المقابل». و تكثّر العلم و القدرة إنّما حصل[1]فى الموجودات الممكنة، فقاست العقول مبدأها الأوّل عليها، و وصفته بالعلم و القدرة. و التنزيه أن يقال:«سُبْحانَرَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ»[2].
و فرق بين القدرة و بين الإيجاد أو التّأثير فإنّ القدرة لا تقال إلّا عند كون المؤثّر بحيث يصحّ عنه التّأثير و الإيجاد و التأثير يعمّ ذلك، و يشمل كون الموجد أو المؤثّر بحيث يجب عنه الإيجاد أو التأثير، و إذا لحظ الإيجاد من غير اعتبار العلم و الإرادة فالأولى أن يوصف بالقدرة فإنّ الإيجاد عندهما يصحّ، و عند العلم و الإرادة يجب.
المسألة الثانية عشرة فى أنّ العلم و إن لم يكن مؤثّرا كالقدرة فهل يصحّ أن يكون مخصّصا كالإرادة أم لا
الإرادة فى الحيوان هو شوق إلى حصول المراد، أو داع يدعو إلى تحصيله لما يتخيّل أو يتعقّل من ملائمته. و لمّا كان دأب العقلاء أن يصفوا بارئهم بما هو أشرف طرفى النّقيض، و حسبوا أنّ كلّ ما يوجد بإرادة يكون أشرف ممّا يصدر الفعل عنه من غير إرادة، فوصفوه- تعالى- بالإرادة، و هى أخصّ من العلم و مترتّبة عليه، لأنّ كلّ ما لا يعلم لا يمكن أن يراد، و قد يعلم ما لا يريد.
و المتكلّمون ذهبوا إلى إثباتها، فمنهم من قال: إنّها صفة زائدة على العلم، قديمة أو محدثة، يتخصّص بها المراد من المعلوم. و منهم من قال: إنّها علم خاصّ بما فى وجود المخلوقات، من المصالح الرّاجعة إليهم، و هو الدّاعى إلى الإيجاد.
و الحكماء زعموا أنّها العلم بنظام الكلّ على الوجه الأتمّ، و إذا كان القدرة و العلم شيئا واحدا مقتضيا لوجود الممكنات على النّظام الأكمل، كانت القدرة و العلم و الإرادة شيئا واحدا فى ذاته، مختلفا بالاعتبارات العقليّة المذكورة[3].
[1]الاصل: و يكثر العلم و القدرة مما حصل، و المتن مطابق لما فى القبسات ص 213.
[2]الصافات، الآية 180.
[3]القبسات، ص 213 و الحقائق المحمدية.
المسألة الثالثة عشرة فى أنّ العلم بحقيقة العلة هل يلزم العلم بالمعلول أو لا؟
العلم التاّم بالعلّة غير العلم بالمعلول من حيث هى علّة فقط الّتي هى العلم بذات العلّة من حيث لها إضافة ما إلى معلولها، و الإضافة لا تتحقق إلّا بعد العلم بالمتضائفين. فإذن، العلم من هذه الجهة بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول من حيث إنّه ذات مضافة إلى علّتها من جهة المعلوليّة.
و أمّا العلم التامّ بالعلّة، بأن يعلم ذات العلّة و ماهيّتها، و لوازمها و ملزوماتها، و عوارضها و معروضاتها، و ما لها فى نفسها، و ما لها بالقياس إلى الغير، فلا شكّ فى أنّ هذا العلم يستلزم العلم التامّ بالمعلوم، فإنّ ماهيّة المعلول من جملة لوازم العلّة التّامّة. و هاهنا علم آخر ناقص بالعلّة، لا من حيث هى علّة، بل من حيث كونها ماهيّة و حقيقة، من غير أن يعرف لوازمها و عوارضها و ذلك لا يوجب علما بالمعلول، لا تامّا و لا ناقصا.
المسألة الرابعة عشرة فى أنّ علمه- سبحانه- هو ذاته أو لازم ذاته، و هل هو لازم واحد، أو لوازم كثيرة مترتّبة أو دفعة؟
لا أحسب أن يحتاج من وقف على ما مضى ممّا أوردناه إلى هذا السّؤال و الجواب أنّ علمه- تعالى- بالوجه المحقّق هو ذاته، و بالوجه المحمول على الصّور و الإضافات هو لوازم كثيرة مترتّبة، كما عليه الوجود كلّه.
المسألة الخامسة عشرة فى أنّ كونه تعالى حيّا هل يرجع إلى كونه تعالى عالما أو هو وصف زائد على ذلك؟
المستند فى إثبات الحياة هو الّذي ذكرناه، و هو أنّ العقلاء قصدوا وصفه- تعالى- بالطرف الأشرف من طرفى النّقيض، و لمّا وصفوه- تعالى- بالعلم و القدرة، و وجدوا
كلّ ما لا حياة له ممتنع الاتّصاف بهما وصفوه بالحياة، لا سيّما و هى أشرف من الّذي هو ضدّها عندهم.
