الأمر الثاني في مفاد أخبار الباب الثاني
فنقول: لا إشكال في دلالتها على لزوم وجود الاثني عشر بعد رسول اللّه-صلوات اللّه و سلامه عليه-و أنّ قيام الدين و عزّته بعده يكون بوجودهم و الإمارة و الخلافة و الإمامة منصب إلهي لا يحصل إلاّ بحكمه جلّ جلاله لصاحبها بذلك و ليس ممّا يحصل بفعل الناس نظير رسالة الرسول صلى اللّه عليه و آله و إلاّ فهو إمام منصوب من الناس و سمّوه الخليفة و الأمير، و الرياسة الربّانية الكبرى بحيث يعاقب اللّه جلّ جلاله من خالف صاحبها على مخالفته لا يحصل بمجرّد ذلك ما لم يقترن باختيار اللّه له لذلك المنصب و إن ترأس الرجل أعواما كما في الرسول بل و أمراء الأخبار و شبيه ذلك حيث لا يتحقّق الرياسة لرجل إلاّ بتعيين صاحب الجند و نصبه و إلاّ فهم بلا راع و إن ترأس عليهم أفراد كما لا يخفى، و لعلّ ذلك واضح.
إنّ الإمامة رئاسة ربّانية لا تكون إلاّ لمن وصفه اللّه بها:
و يدلّ على كون المنصب المزبور إلهيا لا مدخل لفعل الناس في حصوله في الواقع، مضافا إلى ما برهن عليه في محلّه و ما يظهر من أخبار الباب الأوّل كما لا يخفى أمور نشير إلى بعضها على سبيل الإجمال:
فمنها: ما في البخاري في كتاب الأحكام في باب بطانة الإمام بطرق متعدّدة (عن أبي سعيد، عن النبي صلى اللّه عليه و آله، قال: «ما بعث اللّه من نبي
و لا استخلف من خليفة إلاّ كانت له بطانتان» )[1]الخبر، و في ما بعده (عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول اللّه على السمع و الطاعة في المنشط و المكره[2]، و أن لا ننازع الأمر أهله و أن نقوم أو نقول بالحقّ حيث كنّا لا نخاف في اللّه لومة لائم)[3]و قال أبو البقاء في كلّياته: (و خليفة اللّه كلّ نبي استخلفه اللّه في عمارة الأرض و سياسة الناس و تكميل نفوسهم و تنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه من قبول فيضه و تلقّي أمره بغير واسطة، و لذلك لم يستنبئ ملكا)[4].
و توضيح المقام على وجه الإجمال: أنّه جعل الاستخلاف في عرض بعث النبي، و نسبته إلى اللّه تعالى نسبة الفعل إلى الفاعل، فلو كان ينعقد بفعل غيره أيضا لم يفعل ذلك بل و مجرّد كونه في عرض النبوّة أيضا يكفي في المقام كما لا يخفى، و أنّ الأمر لو لم يكن له أهل خاصّ لم يأخذ البيعة بعدم منازعته، و هذه البيعة قد أخذها من المسلمين، و أنّ الخليفة في المقام يراد به خليفة اللّه فهو ليس إلاّ من نصبه لإيصال فيضه إلى الناس و إلاّ فغيره يقصر عن ذلك أو خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و القائم مقامه الذي يترتب عليه بعض فوائده للناس و الإضافة لا واقع لها إذا لم يستخلفه فيتوقّف النسبة على ذلك كما يتوقّف النسبة إلى اللّه على استخلافه كما لا يخفى، و مجرّد تسمية الناس لا يحقّق هذا المعنى لمن سمّوه بذلك الاسم، و نادوه بهذه العلامة فلا يكون خلافته إلاّ وهمية أو
[1]صحيح البخاري 8: 121.
[2]في المنشط و المكره: أي على كلّ حال. (الفائق في غريب الحديث 3: 150) .
[3]المصدر نفسه.
[4]الكليات/أبو البقاء: ورقة 162/مكتبة الإمام الحكيم العامّة.
