و الإمارة و إن لم يتبعهم جلّ الناس أو كلّهم كما كان يوصف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله برسالته قبل أن يتّبعه الناس، و هذه الخلافة و الإمامة و الإمارة حقيقة فعلية واقعية نظير ما عرفت في الرسول لا وهمية أو شأنية كما توهّمه بعض الجهّال في حرف هذه الأخبار عن هؤلاء الأطهار، و كما يظهر أنّ خلافة أوّلهم يتّصل بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و تعيينه و نصبه له و إن استخلفه الناس في المرتبة الرابعة، و أنّ خلافته ليس باعتبار استخلاف الناس له، و بالجملة فعليهم تعيين اثني عشر يكونون على الوصف الذي أشرنا، فإن عينوا في غير أئمّة الإماميّة نظرنا في ما يخرصون و إن تعيّن فيهم فما لهم لا يؤمنون، مضافا إلى طرح أخبار الباب الثالث و الرابع، و ستعرف بعض الكلام فيهما إن شاء اللّه تعالى شأنه.
فإن قلت: أخبار الباب الثاني لا يدلّ على أزيد من وجود اثني عشر خليفة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله أو اثني عشر أميرا كذلك و أنّهم من قريش، فلو استفيد منها كون أوّلهم متّصلا بمضي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لتوقّف الخلافة على نصبه و شبه ذلك، فهو، و إلاّ فلا دليل عليه أيضا، فضلا عن امتداد آخرهم إلى قيام الساعة.
قلت: قد عرفت أنّ الأمير غير المتأمّر و الخليفة غير مدّعي الخلافة على وجه كاف في الالتزام بلزوم اتّصال أوّلهم برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و أمّا امتداد آخرهم إلى الأمد المزبور فيدلّ عليه رواية جمع الفوائد[1]حيث جعل كون اثني عشر خليفة غاية لقيام الدين و عطفه على مدخول (حتّى) في رواية عامر[2]و جعله غاية
[1]جمع الفوائد 1: 828.
[2]صحيح مسلم 6: 4.
في رواية أبي داود[1]، و جملة ممّا رواه العلاّمة و ظهور انحصار الخليفة و هو الأمير و من له الأمر في الاثني عشر في الكثير من أخبار الباب كما لا يخفى، مضافا إلى جملة من أخبار الباب الأوّل الدالّة على كون الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان و شبه ذلك، و خصوص الموجب لمعرفة الإمام، إمام الزمان و بكاء الأصحاب فإنّهم لمّا فهموا الانحصار و زعموا قصر زمان الدين بزعم سرعة مضي الاثني عشر بكوا و لو لم يفهموا ذلك لم يكن وجه لبكائهم كما لا يخفى.
و يظهر من المجموع أنّ صاحب الأمر هو الخليفة و أنّ الخلافة تكون إلى الأبد، و أنّهم من قريش و بني هاشم، و أنّ عدّتهم اثنا عشر و لا يتمّ إلاّ بامتداد الخلافة المزبورة بامتداد الدين و إلى قيام الساعة و شبه ذلك كما لا يخفى، و هو عين ما يقوله الإماميّة و لا مساس له بقول غيرهم إنّ الاثني عشر يمتدّ آخرهم إلى ذلك الأمد، و ذلك في كمال الوضوح و للدلالة فيها وجوه أخر أعرضنا عنها اكتفاء بالأوضح.
و إذا عرفت ذلك اتّضح لك أنّ المهدي الموعود هو الثاني عشر من أئمّة الإماميّة لمضي أحد عشر منهم و الثاني عشر لا بدّ أن يكون باقيا إلى ذلك الأمد، و إلاّ لانقطع[2]الخلافة قبل أمدها الموعود، فيثبت المدّعى حينئذ مع قطع النظر عن أخبار الثالث و الرابع أيضا.
أقول: و ممّا قرّرناه في دلالة أخبار الخلفاء يظهر لك دلالتها على بطلان روايتهم التي أوردها المسعودي في مروج الذهب[3]و محمّد بن
[1]سنن أبي داود 2: 309.
[2]هكذا في المخطوطة و الأفصح: (لانقطعت) .
[3]مروج الذهب 3: 184.