و نعم ما قال عالم من أهل بيت النّبوة، صلوات اللّه عليهم اجمعين: «هل
العوامّ الوحى فمن قائل: إنّه هو العلم، و من قائل بأنّه زائد على العلم، قديم، غير مؤلّف و لا مسموع. و من قائل: إنّه زائد محدث أو قديم مؤلّف ليس بمسموع لكن يطابقه المسموع. و من قائل: إنّه مؤلّف مسموع. و الّذين يقولون مع ذلك بأنّه قديم لا يفكّرون فى معنى قولهم.
المسألة الثامنة عشرة فى أنّه تعالى يصحّ وصفه بأنّه متكلّم أزلا أم لا؟
القائلون بقدم الكلام يحكمون بصحّته و وقوعه. و القائلون بحدوثه يحكمون بامتناعه، و الكتب الكلاميّة مشحونة بهذه المباحث و أمثالها.
المسألة التاسعة عشرة فى أنّ علم البارى تعالى إن صحّ أن يكون مؤثّرا فهل يصحّ أن يكون علمه سببا لوجود الممكنات كلّها و يتحقق الجبر أولا يلزم ذلك؟
قد مرّ الكلام فى صحّة مؤثّريّة العلم و امتناعه. أمّا مسألة الجبر و إن طال الكلام فيها فليست بذلك الطول، و ذلك أنّ الحيوان لا شكّ أنّه قد يصدر عنه أفعال لا شعور له بها، فضلا عن القدرة عليها و الإرادة بها، و ذلك كالنّموّ و هضم الغذاء و أمثاله و قد يصدر عنه أفعال يشعر بها و لكن ليست بإرادته، كنومه و يقظته و تنفّسه مطلقا، لا من حيث وقوعها فى زمان بعينه، بل عرضه و زواله عنه. و قد يصدر عنه أفعال يشعر بها و تصدر عنه بحسب قصده إلى تلك، و صحّة صدورها عنه غير قصده إليها، لأنّه ربّما يصحّ صدور فعل عنه لا يقصده، و ربّما يقصد أمرا و لا يصحّ صدوره عنه.
و صحّة الصّدور و اللّاصدور هو المسمّى بالقدرة، و هى لا تكفى فى الصّدور، إلّا بعد أن يترجّح أحد الجانبين على الآخر، و التّرجيح إنمّا بالقصد الذي يسمّى بالإرادة أو بالدّاعى. و عند القدرة و الإرادة يجب الصّدور، و عند فقد أحدهما أو كليهما يمتنع الصّدور[1].
[1]الحقائقالمحمدية» للسيد صدر الدين الشيرازىّ.
و لا تصغ إلى كلام يقول: يصدر الفعل من القادر من غير ترجيح أحد الطرفين، متمسّكا بأمثلة جزئيّة فإنّ الترجيح غير العلم بالتّرجيح، و إنّه إنّما يحتاج إلى وجود التّرجيح لا إلى العلم به. فكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته و إرادته فهو باختياره، و كلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره.
و سؤال السّائل: أنّه بعد حصول القدرة و الإرادة هل يقدر على التّرك، كقول من يقول: الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوما حال وجوده و محال أن تكون قدرته إنّما تحصل له بقدرته، و إلّا لتسلسل.
و أمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرة و إرادة سابقة، كالمتروّى فى طلب أصلح الوجوه، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد واحد منها بفكره، الذي يصدر عنه أيضا باختياره، لينكشف الصّلاح و الفساد فيها، فيحصل له الإرادة بما يراه أصلح.
و هذه الإرادة مكتسبة له. أمّا أسباب كسبها، و هى القدرة على الفكر و إرادته و العلوم السّابقة، فبعضها يحصل أيضا بقدرة و إرادة، لكنّها لا تتسلسل، بل تقف عند أسباب لا تحصل بقدرته و إرادته. و لا شك أنّ عند حصول الأسباب يجب الفعل و عند فقدانها يمتنع.
و الّذي ينظر إلى الأسباب الأول و يعلم أنّها ليست بقدرة الفاعل و لا بإرادته يحكم بالجبر. و هو غير صحيح مطلقا لأنّ السّبب القريب للفعل هو قدرته و إرادته. و الذي ينظر إلى السّبب القريب يحكم بالاختيار. و هو أيضا ليس بصحيح مطلقا، لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة و مرادة. و الحقّ ما قاله بعضهم [عليهم السّلام]: «لا
و أمّا فى حقّ اللّه تعالى، فإن اثبت له قدرة و إرادة متباينتان لزم ما يلزم هاهنا من غير إمكان نقص،[1]لكن صدور أفعاله- تعالى- عنه ليس موقوفا على كثرة، إنمّا هى سبب وجود الكثرة، فلا يتصوّر هناك إيجاب و لا اختيار.