غ
اختراعية و هي لا تحصل بفعل الناس كما لا يحصل الاستخلاف من زيد في أموره بتعيين الناس لذلك ما لم يستخلفه زيد أو يحكم اللّه تعالى بذلك كما لا يخفى، فلا ينفذ تصرفاته نائبا عنه إلاّ بإمضائه و استخلافه كما لا يخفى، و قس على ذلك الحال في الأمير و الإمام، فإنّ كون الرجل أميرا من قبل اللّه و رسوله يتوقّف على تعيينهما له لذلك المنصب بوجه من الوجوه، و إلاّ فالأمير يتأمّر من قبل نفسه أو بشهوة الأنفس، و لا يمتاز عن الجبت و الطاغوت، و المتأمّر بجبروت ظلما و يكون مترئسا لا رئيسا و لا يثبت له أحكام الرئيس من قبل اللّه و رضاه كما لا يخفى.
و منها: أنّ الرياسة الربّانية و السلطنة الإلهية مناطها على العلم بما فيه رضا اللّه و ما يكرهه و معرفة المصالح و الصلاح و الفساد حتّى في الموارد الجزئية و شبه ذلك، و هذا المقام كان حاصلا للرسول صلى اللّه عليه و آله فلا بدّ أن يكون حاصلا لخليفته أيضا و إلاّ فقد يأمر بالمنكر و ينهى عن المعروف، و العالم بالواجد لمؤنة الرياسة العامّة من العلم و المعرفة و الخوف المانع من متابعة الأهواء المضلة في الصغير و الكبير ليس إلاّ اللّه و رسوله بتعريف منه تعالى فيجعلها لمن يشاء و يختار و إن اجتمع الناس على غيره بضلال منهم، و لا ينافي ذلك كون من اختاره اللّه تعالى صاحب الأمر و المنصب الجليل، و اجتماع الناس إلى رجل إذا لم ينته إلى أمر من اللّه تعالى لا يوجب دخول الشخص في عنوان أولي الأمر و من يجب طاعته و يؤاخذه على معصيته كما لا يخفى، و لعمري إنّ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى البيان.
و إذا عرفت ذلك ظهر لك توقّف الاتّصاف بمنصب الخلافة إلى نصب من يكون الخليفة خليفة له و لا يحصل بغيره و إلاّ كانت الخلافة و همية، فهؤلاء الاثنا عشر لا بدّ أن يكونوا قد استخلفهم اللّه و رسوله
و نصّبهم و عيّنهم لذلك المنصب و إلاّ فلا يكونون خلفاء له و لا أمراء من قبله، فمن يلتزم بمفاد هذه الأخبار عليه تعيين الاثني عشر الذين يتمّ عدّتهم بانقراض الدين و أهله و قيام الساعة و شبه ذلك ممّا يعرف من هذه الأخبار بعد ضمّها إلى أخبار الباب الأوّل الدالّة على وجود الإمام و الخليفة و صاحب الأمر إلى ذلك الأمد و يكون كلّ منهم منصوبا من قبل اللّه و رسوله أو أوّلهم كذلك ثمّ ينصب كلّ من بعده برخصة من اللّه تعالى و رسوله إلى أن ينتهي العدد عند انتهاء الأمد و لا مناص له عن الالتزام بمذهب الإماميّة فإنّ الخلفاء البارزين مع عدم تحقّق الاستخلاف في حقّهم باتّفاق الفريقين خصوصا إلى أواخرهم و انقطاعهم و لا بدّ أن لا ينقضي أمر الخلافة إلى الأبد كما عرفت أضعاف الاثني عشر[1].
و في حاشية كتاب الشيخ سليمان خليفة عبد الحقّ الدهلوي: اعلم أنّ العلماء ذكروا في تأويله وجوها:
1-فمنها: ما ذكر في الصواعق بقوله: (قال القاضي عياض: قيل: المراد باثني عشر في هذه الأحاديث و أشبهها أنّه يكون في مدّة عزّة الخلافة و قوّة الإسلام و استقامة أموره و الاجتماع[على]من يقوم بالخلافة و قد وجد هذا في من اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أميّة و وقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتّصلت تلك الفتن بينهم إلى أن قامت الدولة العبّاسية فاستأصلوا أمرهم، قال شيخ الإسلام ابن حجر في فتح الباري: كلام القاضي هذا أحسن ما قيل في هذا الحديث و أرجحه لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة: (كلّهم
[1]و بذلك يظهر لك فساد بعض ما في المقام مثل ما ذكره الروزبهاني في جواب العلاّمة رضى اللّه عنه. (من المصنّف) .
