ ٤ ـ ٥ ـ ٦) البحار ج ٨٩ ص ٣٤ ـ ٣٥.
(٧ ـ ٨) البحار ج ٨٩ ص ٥٩.
كتصريح الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء حيث قال قدس سره : ويخطر بالبال في دفع هذا الاشكال ان مرادهمعليهمالسلامبالتحريف والتغيير والحذف انهم هو من حيث المعنى دون اللفظ فمعنى قولهم كذا نزلت ان المراد به ذلك لا يفهمه الناس من ظاهره وليس مرادهم انها نزلت كذلك في اللفظ فحذف ذلك اخفاءاً للحق واطفاءاً لنور الله.
ومما يدل على هذا ما رواه الكافي باسناده عن ابي جعفرعليهالسلامانه كتب في رسالته الى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه وحرفوا حدونده فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية الحديث[١].
واما مصحف ابي الحسنعليهالسلامالمدفوع الى ابن ابي نصرونهيهعليهالسلامعن النظر فيه ونهى ابي عبد اللهعليهالسلامالرجل عن القراءة على غير ما يقرؤه الناس فيحتمل ان يكون ذلك تفسيراً منهمعليهمالسلامللقرآن على طبق مراد الله عزوجل ووفق ما انزل جل جلاله لا أن تكون تلك الزيادات بعينها أجزاء لألفاظه المنزلة ...[٢].
وقوله في كتابه الصافي في تفسير القرآن لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهو اهم والتغيير فيه ان وقع فانما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الان والضبط الشديد انما كان بعد ذلك فلا تنافى. وما قاله ابن شهر آشوب في كتابه (متشابه القرآن ومحكمه) : قوله سبحانه (ان علينا جمعه وقرآنه) (١٧ / ٧٥) دال على ان الله تعالى جامع للقرآن وقال تعالى : (انا نحن نزلنا الذكر
[١]الكافي ج ٨ ص ٥٣.
[٢]المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء ج ٢ ص ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ط قم جامعة مدرسين ومثله ورد في تفسير الصافي ج ١ ص ٣٤ ط طهران.
وانا له لحافظون) واول محافظته ان يكون مجموعاً منه تعالى وقال : (حم والكتاب المبين انا انزلناه) ولفظ الكتاب والقرآن يدلان على كونه مجموعاً منه تعالى يقال كتبت الكتيبة وكتبت البغلة وكتبت الكتاب وقريب الماء في الحوض وقرى النمل وام القرى والقرية وقد ثبت ان النبيصلىاللهعليهوآلهقرأ القرآن وحصره وامر بكتابته على هذا الوجه وكان يقرأ كل سنة على جبرئيل مرة الا السنة التي قبض فيها فانه قرأ عليه مرتين وان جماعة من الصحابة ختموا عليه القرآن منهم ابي ابن كعب وقد ختم عليه ابن مسعود عشر ختمات وانهصلىاللهعليهوآلهفضل كل سورة وذكر فضل قاريها ولو لم يكن مجموعاً لما صح هذا كله ثم ان البخاري روى عن انس انه لم يحفظ القرآن من الصحابة الا أربعة كلهم من الانصارابي ومعاذ وزيد وابو زيد ولم يذكر الثالث فكيف يجمع من لم يحفظ وقيل للحسين بن عليعليهالسلامان فلاناً زاد في القرآن ونقص منه فقالعليهالسلام: أو من بما نقض واكفر بما زاد والصحيح ان كل ما يروي في المصحف من الزيادة انما هو تأويل والتنزيل بحالة ما نقص منه وما زاد.[١]
الى هنا ينتهي ما ارادنا ايراده في هذه العجالة وكان الفراغ من كتابته في شهر جمادي الثانية احد شهور سنة ١٤٠٩ هـ[٢]في مدينة قم حرسها الله تعالى من طوارق الحدثان بحق المودعة في ارضها عليها وعلى العترة الهادية من ابائها واخيها وبنيه أفضل الصلاة والسلام والحمد لله أولا وآخراً.
[١]متشابه القرآن ومحكمه ج ٢ ص ٧٧ ط قم بيدار.
[٢]وقد اعيد النظر فيه في موضعين منه في اواخر ربيع الثاني سنة ١٤١٠ هـ.
الفهرس
العنوان
الصفحة
بسم الله الرحمن الرحيم.................................................... ٣
القراءة القرآنية في عصر الرسول الاكرم...................................... ٤
عوامل اختلاف القراءة القرآنية بعد عصر الرسول الاكرم...................... ٩
القراءات القرآنية في عهد ابي بكر.......................................... ٣٥
القرءات القرآنية في عهد عمر بن الخطاب.................................. ٣٧
القرءات القرآنية في عهد عثمان بن عفان................................... ٣٩
مواصفات المصحف العثماني............................................... ٤٤
تاريخ القراءات القرآنية بعد زمن عثمان.................................... ٤٥
عقيدة الشيعة الامامية الاثنا عشرية......................................... ٤٨
في تواتر أصل القرآن الكريم............................................... ٤٨
القراءة التي نزل القرآن على وفقها......................................... ٥٢
تواتر القراءت السبع وكمال العشر........................................ ٥٣
أقوال فقهاء الامامية فيما ينبغي الاخذ به.................................... ٦٨