طلحة في مطالب السؤول[1]على ما بالبال من قوله صلى اللّه عليه و آله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» ، الذي قرّر انتهاء هم وقت خلع الحسن7و تسليمها إلى معاوية و جعل هذا الخبر من معجزات النبي صلى اللّه عليه و آله.
[1]مطالبالسؤول: 238.
غ
الأمر الثالث في أخبار الباب الثالث
و توضيح الاتّحاد أنّ الثابت من أخبار الباب الأوّل هو وجود الإمام و الأمير و صاحب أمر الخلافة و القائم بأمر اللّه إلى الموت، و الظاهر على من خالفه بالحجج و شبه ذلك، و الثابت من أخبار الباب الثاني أنّ عدّة هؤلاء اثنا عشر لا يزيدون و امتدادهم إلى الأبد و كونهم من قريش و بني هاشم كما يدلّ عليه أخبار البابين معا، و في الباب الثالث قد أثبت هذه الأوصاف لعلي و ولده الأحد عشر مرّة بهذا العنوان، و أخرى بتعيين أشخاصهم بأساميهم و غيرها و هذه أخبار مبيّنة لإجمال ما في البابين كما تبيّن امتدادهم إلى الأمد المزبور، و هي مقبولة لا مناص عن القول بها لمن جهل تلك الاثني عشر، و بمجرّد ذلك أيضا يثبت كون المهدي الموعود هو الثاني عشر فيهم، مضافا إلى ما في تلك الأخبار من التصريح بذلك المطلب، و فيها دلالة على كلّ ما يقوله الإماميّة في أئمّتهم.
فإن قلت: بعض هذه في طريقها عدّة من الإماميّة فكيف يكون حجّة على أهل السنّة؟
قلت: المناط في الاستدلال على إيراد علمائهم لها في كتبهم من غير خدشة، و هم من فحول القوم و ثقاتهم و أثباتهم فقد أحرزوا صدق الخبر فأوردوه، مع أنّ فيها ما ليس كذلك مضافا إلى أنّ القوم مطالبون ببيان ما ثبت إجماله في مثل صحيح البخاري حسب ما عرفت، و لا سبيل إلى الشكّ في تلك الأخبار.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
و بالجملة فأخبار الأوّلين كافية في إثبات المدّعى مع قطع النظر عن الأخيرين فكيف معهما، كما أنّ أخبار الأخيرين كافية في إثبات مهدويّة الثاني عشر مع قطع النظر عن الأوّلين أيضا كما لا يخفى.
و إذا اتّضح لك ما أوردناه ظهر لك حال ما يوجد في أخبارهم من قوله: (اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي) و كذا ما يشاهد في عقد الدرر في مواضع أنّه محمّد بن عبد اللّه[1]أو أحمد بن عبد اللّه[2]كما في موضع.
و ظنّي وفاقا لبعض من سلف منهم أنّه محرّف اسم أبيه اسم ابني، فإمّا أن شبّه عليهم في كتاب و الأخذ منه أو أخرجوا اللفظ إلى ذلك لمثل العناد و إخفاء الحقّ و التشكيك، و أمّا الاستناد في بطلانه إلى ترك الإثبات له و خلو روايتهم عنه كما ارتضاه الكنجي بعد ما ضعّف ما سبق فغير وجيه على حسب القواعد، و توجيه ابن طلحة له لا يصرفه، بل واضح البطلان كما لا يخفى، و أمّا محمّد بن عبد اللّه أو أحمد بن عبد اللّه، فمن النقل بالمعنى لتلك الرواية على من ادّعى صحّة هذه الأخبار مع قطع النظر عمّا أوردناه في الباب الثالث و الرابع تعيين رجل من بني هاشم و أولاد علي و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فإن لم يقبل رواياته فمن قريش لم يمض عن آبائه من بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى الآن أزيد من عشرة حتّى يحتمل كونه والدا لعبد اللّه و يولد له المهدي و يكون ثاني عشرهم و يكون هؤلاء الخلفاء الموعود بهم و الأمراء من قريش المخبر عن كون الأمر فيهم، إلى غير ذلك.
[1]عقد الدرر: 27/30.
[2]عقد الدرر: 35.