يجتمع عليه الناس) و المراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته، و الذي اجتمعوا عليه [هو][1]الخلفاء الثلاثة ثمّ علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمعوا عليه عند صلح الحسن ثمّ على ولده يزيد، و لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ثمّ لمّا مات يزيد اختلفوا إلى أن اجتمعوا إلى[2]عبد الملك بعد قتل ابن الزبير ثمّ على أولاده الأربعة: الوليد فسليمان فيزيد فهشام، و تخلّل بين سليمان و يزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة[3]بعد الخلفاء الراشدين، و الثاني عشر الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمعوا عليه لمّا مات عمّه هشام، فولّي نحو أربع سنين ثمّ قاموا عليه فقتلوه و انتشرت الفتن و تغيّرت الأحوال من يومئذ و لم يتّفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لوقوع الفتن بين من بقي من بني أميّة؛ و لخروج أقصى المغرب من العبّاسيين بتغلّب المروانيين على الأندلس إلى أن تسمّوا بالخلافة و انفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم بعد أن كان يخطب لعبد الملك في جميع الأقطار شرقا و غربا و يمينا و شمالا ممّا غلب عليه المسلمون و لا يتولّى أحد في بلد إمارة شيء إلاّ بأمر الخليفة[4].
2-و منها: ما قيل: إنّ المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى القيامة يعملون بالحقّ و إن لم يتوالوا، فالمراد باثني عشر الخلفاء الأربعة و الحسن و معاوية و ابن الزبير و عمر بن عبد العزيز
[1]زيادة يقتضيها السياق.
[2]هكذا في المخطوطة و الأصح: (على) .
[3]لا يخلو عن تأمّل؛ لأنّ ما ذكره بعد الخلفاء الراشدين ثمانية و لا يظهر وجه صحّة لقوله:
سبعة، فتنبّه. (من المصنّف) .
[4]فتح الباري 13: 184 و 185/نشر دار المعرفة/بيروت.
و يحتمل أن يضمّ إليهم المهدي العبّاسي لأنّه في العبّاسيين كعمر بن عبد العزيز في الأمويين و الطاهر العبّاسي أيضا، و يبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدي من أهل بيت محمّد صلى اللّه عليه و آله)[1].
3-و منها: ما قيل: إنّ هذا يكون بعد موت المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، و قد وجد في كتاب دانيال: إذا مات المهدي يملك خمسة رجال و هم من ولده، السبط الأكبر و يعني به الحسن بن علي رضى اللّه عنه ثمّ يملك من بعده خمسة رجال و هم من ولد السبط الأصغر، يعني به الحسين7ثمّ يوصي آخرهم إلى رجل من ولد السبط الأكبر فيهلك ثمّ يملك بعده ولده فيتمّ بذلك اثنا عشر ملكا كلّ واحد منهم إمام مهدي.
4-و منها: ما قيل: إنّهم يكونون في زمان واحد فهذا الحديث إشارة إلى سعة ملك الإسلام بحيث يكون اثنا عشر خليفة في زمان واحد في جميع بلاد المسلمين.
قلت: و إلى الآن لم يقع ذلك، و اللّه يعلم بعده.
5-و منها: ما ذكره العارف خواجة محمّد بارسا في فصل الخطاب ناقلا عن الإمام عفيف الدين الكازروني من أنّ هذا إشارة إلى ما بعده و ما بعد أصحابه لأنّ حكم الصحابة ترتبط بحكمه صلى اللّه عليه و آله، فأخبر صلى اللّه عليه و آله عن الولايات الواقعة بعد ذلك و كأنّه إشارة إلى خلفاء بني أميّة، و ليس هذا على طريق المدح بل على معنى استقامة السلطنة، فأوّلهم يزيد بن معاوية ثمّ معاوية بن يزيد، و لا يدخلهم ابن الزبير لأنّه من الصحابة، و مروان بن الحكم لأنّه بويع له بعد بيعة ابن الزبير، و كان ابن
[1]الصواعق المحرقة 1: 55 و 56/نشر مؤسسة الرسالة/بيروت.
