كلّ ما لا حياة له ممتنع الاتّصاف بهما وصفوه بالحياة، لا سيّما و هى أشرف من الّذي هو ضدّها عندهم.
و نعم ما قال عالم من أهل بيت النّبوة، صلوات اللّه عليهم اجمعين: «هل
العوامّ الوحى فمن قائل: إنّه هو العلم، و من قائل بأنّه زائد على العلم، قديم، غير مؤلّف و لا مسموع. و من قائل: إنّه زائد محدث أو قديم مؤلّف ليس بمسموع لكن يطابقه المسموع. و من قائل: إنّه مؤلّف مسموع. و الّذين يقولون مع ذلك بأنّه قديم لا يفكّرون فى معنى قولهم.
المسألة الثامنة عشرة فى أنّه تعالى يصحّ وصفه بأنّه متكلّم أزلا أم لا؟
القائلون بقدم الكلام يحكمون بصحّته و وقوعه. و القائلون بحدوثه يحكمون بامتناعه، و الكتب الكلاميّة مشحونة بهذه المباحث و أمثالها.
المسألة التاسعة عشرة فى أنّ علم البارى تعالى إن صحّ أن يكون مؤثّرا فهل يصحّ أن يكون علمه سببا لوجود الممكنات كلّها و يتحقق الجبر أولا يلزم ذلك؟
قد مرّ الكلام فى صحّة مؤثّريّة العلم و امتناعه. أمّا مسألة الجبر و إن طال الكلام فيها فليست بذلك الطول، و ذلك أنّ الحيوان لا شكّ أنّه قد يصدر عنه أفعال لا شعور له بها، فضلا عن القدرة عليها و الإرادة بها، و ذلك كالنّموّ و هضم الغذاء و أمثاله و قد يصدر عنه أفعال يشعر بها و لكن ليست بإرادته، كنومه و يقظته و تنفّسه مطلقا، لا من حيث وقوعها فى زمان بعينه، بل عرضه و زواله عنه. و قد يصدر عنه أفعال يشعر بها و تصدر عنه بحسب قصده إلى تلك، و صحّة صدورها عنه غير قصده إليها، لأنّه ربّما يصحّ صدور فعل عنه لا يقصده، و ربّما يقصد أمرا و لا يصحّ صدوره عنه.
و صحّة الصّدور و اللّاصدور هو المسمّى بالقدرة، و هى لا تكفى فى الصّدور، إلّا بعد أن يترجّح أحد الجانبين على الآخر، و التّرجيح إنمّا بالقصد الذي يسمّى بالإرادة أو بالدّاعى. و عند القدرة و الإرادة يجب الصّدور، و عند فقد أحدهما أو كليهما يمتنع الصّدور[1].
[1]الحقائقالمحمدية» للسيد صدر الدين الشيرازىّ.
و لا تصغ إلى كلام يقول: يصدر الفعل من القادر من غير ترجيح أحد الطرفين، متمسّكا بأمثلة جزئيّة فإنّ الترجيح غير العلم بالتّرجيح، و إنّه إنّما يحتاج إلى وجود التّرجيح لا إلى العلم به. فكلّ فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته و إرادته فهو باختياره، و كلّ ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره.
و سؤال السّائل: أنّه بعد حصول القدرة و الإرادة هل يقدر على التّرك، كقول من يقول: الممكن بعد أن يوجد هل يمكن أن يكون معدوما حال وجوده و محال أن تكون قدرته إنّما تحصل له بقدرته، و إلّا لتسلسل.
و أمّا الإرادة فربما تحصل له بقدرة و إرادة سابقة، كالمتروّى فى طلب أصلح الوجوه، فإنّه بعد علمه بالوجوه يقصد إلى فرض وقوع واحد واحد منها بفكره، الذي يصدر عنه أيضا باختياره، لينكشف الصّلاح و الفساد فيها، فيحصل له الإرادة بما يراه أصلح.
و هذه الإرادة مكتسبة له. أمّا أسباب كسبها، و هى القدرة على الفكر و إرادته و العلوم السّابقة، فبعضها يحصل أيضا بقدرة و إرادة، لكنّها لا تتسلسل، بل تقف عند أسباب لا تحصل بقدرته و إرادته. و لا شك أنّ عند حصول الأسباب يجب الفعل و عند فقدانها يمتنع.