غ
لعمري لا يوجد في الناس من يكون بينهم و بين رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أهل زمانه أقلّ من عشرين أبا فكيف بالعشرة و كذا يظهر حال خبرهم الدالّ على أنّ المهدي من ولد الحسن لو لم يقبل الحمل على العسكري و من يرجّحه كالصبّان، يطالب بمثل ما مرّ من تعيين من يكون المهدي الذي يظهر في آخر الزمان و عند قرب الساعة ثاني عشرهم من بعد النبي صلى اللّه عليه و آله أو تعيين الاثني عشر الممتدّين إلى الأمد المستفاد من روايات القوم كما عرفت في غيرهم. و القول بتعدّد ناشر العدل و كون ناشر الدين مع بقاء بعض هؤلاء الخلفاء الاثني عشر غيره و تعدّد الأئمّة في ذلك أو بأحقّية[1]الخليفة و الإمام المهدي الذي يزعمه أو العكس أو غير ذلك، و أقبح من ذلك قوله: (لا مهدي إلاّ عيسى7) إلاّ أنّ القوم قد رموه بسهم واحد و توارت أخبارهم في خلافه نظير ما دلّ على كونه من ولد العبّاس كما اتّضح خلاف ما سبق بعد ما عرفت من كون المهدي من الاثني عشر المخبر عن حالهم و المبشر بهم حيث ليس من يكون المهدي إمام آخر الزمان ثاني عشرهم من زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلاّ هؤلاء الأنوار الزاهرة ثاني عشرهم صاحب الزمان، و ظهر أنّ زلاّت أهل العلم في أمره و تحيّر عقولهم فيه لقلّة تتبّعهم رواياتهم و قلّة تأمّلهم في رواياتهم و شبه ذلك.
فليكن هذا آخر ما نسوقه من الكلام في هذه الرسالة و تقدير الفراغ منها الليلة السابعة من شهر شوال المكرّم في سنة تسعة و ثلاثمائة بعد الألف حامدا مصلّيا مسلما.
كتب ذا مؤلّفه الفقير محمّد المدعو بباقر في أرض الغري الغرّاء على مشرفها آلاف التحيّة و الثناء.
قد فرغت منه في يوم الخامس من شهر الخامس من عشرة الأوّل
[1]كذا، غير واضحة و الأقرب ما أثبتناه.
من سنة الخامس من عشرة الثانية من مائة الرابعة من ألف الثانية من الهجرة النبوي صلى اللّه عليه و آله قد تمّت جيب يه طح زوهد[1].
و السلام على من اتبع الهدى.
كتبه العبد المذنب الفقير إلى اللّه الغني أسد اللّه بن محمّد رضا الشهير بـ (خوشنويس) الدزفولي عامله اللّه تعالى بلطفه سنة (1315 هـ) .
[1]كذا في المخطوط.
المصادر و المراجع
القرآن الكريم.
(أ)
الآحاد و المثاني: ابن أبي عاصم الضحاك/ت 287 هـ/تحقيق باسم فيصل أحمد الجوابرة/ط 1/1991 م، طبع و نشر دار الدراية.
الأربعون حديثا في المهدي: الحافظ أبو نعيم الأصفهاني/ت 430 هـ/تحقيق علي جلال باقر/ط 1/2005 م.
الأربعون حديثا: الشيخ محمّد بن حسين العاملي (البهائي) /ت 1031 هـ/تحقيق و طبع و نشر مؤسسة النشر الإسلامي/قم/ط 2/1422 هـ.
إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى و فضائل أهل بيته الطاهرين: محمّد بن علي الصبان، و هو بهامش كتاب نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار للشبلنجي.
إعلام الورى بأعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ت 548 هـ/تحقيق و نشر مؤسسة آل البيت:لإحياء التراث/قم/ط 1/1417 هـ/المطبعة ستارة.
أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين/ت حسن الأمين/دار التعارف للمطبوعات.
الإمامة و التبصرة من الحيرة: ابن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق/ت 329 هـ/ تحقيق و نشر مدرسة الإمام المهدي7/قم المقدسة.
الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية: عبد الوهاب الشعراني/طبع مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي/القاهرة.