الزبير أولى منه، فكان هو كالغصب ثمّ عبد الملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر بن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمّد، فهؤلاء اثنا عشر ثمّ خرجت الخلافة منهم إلى بني العبّاس.
قلت: هذه الوجوه الخمسة-ما وقفت عليه في تأويل هذا الحديث ممّا أورده العلماء من الأقوال و اللّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال- من الخرافات التي لا حاجة إلى الإطالة فيها مضافا إلى ما أورد عليها من الفساد الواضح كما لا يخفى، و طرح رواية كونهم من بني هاشم و ولد علي، و أنّ الخليفة لو احتيج إليه لم يختصّ بزمان، و إلاّ فلا حاجة إلى الاثني عشر فيهم أيضا، و كلّ ذلك يشهد على أن لم يرد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من الخليفة في تلك الأخبار من يستخلفه الناس و يبايعونه و نحو ذلك، مضافا إلى قوله: (لا يضرّهم... الخ) المراد اتّصافهم بذلك و إن خذلهم الناس و خالفهم الذي لا يوجد في هؤلاء حيث إنّهم لو لا اجتماع الناس لم يكن لهم شيء قطعا، و أنّ المراد معنى آخر يثبت لاثني عشر شخصا يتمّ الدين بتمامهم، و ينقرض العالم بانقراضهم، و لولاهم لساخت الأرض بأهلها و هلكوا كما هلكت الأمم السالفة بطغواها، قد عيّنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لذلك المنصب، و استخلفهم من نفسه و جعلهم مثله في المرجعية للعباد إلى يوم التناد، و هذا معنى لا ينافي تسربل غيرهم بسربالهم و هو الخلافة الواقعية و الرياسة الربّانية و الإمامة الحقّة الثابتة لتلك الأشخاص و إن بقي جلّهم أو كلّهم في زاوية الخمول كما في أوصياء الأمم السالفة و تردّي غيرهم بردائهم، فهم الموصوفون بتلك الخلافة و الإمامة
و الإمارة و إن لم يتبعهم جلّ الناس أو كلّهم كما كان يوصف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله برسالته قبل أن يتّبعه الناس، و هذه الخلافة و الإمامة و الإمارة حقيقة فعلية واقعية نظير ما عرفت في الرسول لا وهمية أو شأنية كما توهّمه بعض الجهّال في حرف هذه الأخبار عن هؤلاء الأطهار، و كما يظهر أنّ خلافة أوّلهم يتّصل بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و تعيينه و نصبه له و إن استخلفه الناس في المرتبة الرابعة، و أنّ خلافته ليس باعتبار استخلاف الناس له، و بالجملة فعليهم تعيين اثني عشر يكونون على الوصف الذي أشرنا، فإن عينوا في غير أئمّة الإماميّة نظرنا في ما يخرصون و إن تعيّن فيهم فما لهم لا يؤمنون، مضافا إلى طرح أخبار الباب الثالث و الرابع، و ستعرف بعض الكلام فيهما إن شاء اللّه تعالى شأنه.
فإن قلت: أخبار الباب الثاني لا يدلّ على أزيد من وجود اثني عشر خليفة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله أو اثني عشر أميرا كذلك و أنّهم من قريش، فلو استفيد منها كون أوّلهم متّصلا بمضي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لتوقّف الخلافة على نصبه و شبه ذلك، فهو، و إلاّ فلا دليل عليه أيضا، فضلا عن امتداد آخرهم إلى قيام الساعة.
قلت: قد عرفت أنّ الأمير غير المتأمّر و الخليفة غير مدّعي الخلافة على وجه كاف في الالتزام بلزوم اتّصال أوّلهم برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و أمّا امتداد آخرهم إلى الأمد المزبور فيدلّ عليه رواية جمع الفوائد[1]حيث جعل كون اثني عشر خليفة غاية لقيام الدين و عطفه على مدخول (حتّى) في رواية عامر[2]و جعله غاية
[1]جمع الفوائد 1: 828.
[2]صحيح مسلم 6: 4.