و الّذي ينظر إلى الأسباب الأول و يعلم أنّها ليست بقدرة الفاعل و لا بإرادته يحكم بالجبر. و هو غير صحيح مطلقا لأنّ السّبب القريب للفعل هو قدرته و إرادته. و الذي ينظر إلى السّبب القريب يحكم بالاختيار. و هو أيضا ليس بصحيح مطلقا، لأنّ الفعل لم يحصل بأسباب كلّها مقدورة و مرادة. و الحقّ ما قاله بعضهم [عليهم السّلام]: «لا
و أمّا فى حقّ اللّه تعالى، فإن اثبت له قدرة و إرادة متباينتان لزم ما يلزم هاهنا من غير إمكان نقص،[1]لكن صدور أفعاله- تعالى- عنه ليس موقوفا على كثرة، إنمّا هى سبب وجود الكثرة، فلا يتصوّر هناك إيجاب و لا اختيار.
المسألة العشرون فى عنايته و لطفه و هدايته
عنايته علمه بنظام الكلّ على ما هو عليه و نظام أمور كلّ جزء نظاما تابعا لذلك النّظام و داخلا فيه. و لطفه تصرّفه فى جميع الذّوات و الصّفات دائما تصرّفات كليّة و جزئيّة من غير شعور غيره بذلك. و هدايته هبته الشّعور لكلّ ذى شعور بما هو أليق به، ليطلبه، دون ما هو ليس أليق به.
المسألة الحادية و العشرون فى معنى حكمته وجوده تعالى
حكمته: إيجاده الموجودات على أحكم وجه و أتقنه، و سوق ما هو ناقص منها من مبدأها إلى كمالها، سوقا ملائما لها. وجوده: فيضان الخير عنه، من غير بخل و منع و تعويض، على كلّ من يقدر أن يقبله، بقدر ما يقبله.
و القائلون بالصّفات المختلفة اختلفوا فى أنّ الصفات أقدم من غيرها. فقال بعضهم: العلم أقدم، لأنّ القدرة تتعلّق بما يعلم إمكان وقوعه، لا غير. و قال بعضهم:
القدرة أقدم، لأنّ المعلوم ما لم يصدر عنه لم يمكن تعلّق العلم به. و قال قوم: الجود أقدم، لأنّ الصّفات إذا كانت مغايرة للذّات كانت صادرة عنه، و الإصدار هو الجود و كلّ هذه المباحث هوس!.
المسألة الثانية و العشرون فى معنى قدرته و فاعليّته
قد اتّضح لك ممّا مرّ أنّ القدرة تقتضى صحّة الصدور، و الفاعليّة تقتضى وقوع
[1]القبسات، ص 213.
الصّدور، و إنّما يتحقّق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة، و إنّما يتحقق الوقوع بانضمام الإرادة إلى القدرة.
المسألة الثالثة و العشرون فى معنى أزليّته و وحدانيّته
أزليّته: إثبات السّابقيّة له على غيره و نفى المسبوقيّة. و من تعرّض للزّمان أو الدّهر أو السّرمديّة فى بيان الأزليّة فقد ساوق معه غيره فى الوجود.
و وحدانيّته: هى نفى ما عداه معه فإنّ كلّ كثرة محتاجة إلى آحاد هى مباديها.
و المبدأ الأول الّذي لا مبدأ له محال أن يكون فيه كثرة أو معه كثرة بوجه من الوجوه، و إلّا لكان له مبدءا، فلم يكن هو مبدءا، و قد فرض مبدءا. هذا خلف.
المسألة الرابعة و العشرون فى أنّ جميع صفاته حقيقيّة أو كلّها سلبيّة أو اضافية أو تنقسم صفاته إلى القسمين المذكورين؟
الصّفة أمر يعقل للشّىء و لا يمكن أن يعقل إلّا معه و له، كما أنّ العرض شىء يوجد فى موضوع و لا يمكن أن يوجد إلّا فيه، و لا يلزم من أن يعقل أمر لشىء [ان] يكون ذلك الأمر موجودا فى نفس الأمر و إن لم يعقل، يدلّ على ذلك قولهم فى رسم المضاف: «إنّه
و السّلوب أيضا اعتبارات عقليّة بالمقايسة إلى أشياء لا وجود لها و لا يلزم من الاتّصاف بالأنواع الثّلاثة تركّب و لا كثرة و إذا نقص ما عداه عنه لم يثبت صفة، لا حقيقيّة، و لا إضافيّة، و لا سلبيّة، و ذلك النّقص هو التّوحيد و ما يكون فى نفس الأمر من غير تعقّل النّقص هو الوحدة.
قال رضى اللّه عنه: و ينبغى أن نتكلّم فى هذه المسائل على سبيل الاختصار، ليعرف صحّة ما ذكرناه، من أنّ هذه المسائل تتفرّع على هذا الأصل الّذي قدّمناه.
