فصل:
في ما يستفاد من تلك الأخبار
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
و فيه أمور:
[الأمر]الأوّل في المستفاد من أخبار الباب الأوّل و عناوينها
فمنها قوله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية»[1]، و يدلّ على أنّ كلّ زمان له إمام لا بدّ من معرفته في الموت على دين الإسلام و القوم يطالبون بتعيينه في هذا الزمان من هو؟أفهو من عمّ جوده البلاد و العباد مع أنّ الجهل به أولى و الجاهل به أسلم في الآخرة و أبقى[2]، و إنّ معرفته قد يوجب الهلاك، فكيف يعتبر[3]في النجاة، فهل هو الإمام الحقّ؟الدليل إلى اللّه و الداعي إليه الذي معرفته سبيل معرفة اللّه.
إبطال بعض ما تخيّله الناس في المراد من الإمام بأنّ ولده صلى اللّه عليه و آله محل الإمامة لا غيرهم[4]:
و منها قوله في رواية مودّة القربى[5]: «الأئمّة من ولدي» مبيّنا لمحلّ الإمامة، و أنّه ولده صلى اللّه عليه و آله دون غيرهم و إلاّ لم يتمّ الحصر المستفاد
[1]حديث مشهور تناقله علماء الطرفين في مجاميعهم الحديثية بتعابير تتفق في مضمونها.
أنظر على سبيل المثال: مسند أحمد 3: 446، و 4: 96؛ المعجم الكبير للطبراني 12: 337؛ طبقات ابن سعد 5: 144؛ مصنّف ابن أبي شيبة 8: 598/ح 42؛ الفردوس للديلمي 5:
528/ح 8982. و المراد منه أنّ الإمامة منحصرة في أولاد الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله.
[2]في المخطوط: الأبقى، و أثبتنا ما يقتضيه السياق.
[3]كذا في المخطوط.
[4]المراد من العنوان: أنّ الإمامة منحصرة في أولاد الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله.
[5]ينابيع المودّة: 318، في ضمن ينابيع المودّة.
غ
الإمامة، و أنّه ولده صلى اللّه عليه و آله دون غيرهم و إلاّ لم يتمّ الحصر المستفاد منه كما لا يخفى، و هذا يتمّ بعد معهودية لزوم وجود الإمام، و إلاّ لزم الإخبار بأصل وجود المقتدى للناس، لو لم يعلم ذلك لم يفد الإخبار عن محلّ الإمامة، ثمّ المراد بالإمام في تلك الرواية إمّا أن يكون من يجتمع عليه الناس باختيارهم له لهذا المنصب الجليل، كما هو رأي القوم في الإمامة و الخلافة، و إمّا أن يكون من يترأس على الناس من قبل نفسه بدون تعيين منهم له و إجماعهم عليه و نحو ذلك، و إمّا أن يكون من اصطفاه اللّه عزّ و جل لذلك المنصب و اختاره له و إن لم يرجع إليه الناس كالرسول الذي أرسله اللّه تعالى و لم يتّبعه قومه حيث يكون رسولا اجتمع عليه الناس أم لا و آمنوا به و اتّبعوه أم لا، فإن أريد الأوّل لزم الكذب حيث اجتمع أكثر الناس على غير ولده من تيمي و عدوي و أموي و عبّاسي و غيرهم كما لا يخفى مع أنّ قوله: «فمن أطاعهم... » الخ، لا يتمّ في مثل ذلك إلاّ أن يكون حكم اللّه تابعا ميل ذلك الإمام و إلاّ فمن اجتمع عليه الناس باختيارهم له بما يرون فيه مع جهلهم بسرائره و خفاياه و غالب ملكاته و مرتبة إيمانه و غير ذلك قد يأمر بما فيه معصية اللّه، و ينهى عمّا هو طاعة اللّه لبعض الدواعي الداعية له إلى ذلك كما لا يخفى[1]، فبيان هذا اللازم دليل على أنّ المراد من الإمام هو الإمام المعصوم الذي لا يريد غير ما أراد اللّه و لا يريد ما كره اللّه، و يكون مطيعا لمولاه في السرّ و أخفى مضافا إلى شهادة قوله: «هم العروة الوثقى و الوسيلة إلى اللّه» حيث لا يعقل في غير المعصوم كما لا يخفى.
[1]و إبطاله بأنّ الحثّ على طاعته يكشف عن عصمته. (من المصنّف) .