المسألة العشرون فى عنايته و لطفه و هدايته
عنايته علمه بنظام الكلّ على ما هو عليه و نظام أمور كلّ جزء نظاما تابعا لذلك النّظام و داخلا فيه. و لطفه تصرّفه فى جميع الذّوات و الصّفات دائما تصرّفات كليّة و جزئيّة من غير شعور غيره بذلك. و هدايته هبته الشّعور لكلّ ذى شعور بما هو أليق به، ليطلبه، دون ما هو ليس أليق به.
المسألة الحادية و العشرون فى معنى حكمته وجوده تعالى
حكمته: إيجاده الموجودات على أحكم وجه و أتقنه، و سوق ما هو ناقص منها من مبدأها إلى كمالها، سوقا ملائما لها. وجوده: فيضان الخير عنه، من غير بخل و منع و تعويض، على كلّ من يقدر أن يقبله، بقدر ما يقبله.
و القائلون بالصّفات المختلفة اختلفوا فى أنّ الصفات أقدم من غيرها. فقال بعضهم: العلم أقدم، لأنّ القدرة تتعلّق بما يعلم إمكان وقوعه، لا غير. و قال بعضهم:
القدرة أقدم، لأنّ المعلوم ما لم يصدر عنه لم يمكن تعلّق العلم به. و قال قوم: الجود أقدم، لأنّ الصّفات إذا كانت مغايرة للذّات كانت صادرة عنه، و الإصدار هو الجود و كلّ هذه المباحث هوس!.
المسألة الثانية و العشرون فى معنى قدرته و فاعليّته
قد اتّضح لك ممّا مرّ أنّ القدرة تقتضى صحّة الصدور، و الفاعليّة تقتضى وقوع
[1]القبسات، ص 213.
الصّدور، و إنّما يتحقّق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة، و إنّما يتحقق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة.
المسألة الثالثة و العشرون فى معنى أزليّته و وحدانيّته
أزليّته: إثبات السّابقيّة له على غيره و نفى المسبوقيّة. و من تعرّض للزّمان أو الدّهر أو السّرمديّة فى بيان الأزليّة فقد ساوق معه غيره فى الوجود.
و وحدانيّته: هى نفى ما عداه معه فإنّ كلّ كثرة محتاجة إلى آحاد هى مباديها.
و المبدأ الأول الّذي لا مبدأ له محال أن يكون فيه كثرة أو معه كثرة بوجه من الوجوه، و إلّا لكان له مبدءا، فلم يكن هو مبدءا، و قد فرض مبدءا. هذا خلف.
المسألة الرابعة و العشرون فى أنّ جميع صفاته حقيقيّة أو كلّها سلبيّة أو اضافية أو تنقسم صفاته إلى القسمين المذكورين؟
الصّفة أمر يعقل للشّىء و لا يمكن أن يعقل إلّا معه و له، كما أنّ العرض شىء يوجد فى موضوع و لا يمكن أن يوجد إلّا فيه، و لا يلزم من أن يعقل أمر لشىء [ان] يكون ذلك الأمر موجودا فى نفس الأمر و إن لم يعقل، يدلّ على ذلك قولهم فى رسم المضاف: «إنّه
و السّلوب أيضا اعتبارات عقليّة بالمقايسة إلى أشياء لا وجود لها و لا يلزم من الاتّصاف بالأنواع الثّلاثة تركّب و لا كثرة و إذا نقص ما عداه عنه لم يثبت صفة، لا حقيقيّة، و لا إضافيّة، و لا سلبيّة، و ذلك النّقص هو التّوحيد و ما يكون فى نفس الأمر من غير تعقّل النّقص هو الوحدة.
قال رضى اللّه عنه: و ينبغى أن نتكلّم فى هذه المسائل على سبيل الاختصار، ليعرف صحّة ما ذكرناه، من أنّ هذه المسائل تتفرّع على هذا الأصل الّذي قدّمناه.
أقول: الأصل الّذي تمهّد فى هذا الباب مستغن عن إيراد هذه المسائل، و إنمّا أوردت هذه المسائل، اقتفاء لكلام أهل البحث فى هذه المسائل.
و لنختم الكلام هاهنا، و اللّه ولىّ التّوفيق، و الحمد للّه و صلواته على محمّد و آله، و السّلام على من اتّبع الهدى.