أقول: الأصل الّذي تمهّد فى هذا الباب مستغن عن إيراد هذه المسائل، و إنمّا أوردت هذه المسائل، اقتفاء لكلام أهل البحث فى هذه المسائل.
و لنختم الكلام هاهنا، و اللّه ولىّ التّوفيق، و الحمد للّه و صلواته على محمّد و آله، و السّلام على من اتّبع الهدى.
(10)مباحثات بين الطوسىّ و الكاتبىّ
(1)رسالة فى إثبات واجب الوجود لنجم الدّين على بن عمر الكاتبىّ القزوينىّ دبيران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِأمّا بعد حمد اللّه و الثّناء عليه بما هو أهله و مستحقّه، و الصّلاة على نبيّه محمد و آله فهذه رسالة، حررّتها بالتماس من شاركتهم فى البحث من العلماء- أدام اللّه فضائلهم- فى مباحث تتعلّق بالبرهان الّذي ذكره الأوائل فى إثبات موجود واجب لذاته.
اعلم أنّ الأوائل قالوا فى إثبات هذا المطلوب العظيم: لا شكّ فى وجود موجود، فذلك الموجود إن كان واجبا لذاته فقد حصل المطلوب، و إن كان ممكنا لذاته فقد افتقر إلى مؤثّر.
فذلك المؤثّر إن كان واجبا لذاته فقد حصل المرام أيضا، و إن كان ممكنا لذاته افتقر إلى مؤثّر. فذلك المؤثّر إن كان نفس ما كان أثرا له لزم الدّور، و إنّه محال، لأنّه حينئذ يتوقّف كلّ منهما على الآخر، لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر، و يلزم عنه تقدّم كلّ واحد منهما على نفسه، لأنّ الموقوف على الموقوف على الشىء موقوف على ذلك الشّىء.
و إن كان ذلك المؤثّر شيئا آخر غير ما هو أثر له، فلا يخلو: إمّا أن ينتهى إلى موجود واجب لذاته أو يتسلسل إلى غير النّهاية. و الأوّل فيه حصول المطلوب أيضا و الثّاني باطل، و إلّا لحصل مجموع مركّب من أفراد متناهية، و لو كان كذلك لكان ممكنا لذاته، لافتقاره إلى أجزائه الّتي هى غيره، و وجوب استلزام الافتقار إلى الغير إمكان المفتقر.
و كلّ ممكن لا بدّ له من مؤثّر، فلذلك المجموع مؤثّر، فذلك المؤثّر إمّا أن يكون نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و الأوّل محال لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر و امتناع تقدّم الشّىء على نفسه. و الثّاني أيضا محال، لأنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه، فلو كان أحد أجزاء ذلك المجموع مؤثّرا فى ذلك المجموع لزم أن يكون مؤثّرا فى نفسه و مؤثّرا فيما هو مؤثّر فيه، و كلّ منهما محال أمّا الأوّل فلامتناع تقدّم الشّىء على نفسه، و أمّا الثّاني فلاستلزامه الدّور، و قد أبطلناه.
و لمّا بطل القسمان الأوّلان تعيّن الثّالث و هو أن يكون المؤثّر فى ذلك المجموع أمرا موجودا خارجا عن ذلك المجموع، و الخارج عن جملة الممكنات لا يكون ممكنا لذاته، و إلّا لكان داخلا فيه، بل خارجا عنه، و هو المطلوب»[1].
و اعلم أنّ هذا الإيراد ليس واردا على النّظم الطبيعىّ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه لو لم يكن شىء من ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الأمور الثّلاثة، و هو إمّا الدّور، أو وجود واجب موجود لذاته، أو التّسلسل. و الأوّل و الثّالث باطلان، و فى الثّاني حصول المطلوب.
فنقول: لا نسلّم أنّ فى الثّاني حصول المطلوب، فإنّه لا يلزم من وجود موجود واجب لذاته- على تقدير أن لا يكون شىء ممّا ذكرتم من الامور الثّلاثة واجبا لذاته- وجود موجود واجب لذاته فى نفس الأمر. و المطلوب هو الثّاني لا الأوّل، و أمّا الثالث
[1]الى هنا ينتهى ما رواه المؤلّف عن الحكماء القدماء من البرهنة على إثبات وجود واجب الوجود، و سوف يبدأ ممّا يلى ذلك بالإدلاء برأيه و مناقشاته لهذا البرهان، ثمّ بيان ما يرتئيه من البرهنة على المطلوب.