و كيف كان فإرادة من يجتمع عليه الناس من الإمام في تلك الرواية معلوم العدم و مثل ذلك إرادة من قدر اللّه له الرياسة مثل تقدير غنى زيد و فقر عمرو و موت بكر إلى غير ذلك بضرورة الكذب و عدم وجود ذلك اللازم في رؤساء الناس الذين ملكوهم و سادوا عليهم و فيهم كما لا يخفى.
و من ذلك يظهر عدم إرادة من يترأس بشهوة نفسه أيضا.
في بيان المراد من الإمام الذي أمر الناس بمعرفته:
و لو أريد من عيّنه اللّه لذلك المنصب و أرداه رداء للإمامة كما يلبس الرسول خلعة الرسالة فيبعثه إلى من ارسل إليهم و إن لم يسمعوا منه و لا يطيعوه، فهو موصوف بالإمامة من اللّه و لا يتوقّف إمامته على تولّي الزعامة الكبرى و هو المعنى الذي يقوله الإمامية في أئمّتهم لم يلزم محذور و يكون الإمامة منصبا إلهيا يجعله لمن يشاء و يختار نظير ما يفعل في إرسال الرسل فيكون مفاد الخبر انحصار الإمامة بذلك الوجه في ولده لا حظّ لغيرهم.
فإن قلت: هذا الخبر لا ينطبق على مذهب الإماميّة لكون علي- الذي ليس من ولده-أوّل أئمّتهم.
قلت: التعبير من باب التغليب، و يرشد إليه ما ورد من طرقهم من إطلاق ذرية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على أئمّتهم، و إمّا لبيان الإمام بعد علي، و على أيّ حال لا محذور فيه، ثمّ إنّ في المقام أمورا قد سكت هذا الخبر عن إيضاحها، منها كون هؤلاء الأئمّة على التعاقب، و منها عدّتهم و انحصارها في ما يقوله الإماميّة، و منها كون إمامتهم متّصلا بوقت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى غير ذلك. و تفصيل ذلك يؤخذ من الأخبار المفصّلة الواضحة كما لا يخفى.
إنّ كون طاعة الإمام طاعة اللّه دليل العصمة:
و منها قوله صلى اللّه عليه و آله في روايته الأخرى عن أبي ليلى الأشعري: «تمسّكوا بطاعة أئمّتكم»[1]المعلّل بكون طاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه، و من الواضح الذي لا يخفى أنّ الإمام المأمور بطاعته مطلقا من[2]لا يأمر بقبيح و لا ينهى عن حسن و إلاّ فاللّه تعالى لا يرضى بترك ما أمر به و ارتكاب ما نهى عنه بواسطة ميل نفس رجل إلى عكس ما حكم اللّه به، و هذا لا يكون في غير الإمام المعصوم، و لا عصمة في غير أئمّة الإماميّة، و لا يدّعيها أتباع هؤلاء أيضا، مع أنّ بعض أئمّة الناس الذين سادوهم عرف الناس أن لا يرضى اللّه بطاعته و ترك معصيته فلا يراد منهم كلّ من أمّهم، و إذا أريد البعض فإمّا أن يراد من جعله اللّه إماما على الوجه السابق، فيتّضح المطلوب، و إن أريد غيره يرد ما سبق فلاحظ.
و أمّا باقي الأخبار التي رويناها من غير البخاري فإرادة إمام الحقّ منه في كمال الوضوح.
بيان رواية البخاري، و أنّها تنطبق على أئمّة الإماميّة دون غيرهم:
و أمّا أخبار البخاري فقوله: «لا يزال ناس من أمّتي ظاهرين... » الخ[3]فإنّ الناس اسم جنس يطلق على القليل و الكثير، و يعلم الخصوصية من القرائن و المجرور وصف له، و ظاهرين خبر و الغرض وصفهم بدوام الظهور و عدم اختصاصه بحال دون حال و وقت دون وقت، و يرشد إلى ذلك ما يتعلّق به من قوله: «حتّى يأتيهم أمر اللّه... » الخ[4]المراد به الموت و الخروج إلى نشأة الآخرة،
[1]الآحاد و المثاني/الضحّاك 4: 456؛ المعجم الكبير/الطبراني 22: 374.
[2]خبر (أن) .
[3]صحيح البخاري 4: 187.
[4]المصدر نفسه.
و المراد ظهورهم على الناس، كما يرشد إليه روايته في كتاب التوحيد و غيره، و المراد أيضا الظهور على خصوص من خالفهم؛ لأنّه الذي يعقل فيه الظهور إذ الغلبة إنّما هو مع الخلاف و الخصومة لا مطلقا، كما أنّ المراد الظهور على جميع من خالفهم دون خصوص البعض، كما أنّ الظاهر نسبة الظهور إلى أنفسهم أو وصفهم بذلك بدون ملاحظة شيء آخر معهم، و يدلّ على ذلك أيضا إثباته إلى الموت فلا بدّ أن لا يوصفوا بضدّ الظهور في وقت و لو بالنسبة إلى واحد ممّن خالفهم بل و لا ينتفي عنهم نسبة الظهور و إلاّ لزالوا عن كونهم ظاهرين و غالبين، و من الواضح أنّ المعنى المزبور غير ممكن التحقّق، و معلوم العدم بالنسبة إلى تمام الأمّة و آحادهم جميعا لو أريد منه الظهور في القتال فإنّ منهم من يغلب، و قد لا يكون غلبة بل و لا قتال، و في مثل هذه الظروف لا يكون الظهور الذي أخبر به و هذا شاهد عدل على أنّ المراد الغلبة بالحجّة، و أنّ المعنى أنّ في الأمّة ناسا يظهرون على كلّ من خالفهم و لا يغلب عليهم أحد ممّن خالفهم أو خاصمهم و أبدى لهم صفحة وجهه، و يدلّ عليه إثباته لهم إلى وقت ما يأتي أمر اللّه أيضا، مضافا إلى قول البخاري في عنوانه: (و هم أهل العلم) و إن كان لا يعرف وجه لقوله: (يقاتلون)[1]كما لا يخفى.
و قال السندي في (قوله: «[هم][2]ظاهرون» ... : من أظهرت أي علوت، قيل:
و في الحديث دلالة لكون الإجماع حجّة و هو أصحّ ما يستدلّ به من الحديث و أمّا قوله: «لا يجتمع أمّتي... » الخ، فضعيف، انتهى)[3].
فهذا إخبار بوجود الظاهر في تمام عمره على كلّ من خالفه في ما
[1]صحيح البخاري 8: 149.
[2]إضافة من المصدر.
[3]حاشية السندي على صحيح البخاري 2: 286.
بين الأمّة أبدا، و هو ينطبق على أئمّة الإماميّة أعلم الناس و أفضلهم دون غيرهم لإفحام الخصوم لهم و عجزهم عن الجواب عند مخاصمة أهل الأديان، بل و أهل الإسلام معهم كما لا يخفى، و هذا ما يقوله الإماميّة، و غفل عنه أهل السنّة.
و كيف كان فالمراد من الظهور هنا مثل ظهور الرسول-صلوات اللّه و سلامه عليه-و غلبة حزب اللّه إذ بملاحظة اعتبار دوام الوصف لهم و عدم اتّصافهم بضدّه و تقييده بالغاية المزبورة يعلم إرادة ما ذكرناه و من ذلك يعلم الاستدلال للزوم وجود الإمام بقوله: «قوم من أمّتي و طائفة من أمّتي» .
انطباق حديث معاوية على هؤلاء الأئمّة:
و أمّا حديث معاوية فعنوانه الأمّة القائمة بأمر اللّه إلى أن يأتي أمر اللّه تعالى، و هم كذلك لا يضرّهم الغافل و لا المخالف أو المكذّب و لا المخالف و لا إشكال في صراحته في دوام ذلك الوصف لهم و الأمّة يطلق على واحد كقوله:أُمَّةً قََانِتاً[1]و غيره و هذا الوصف لم يوجد في غير أئمّة الإماميّة كما لا يخفى و هذا ما أوجب اتّباعهم دون غيرهم.
و أمّا استقامة أمر الأمّة فمن المعلوم أنّه لا يراد استقامة كلّ منهم و أنّ المراد الاستقامة بوجود المعصوم فيهم إذا نقض المؤمنون أئمّة لهم.
و في البخاري بعد أبواب المناقب من الجزء الثاني من باب أيام الجاهلية عن (أبي النعمان، عن أبي عوانة، عن بيان أبي بشر، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس، يقال لها: زينب) ... إلى أن قال: (قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللّه به بعد
[1]النحل: 120.